الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / «حافة الكوثر» لعلي عطا… الاكتئاب بطلا للسرد

«حافة الكوثر» لعلي عطا… الاكتئاب بطلا للسرد

أحمد مجدي همام

بعد ثلاثة دواوين شعرية، يقدِّم الكاتب المصري علي عطا في روايته الأولى «حافة الكوثر»، سرداً متشظيا يشبه بقعا داكنة متناثرة على سطح أبيض، نوبات جنون تتخلل وعيا حادا رهيفا حاضرا باستمرار، ولو عكسنا التعبير وقلنا إنها نوبات وعي تتخلل حضورا ذهنيا ضعيفا فلن نكون مخطئين.
في «حافة الكوثر» الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية 2017، يحكي علي عطا، على لسان بطله «حسين»، ومن خلال سرد متواصل يوجهه حسين إلى صديقه «طاهر»، يحكي حالة من الكآبة والرهافة تميّز إنسان العصر الراهن، القابع تحت ضغوط مجتمعية وسياسية، والرازح تحت ثقل ذاكرة عامرة بكل ما هو مؤلم وسام، بحيث تصطبغ الرواية على امتدادها بأجواء مقبضة، وتمرر إلى القارئ إحساسا خافتا بكآبة متواصلة لا تنقطع منذ السطر الأول وحتى النهاية.
الاكتئاب، ركيزة رئيسية ومحرك أساسي للسرد في الرواية، بل يكاد يكون بطلاً للرواية، فليس هناك حدث مركزي رئيسي يزاحم حضور البطل «حسين» في مصحة «الكوثر» للأمراض النفسية والعصبية، ومن هنا يصبح الحديث عن الاكتئاب وأعراضه ودرجاته وطرق علاجه، وسرد قصص مؤلمة تارة، وطريفة تارة أخرى، عن نزلاء آخرين في تلك المصحة، وحتى الاشتياق للمصحة أثناء الابتعاد عنها.. تصبح كل تلك الأمور هي القوام الرئيسي للحكي، ما يحيل الرواية إلى ما يشبه جرعة مكثّفة من الإحساس بالضيق والانضغاط والألم الجوّاني، إذ ليس هناك معطيات خارجية قوية تقود لكل تلك الأحاسيس الكئيبة والكابية.
صحيح أن حسين يقع فريسة لانشطاره بين امرأتين، إحداهما زوجته، والأخرى حبيبة الصبا التي تحوّلت إلى عشيقة فزوجة، وصحيح أن الذكريات تتناهبه، إلا أن عناصر أخرى قادته ليكون نزيلاً معتاداً في مصحة الكوثر الواقعة في حي المعادي القاهري، مثل ضغط زوجته الجديدة لإشهار ذلك الزواج، أو الشجارات الأسرية بين ابنته الشابة وزوجها، أو حتى مرض أحفاد وبعض أبناء إخوته بالسرطان وخضوعهم لرحلات علاج طويلة وكئيبة هي الأخرى.
تبدو تلك المعطيات، شبيهة بكل المسارات التي تقود الإنسان العصري للاكتئاب، مرض العصر، لذلك يغزل علي عطا رافداً معرفياً كبيراً في نسيج سرده، أغلبه مرتبط بالحديث عن الاكتئاب وتجلّياته وبعض الأرقام الإحصائية المرتبطة به، هذا عدا عن إشارات معلوماتية متناثرة، مثل الحديث المطوّل عن الفنان حسين صدقي، الذي يظن حسين أنه أحد المساهمين في تأسيس مصحة الكوثر.
وعلى الرغم من حضور ثورتي مصر في سياق الحكي، يناير/كانون الثاني 2011 ويوليو/تموز 2013، إلا أنهما تحضران كخلفية بعيدة، لا يغيران مسار الأحداث ولا يشكلان منعطفات في الدراما، والدراما نفسها تبدو خافتة، لأنه كما سبق أن أشرنا، تقوم البواعث الداخلية للبطل بدور البطولة، أكثر من حضور خط درامي متماسك ومتصل منذ بداية السرد وحتى نهايته.
لا يسائل علي عطا الثورات المصرية، ولا يحاكمها، بقدر ما يتخذ منها خلفية زمانية، وهذا أمر يحسب لـ»حافة الكوثر»، فليس من أدوار العمل الروائي محاكمة الواقع أو الانحياز السياسي والإيديولوجي.
من المعالم الفنية في «حافة الكوثر» تفاوت الحوار بين الفصحى والعامية، وهو الأمر الذي يشبه تفاوت وعي البطل، بين حضوره في الواقع، وبين بعض الأحلام والتهويمات والاضطرابات النفسية، ليأتي هذا التفاوت متناغماً مع مستويين مختلفين للوعي، أولهما أوقات استقرار حسين وتماسكه النفسي، وثانيهما لحظات انهياره وخضوعه لعلاجات مضادة للاكتئاب، تصل حد الإقامة في مصحة «الكوثر».
اختار علي عطا لروايته لغة مكثّفة، مقتصدة، ولم ينخدع في قدرته الشعرية حيث الخلفية التي جاء منها الكاتب، فتمسّك على طول الرواية، بجملة مقتضبة وهادئة، لا نواح فيها ولا زخارف مجّانية، الأمر الذي جعل من هذه السيرة الروائية وجبة خفيفة وهادئة ذات إيقاع هادئ ومتوازن، فلا ينفلت الإيقاع على امتدادالـ155 صفحة التي تشكل مساحة الرواية، حتى عندما يشرد صوت الراوي، ويفقد تركيزه، ويبدأ بحكاية يسرح منها إلى حكاية أخرى ويختتم كلماته في حكاية ثالثة، يحدث ذلك توكيداً وترسيخاً لحقيقة أن السرد مقبل من وعي مجهد، مضطرب، يجاهد للحفاظ على حضوره، وهكذا منح علي عطا حكاياته المتناثرة ميزة فنية، ومنحها تناغماً مع الحالة النفسية للراوي وطبيعة معاناته الصحية، بشكل فني محكم.
وربما وردت الخلاصة السابقة بشكل أو بآخر عبر الرسائل المتبادلة بين حسين وطاهر، حيث يقول الأخير في إحدى رسائله: «أنت إذن تدرك ما الجوهر، فالأمر ليس مجرد ولع بشهرة، أو وسيلة للارتقاء الاجتماعي، بل هو الكتابة كموقف من العدم، أو كما تشير أنت متماهياً مع خاتمة رواية إيزابيل الليندي صورة عتيقة: «خلاص للذات عبر الكتابة، فاكتب».
هكذا جاء السرد في «حافة الكوثر»، تدفّق من داخل البطل، ليس مرتبطاً بالأحداث التي تقع خارج حيّزه، قدر كونها نوع من البوح العلاجي، سرد مضطري وشفيف، سرد يشبه الاكتئاب تماماً، ويشبه كل محاولات «حسين» للتعافي، أو كما ورد أعلاه: خلاص للذات عبر الكتابة.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …