الرئيسية / إضاءات / الشعر وسماواته الأولى

الشعر وسماواته الأولى

خيري منصور

 

إذا صحّ ما قيل شعرا عن الحب الأول والمنزل الأول، فإن رحلة الإنسان على امتداد العمر هي مجرد بكاء على الأطلال، وإن كل ما يحلم به هو العودة إلى الماضي الذي لا يعود.
لكن الشعر والفن بعامة ليس تعبيرا عن نوستالجيا يصبح معها كل ما مضى مقدسا وذهبيا، على غرار ما وصفه هزيود في تصنيفه للأزمنة، فالشعر أيضا يعبر عن حنين غامض إلى المقبل، فثمة سماوات أخرى موعودة، وهي أيضا فراديس، لكنها ليست من طراز فردوس ميلتون المفقود، وأول ما تستدعيه الذاكرة في هذا السياق هو مجموعة شعرية لسعدي يوسف بعنوان «بعيدا عن السماء الأولى» الذي كتب معظم قصائده في المنفى وبالتحديد في الجزائر.
لكن سعدي الذي قال إن الناس في بلاده لا يقرأون إلا جريدة واحدة هي «طريق الشعب» التي كان يصدرها الحزب الشيوعي العراقي، سرعان ما أصابته الخيبة، ولعله تمنى ما تمناه كفافي، وهو أن يطول الطريق إلى السماء الأولى التي رماها بحجر. وأذكر أنه عاش تجربة قاسية حين نقل من عمله في مجال الثقافة إلى دائرة حكومية لا صلة لها بالأدب، ومن نافذة غرفته كان يطل على ما سماه بيت المسرات، وكتب واحدة من أبهى وأكمل قصائده عن ذلك البيت.
شعراء عديدون اصطحبوا في الذاكرة واللاوعي سماواتهم الأولى، ومنهم من أعاد إنتاجها، كما فعل الشاعر الرومانسي وليم ووردزورث في القصائد التي كتبها عن منطقة البحيرات التي عاش فيها وهو دون العاشرة. كذلك لم تفارق صورة نهر جيكور الصغير ذاكرة بدر السياب، وحاول أن يقطعه مرتين، بعكس ما قال هيراقليطس وهو أن النهر لا يقطع سوى مرة واحدة.
وقد تكون التجربة المبكرة للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، التي حملت عنوان «مدينة بلا قلب»، نموذجا للحنين إلى سماء القرية الأولى، فالمدينة جاحدة، ومئذناتها كافرة، والناس فيها عدد ومن تسأله من المارة عن عنوان يرد عليك دون أن يلتفت إليك، وقد تبدو هذه التجربة في ظاهرها مديحا للقرية، لكنها في الحقيقة هجاء للمدينة، إذ لولا ما تعرض له من قسوة وجحود فيها لما لاذ بالقرية وسمائها الأولى المرصعة بالنجوم لا بمصابيح الكهرباء.
وقد تكون واحدة من أشهر قصائد محمود درويش المتداولة في نطاق شعبي هي حنينه إلى خبز أمه وقهوتها، لكنه لم يحوّل عمره ومشروعه الشعري إلى رهينة لتلك النوستالجيا، وأذكر أنني سألته مداعبا ذات يوم وهو يعد القهوة بإتقان نادر عما كتبه في ذاكرة النسيان عن القهوة وشجونها تحت الحصار عن قهوة أمه فقال: كان زقاق صغير في قريتي يبدو هو الشارع، ثم تبين أن للشوارع تعريفا آخر، بعد أن غادرت القرية إلى حيفا ثم إلى موسكو والقاهرة وباريس. لكن ذلك لا يعني أن قهوة الأم ورغيفها البدائي مقارنة بالخبز الفرنسي في أشهر مطاعم باريس يتحولان إلى رومانسية ينبغي عدم الإفراط فيها، وهناك بعد رمزي لأشياء واقعية يتخطاها في المكان والزمان، وربما بسبب هذا الوعي لدى درويش لم يكن ضحية أوهامه، وكان يقول بكثير من الشجن إنه يعيش بلا أوهام، لهذا كتب عن الوطن البسيط والعادي وضفائر الثوم المعلقة من سقف بيت ريفي وطلب من أحمد الزعتر أن يذهب بعيدا وعميقا في دمه وفي الطحين ليصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين، فالرغيف ضرورة والورد حرية تنتج عن فائضها، ولهذا كتب في إحدى قصائده، إنا نحب الورد لكنا نحب القمح أكثر.
إن جدلية الذاكرة والمخيلة هي ما يحدد في النهاية منسوب الشعرية قدر تعلقها بالسماء الأولى، فالشعر قد يكون له مسقط آخر غير مسقط الرأس، لكن نادرا ما يتجاسر الشعراء العرب على الاعتراف بذلك، خشية من أن يتهموا بالعقوق الوطني، أو خيانة الطفولة، ولديّ أصدقاء من الشعراء يحملون أسوأ الذكريات وأقساها عن طفولتهم، لكنهم يخترعون طفولة بديلة وبذلك يهرّبون الشعر لصالح التواطؤ الذي تمليه الأعراف أو خشية من التأويل المتعسف، وهناك شعراء كبار لم يتحرروا من سماواتهم الأولى، لأن بعض الوقائع في طفولتهم تحولت إلى فوبيات، كما حدث لبودلير بسبب زواج أمه من الجنرال أوابك، أو رامبو الذي حاول أن يلد أباه من صلبه وانتهى به المطاف إلى تلك العلاقة الغريبة والآثمة مع فيرلين الذي كان بالنسبة اليه توأما لدودا.
وما حدث لبعض الشعراء تكرر أيضا، لكن على نحو مغاير مع روائيين، منهم مارسيل بروست الذي كتب روايته الشهيرة «البحث عن الزمن الضائع»، لمجرد أنه تذوق نكهة حلوى أعادته إلى الطفولة، ويقول البير كامو في كتابه «وجها الحياة» إن لكل كاتب أو فنان نبعا واحد يغذيه على امتداد العمر، واستشهد على ذلك بعد فوزه بجائزة نوبل قائلا، إن السلالم الخشبية الأنيقة والصقيلة لم تنسه على الإطلاق الفزع الغريزي الذي كانت تشعر به أصابعه وهو يصعد سلما خشبيا متآكلا تفاجئه فيه الصراصير في حي بلكور، كما أنه اعتبر صديقه القديم صانع البراميل معلما، وأضاف بأنه تعلم الاشتراكية من بؤس طفولته وليس من كارل ماركس، تماما كما اعترف هنري ميلر بأن ملهميه ومعلميه هم سائقو شاحنات وعمال طاعنون في التجربة لا في السن، وهذا أيضا ما عبّر عنه كازانتزاكي في رواية «زوربا» حيث يشعر المؤلف المثقف بأنه مجرد قارض كتب بالمقارنة مع إنسان غير مثقف لكنه يعج بالحيوية ويجسد العنفوان.
إن لكل كائن سواء كان شاعرا أو لم يكن سماءه الأولى، وقد يستبد به الحنين إليها حتى النوستالجيا والبكاء على ما تبقى من أطلالها، وبالمقابل هناك من تتحول حياتهم إلى فرار دائم من الذكرى، وقلما يعترفون بما اعترف به كازانتزاكي في الطريق إلى غريكو وهو حرمانه من الكرز الذي كان يسيل لعابه عليه ولا يتذوقه، ما دفعه إلى أن يملأ حفرة كبيرة بثمار الكرز ويلتهمها حتى التخمة والتقيؤ وبذلك يصفي حساباته مع الحرمان!
(القدس العربي)

شاهد أيضاً

فكتور هوجو .. الفرنسي الذي وجد الجمال في كل شيء

خاص   (الجسرة)   أديب وشاعر وروائي فرنسي (1802-1885)، ولد في بيسانسون في إقليم دوبس شرقي …