الرئيسية / . / الدراما المسرحية تسيطر على أفلام مسابقة مهرجان برلين

الدراما المسرحية تسيطر على أفلام مسابقة مهرجان برلين

أمير العمري

جاء فيلم “الحفل” The Party (أو الحزب، فالعنوان باللغة الإنكليزية يحيل على المعنيين) الذي تعود به المخرجة البريطانية سالي بوتر إلى السينما بعد غياب، مخيبا للآمال على صعيد الطموح السينمائي، والذي قدم في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي الـ67، وإن لم يمنع هذا من الاستمتاع به في إطار “التركيبة” المسرحية الكوميدية التي تدور حول تناقضات البورجوازية، ونفاقها وخداعها لذاتها.

والموضوع قد لا يكون جديدا، أما ما أعجب النقاد والجمهور هنا، فهو الطريقة التي صاغت بها المخرجة تلك العلاقات من خلال الاستعانة بعدد من عمالقة التمثيل، الذين بدا البعض منهم نمطيا في أدائه مثل الألماني برونو غانز والإنكليزي تيموثي سبول، بل وحتى الممثلة الإنكليزية كريستين سكوت توماس. والموضوع يدور حول مجموعة من الشخصيات التي تنتمي إلى الطبقة الوسطى، حين تلتقي على العشاء في منزل جانيت (سكوت توماس) التي تريد أن تصعد سياسيا من خلال حزب العمال الذي تمثله (لا يذكر اسم الحزب في الفيلم لكن ذلك واضح من اتجاهات الشخصية)، والجميع أتوا ليحتفلوا بحصولها على منصب سياسي في الحكومة بعد النجاح الذي حققه الحزب في الانتخابات الأخيرة.

كعادة هذا النوع من الأفلام- المسرحية، تدور بين الجميع حوارات تكشف عمّا يوجد بينها من تناقضات وما تخفيه من ميول ورغبات سلبية، وما تنكشف عنه من خيانات، ورغبة في الوقت نفسه في التعالي على الأزمة بغرض تحقيق مكاسب من نوع آخر، ولكن الموقف العبثي الساخر سينفجر في وجه الجميع. سالي بوتر تسخر من تلك الشخصيات، تعرّيها وتفضح نقاط ضعفها وتهافتها وانتهازيتها ورغبتها السطحية في التمسك بقناع من النفاق الاجتماعي، إنها تقدم صورة مصغرة لما وصلت إليه الطبقة الوسطى في المجتمع الإنكليزي حاليا، من خلال الكوميديا السوداء التي تفجر تلك التناقضات الكامنة، وقد يؤدّي أيضا إلى السقوط في الجريمة، لكن الجريمة هنا مجازية.

نجحت سالي بوتر في التحكم بأداء الممثلين، ودفع الحركة والحيوية داخل الفيلم، رغم أن الأحداث كلها تقع تقريبا داخل غرفة الاستقبال في منزل المرأة المضيفة، أي السياسية جانيت. والفيلم المصور بالأبيض والأسود بميزانية محدودة، ويقع في 71 دقيقة فقط، يبدو أقرب إلى مسرحيات الفصل الواحد الساخرة التي كان يكتبها المؤلف المسرحي البريطاني الراحل هارولد بنتر، وكان يتمّ تصويرها تلفزيونيا في الثمانينات من القرن الماضي.
العشاء

على صعيد مشابه كثيرا، ولكن على طريقة السينما الأميركية في معالجة مثل هذه المواضيع، شاهدنا الفيلم الأميركي الوحيد في المسابقة “العشاء” The Dinner للمخرج أورين موفرمان، الذي جاء، رغم وجود عدد كبير من نجوم التمثيل في بطولته، خاليا من المتعة السينمائية، فهو أقرب إلى مسرحية تدور داخل مطعم من مطاعم الصفوة، تتخلله -في محاولة للتغلب على محدودية المكان- بعض مشاهد “الفلاش باك” أو التذكر من خلال التداعيات، لكنها لم تنجح في إنقاذ الفيلم من السقوط في الرتابة والتكرار، خاصة وأن موضوعه “العائلي” ليس جديدا، فهو يتعلق بموقف شقيقين هما على النقيض من بعضهما البعض في اختياراتهما في الحياة، أحدهما عضو كونغرس يطمح إلى الترشح ليكون حاكم ولاية، والثاني أستاذ جامعي جامح في أفكاره، متمرد ينتقد زيف المؤسسة الاجتماعية.

وتتفجر الخلافات داخل العائلة (أي بين الرجلين وزوجتيهما وبين الجميع) سواء حول قضايا مؤجلة وخلافات قديمة متغلغلة، أو بعد أن يرتكب ولدا العائلتين المراهقان جريمة لا مبرر لها، وبدافع اللهو والعبث، ليكتشف الرجلان أنهما قصرا في تربيتهما للولدين، وأنهما أصبحا أيضا مطالبين باتخاذ موقف واضح: هل يتركان ابنيهما يواجهان عواقب جريمتهما، أم يدافعان عنهما ويستغلان كل ثغرة قانونية لإعفائهما من العقاب؟ هل العقاب ضرورة أم يمكن أن يفاقم الأزمة؟

ريتشارد غيّر في دور عضو الكونغرس الديمقراطي المتمسك بالأخلاقيات، وسينتهي إلى الخضوع لما تراه زوجته الجديدة الشابة، وزوجة شقيقه، كما سيخضع شقيقه (الذي يقوم بدوره ببراعة ستيف كوغان) المثالي في النهاية ويستجيب لواقعية رأي زوجته. وتصبح المرأة هنا أكثر قوة وقسوة وواقعية، بل وقدرة على التعايش مع الخطأ من الرجل بمثالياته الزائفة التي ستنهار في نهاية الأمر عند الشعور بالخطر الذي تمثله على فكرة “العائلة”.

ولا يتناسب عنوان الفيلم الفرنسي في مسابقة مهرجان برلين السينمائي الـ67، “المولدة” The Midwife، مع موضوعه وحبكته ومسار الأحداث فيه. صحيح أن هناك شخصية امرأة تعمل ممرضة متخصصة في توليد النساء هي كلير (تقوم بالدور كاثرين فروت)، لكن البطلة الحقيقية في الفيلم، أو بالأحرى الشخصية الثانية الموازية لشخصية كلير والتي تستقطب الاهتمام ربما أكثر منها، هي شخصية بياتريس (التي تقوم بدورها كاترين دينيف).
وصحيح أيضا أن في الفيلم بعض المشاهد لعمليات توليد تقوم بها كلير كجزء من عملها، لكن هذه المشاهد لا علاقة لها بموضوع الفيلم، أما الموضوع فيتمحور حول تلك العلاقة المعقدة بين كلير وبياتريس، والأخيرة كانت عشيقة والد كلير، وقد اختفت منذ ثلاثين عاما وعادت اليوم تطلب مساعدة كلير، بعد أن أصبحت مريضة بسرطان في المخ وتوشك على توديع الحياة، تريد أن تعوّض كلير عن سنوات الشقاء بأن تترك لها جزءا من أموالها.
المولدة

من هذا المدخل يسعى المخرج مارتن بروفوست إلى تجسيد التناقض بين المرأتين: الأولى، أم لشاب يدعى سيمون، من علاقة غير شرعية قديمة، تولت بنفسها تربيته وأصبح الآن بدوره يوشك أن يصبح أبا من علاقة بصديقته الحامل رولاند، ولكن كلير الملتزمة بقيم الواجب والإخلاص للعمل ورفض الارتقاء من أجل المال، تجد صعوبة في البداية في قبول تقديم المساعدة للمرأة التي كانت سببا في تدمير أسرتها معنويا بعد أن أغوت والدها وجعلته يتخلى عن زوجته وابنته.

ومع ذلك، تستجيب كلير في نهاية الأمر للقيم النبيلة المغروسة فيها وتحاول أن ترعى بياتريس، أما الأخيرة، فهي بوهيمية، تسرف في تناول الشراب والطعام، ولا تجد حرجا في الإقبال على التدخين مجددا بعد أن كانت قد أقلعت عنه، وعلى ممارسة المقامرة، فتخسر الكثير وتربح القليل، وتريد أن تستمتع بالحياة حتى آخر رمق قبل أن يأتي الموت. عدوى حب الحياة تنتقل من بياتريس إلى كلير التي تبدأ بالاهتمام بنفسها وبعلاقتها مع بول، سائق الشاحنة الذي يميل إلى التحرر والاستمتاع بالحياة ويحاول أن يقيم معها علاقة عاطفية وجسدية تتحرج من إقامتها في البداية، ثم تدريجيا تنغمس فيها.

الفيلم مزيج من الميلودراما والكوميديا الخفيفة، وشأن معظم الأفلام الفرنسية من هذا النوع، يلعب الحوار بين الشخصيات الدور الأساسي سواء في نقل المشاعر، أو في الكشف عن الخلفية الخاصة لكل شخصية من شخصياته. وتتولد الكوميديا من بعض المفارقات التي تنتج بالضرورة من التناقض بين شخصيتي المرأتين، وتشبث بياتريس بالإقبال على كل ما يمكن أن يوفر لها السعادة بغض النظر عن العواقب التي تشي بتدهور حالتها الصحية يوما بعد يوم.

في فيلم من هذا النوع يكون التمثيل هو العنصر الذي يوظف لتوصيل التناقضات الكامنة بين الشخصيات المختلفة، فنصبح أمام مباراة في الأداء بين الممثلتين الكبيرتين في السينما الفرنسية، لكن المشكلة أن كاترين دينيف التي تصرّ على تكرار هذا النوع من الشخصيات، لا تتمتع بخفة الظل التي تكفل للفيلم البقاء في الذاكرة، فهي ثقيلة الوطأة على الشاشة، وإن كان هذا الرأي يمكن أن يخالف انطباع الجمهور الفرنسي الذي يقبل أيّ شيء تقدمه دينيف منذ أن فقدت سحرها القديم الذي كان يميزها في أفلام بونويل وبولانسكي وجاك ديمي وكلود شابرول وفيليب دي بروكا وغيرهم من كبار المخرجين.

(العرب)

شاهد أيضاً

ثمن قلب .. ل -إحسان المدني-

-إحسان المدني-   وأدفعُ للريحِ ثمنَ الشجرةْ وأقول : لا تكسري للغصنِ ورقةْ فللقلبِ العاشقِ …