الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / سيرة الشاعر الفلسطيني بين زمنين وكتابين

سيرة الشاعر الفلسطيني بين زمنين وكتابين

عبد الله مكسور

تبدو نقاط التقاطع والاشتباك كثيرة ومتنوعة في سيرة مريد البرغوثي التي دوَّنها في كتابيه “رأيت رام الله” و”ولدت هناك، ولدت هنا”، فالسيرة الذاتية التي انطلق منها الشاعر في كتابة تجربته السردية بُنِيَت على دوائر كثيرة انطلق فيها من الخاص إلى العام كمقاتل يسير في حقلٍ من الألغام.
الشاعر ساردا

ربما تكون السيرة الذاتية لجيل من الكُتاب الفلسطينيين الذين عايشوا في طفولتهم النكبة وضياع البلاد، ومن ثم نكسة الحرب في عام 1967 وما تلاها من سنوات عجاف في الكثير من بلدان الوطن العربي، هي الأزخر والأكثر قدرة على إجراء مقاربات حقيقية مع الواقع الحالي، فالبلاد التي عرفوها أطفالاً أو يافعين عادوا إليها عقب توقيع اتفاقية أوسلو وقد مرَّت عليهم سنون عديدة في عواصم المنافي الباردة.

وقد يكون الشاعر والكاتب الفلسطيني مريد البرغوثي هو الأكثر وضوحاً في الاتِّكاء على ذاكرته الشخصية في نسج الكتابات الإبداعية التي سرَد من خلالها الواقع الفلسطيني عبر كتابيه النثريين، “رأيت رام الله”، “وُلدت هناك، وُلدت هنا”، فالتقاطعات الموجودة بين الكتابين تشي بمصداقية عالية في السرد عن مراحل عديدة من حياة الرجل.

“رأيت رام الله”، و”ولدت هناك، ولدت هنا”، عملان يقومان على عدة أعمدة ينطلق فيهما مريد البرغوثي من العائلة الصغيرة في فلسطين والقاهرة، عائلتهُ لأبيه وعائلته المؤلفة من زوجته الكاتبة المصرية الراحلة رضوى عاشور وابنهما تميم، مروراً بمدن وحارات ومواقف في عمَّان وبيروت ودمشق وغيرها، معتمداً وهادفاً في الوقت ذاته إلى تأسيس شكل جديد من الكتابة تتمازج فيه السيرة الذاتية والحبكة الروائية ووميض اللغة الشعرية بإحساس الشاعر، وقد توزَّعَت كلها بين ثنايا السرد.

ففي كتابه “ولدت هناك، ولدت هنا” يقسم الكاتب العالمَ إلى قسمين رئيسيين، فلسطين وما سواها، وتنحصر أدوات الالتقاط للصورة بين السارد الذي يستخدم ضمير الأنا الذاتي وابنه تميم، فجاءت الفصول منسابة تروي تفاصيل الرحلة إلى عوالم تبدو غرائبية للوهلة الأولى، غرائبيتها تنبع من الإحساس بها بين جيلين منفصلين أحدهما تعامل مع فلسطين على أنها الوطن السليب أو الفردوس المفقود بينما رآها الآخر ذلك الوطن المُشتَهى البعيد.

من هذا المفصل يبني مريد البرغوثي عوالمه الفريدة التي يستند فيها إلى ذاكرة حية تمتزج فيها التفاصيل الإنسانية بين الممكن وغير الممكن، فعنوان الكتاب يحمل الثنائية التي تقوم عليها القصة، خلا التسجيلي منها، فما خفي من العنوان المُعلَن هو “الآن أقول وُلِدتُ هنا، وكل العقود الماضية كنتُ أقول إني وُلدت هناك”، هي لحظة الصدمة المُنتَظَرة التي يجيب عليها الابن تميم بعد خمس سنوات من الزيارة الأولى لفلسطين من خلال قصيدته “في القدس”.
يوميات شخصية
يلجأ البرغوثي إلى ذِكر الأشخاص بأسمائِهِم وأوصافهم، خاصة عندما يكون الحديث عن قريته “دير غسانة” حيث نراه يمرر رسائل عديدة تجاهها، يريد من ذلك أن يثبِت أولاً أنَّه لم ينسَ كل تلك التفاصيل التي كانت زادَهُ في الغربة الطويلة، ويستغرق في وصف القهوة وفوائدها، هنا أذكر لقاءً مع مريد البرغوثي خلال فعاليات مهرجان طيران الإمارات للآداب في صيف عام 2011، تحدث خلالها عن هذه المشاهد، مجيباً عن سؤال أحد الحضور حول فنجان قهوة لا ينساه، قائلاً إنه ذاك الذي كلَّفَهُ سنوات من الغربة في بلدان المنفى بعيداً عن عائلته الصغيرة بعد أن استدعاه الأمن المصري على خلفية رفضه لاتفاقية كامب ديفيد.
رأيت رام الله

في كتابه “رأيت رام الله” تبدو السيرية في ثنائيات متقابلة، الوطن والمنفى، الانتهازية والنضال، الاحتلال والاستقلال، الحرب الأهلية والاستقرار، كل هذه الدوائر السردية لا تخضع للعبة روائية معقدة بقدر ما يسترسل الكاتب دون توهان مع التركيز على ذلك الخيط الذي يرتبط به الفلسطيني مع وطنه. ثلاثون عاماً من الغياب يسردها البرغوثي خلال 200 صفحة ضمن فصول محكمة تضمَّنت فكرة العودة والمواجهة مع الوطن والاحتلال، مع رصد دقيق لتنامي شخصيات ضمن البنية الجديدة التي فرضت نفسها على المشهد عقب اتفاقية أوسلو.

الاستناد إلى التاريخ في هذا الكتاب جاء من مشاهدات شخصية، التاريخ الذاتي والعام معاً، فكل ما يحدث هو نابع من رؤية شاملة وعامة قدَّمها البرغوثي بناءً على زاوية نظره هُوَ إلى المشهد، وتبرز هنا حادثة استقالة جمال عبدالناصر والحرب الأهلية في لبنان، فيبدو مريد البرغوثي غير مهادن للتاريخ يرويه كما رآه دون تشويه فشهوده أحياء والذين شاركوه تلك اللحظات لا يزال بعضهم على قيد الحياة.

هكذا يأخذ السرد طابعاً واقعياً بنكهة سحرية في “رأيت رام الله”، مع الحفاظ على تقنيات سردية غير معقدة ولغة شعرية لم تضع فلسطين في مقام الأسطورة بقدر ما كانت الوطن السليب. يشار إلى أن مريد البرغوثي، شاعر وروائي فلسطيني من مواليد في قرية دير غسانة، قرب مدينة رام الله العام 1944، من أعماله الشعرية نذكر: “الطوفان وإعادة التكوين” (1972)، و” فلسطيني في الشمس”(1974)، و”نشيد للفقر المسلح” (1977)، و”الأرض تنشر أسرارها”(1978)، و”قصائد الرصيف”(1980)، و”طال الشتات”(1987)، و”رنة الإبرة” (1993)، و”منطق الكائنات” ( 1996)، و”زهر الرمان” (2000)، و”منتصف الليل”(2005). كما صدر له ديوان باللغة الإنكليزية بعنوان “منتصف الليل وقصائد أخرى”(2008).

(العرب)

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …