الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / «مصر بعيون نسائية أوروبية»… صورة أكثر وعيا بحياة المصريين

«مصر بعيون نسائية أوروبية»… صورة أكثر وعيا بحياة المصريين

محمد عبد الرحيم

«إنها مدرسة يجب على المغرور أن يتعلم فيها التواضع، وعلى الملحد أن يتذكّر ربه، وفيها سيجد المرء هداية أكبر بكثير مما سيجده في شطحات رجال الدين أو مواعظهم». (من كتاب الحياة الشرقية للرحالة البريطانية هارييت مارتينو 1848).
عين غريبة تترصد عالم راكبي الإبل وحاملي السيوف، سحر الشرق الغامض، نساء يحتجبن خلف شرفات عتيقة، يدبرن المؤامرات، رغم هشاشة وضعهن، وأوصافهن المنقولة عن حكايات ألف ليلة وليلة. هكذا كان الشرق في مخيلة المستشرقين والرحالة الأجانب، وهكذا كانت مصر إضافة إلى تاريخها القديم، من معابد وأهرامات وتماثيل وملوك كالآلهة. ولم تقتصر الاستكشافات على الرجال، بل أصبح للأوروبيات دورهن في استقصاء الحال المصري، والكتابة بدقة عن كل ما شاهدته أعينهن. وبين هوس بالتاريخ وأساطيره وأهداف سياسية، وقتها جاءت المرأة الأوروبية إلى مصر، وأضافت الكثير حسب رؤية كل منهن ووجهة نظرها، في صورة أكثر صدقاً ووعياً من كتابات الكثير من المستشرقين الرجال، من هنا تأتي أهمية كتاب «مصر بعيون نسائية أوروبية» للكاتب عرفة عبده علي، الصادر حديثاً عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة حكاية مصر. وهو استقصاء تاريخي واجتماعي للحال المصري منذ بداية القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، وحيث تعتبر كل شهادة منهن بمثابة لوحة أخرى جديدة ــ متباينة ــ تكشف وجهة أخرى من تاريخ تناسيناه.

ملكة ليوم وحيد

«المرأة المصرية قد لا تكون جميلة، ولكنها تتميز بالرقة والجاذبية والضحكة الصادرة من القلب… والقروية تنساب في مشيتها كما ينساب النيل، ومن الغريب أنها تحمل الكثير فوق رأسها، ومع ذلك لا يهتز جسدها، فتبدو راسخة فوق الأرض رسوخ الأهرامات» (من كلمات سوزان فوالكان ضمن إرسالية الأخوات السان سيمونيات 1834). هكذا كتبت الطبيبة الفرنسية، التي نجحت في التواصل مع العديد من فئات الشعب المصري، ساردة تفاصيل دقيقة من حياته الاجتماعية وقتذاك. فتشير على سبيل المثال إلى أن مشاريع الزواج قد تبدأ في الحمّامات العامة المخصصة للنساء، ليبدأ بعدها دور الرجال. وبحضورها العديد من مراسم الزفاف، تعلق فوالكان قائلة إن «الزوجة في الشرق ملكة ليوم واحد لا أكثر».

عالم الحريم المصري

وتحاول الإنكليزية صوفيا لين بول الاقتراب أكثر من عالم الحريم في مصر، مسجلة انطباعاتها التي نشرتها تحت عنوان «امرأة إنكليزية في مصر/رسائل من القاهرة» التي تنظر إلى عالم الحريم في ظل مقارنته بالمرأة الأوروبية، دون نظرة الهوس المعهودة لدى المستشرقين، فتذكر أنه إذا كان الرجل طاغية، تصبح زوجته جارية له، ولكن هذه حالات نادرة. ومن الغريب أن حياة المرأة المسيحية الأوروبية لم تكن تختلف كثيراً عن حياة المرأة في الشرق، فالمراة في أوروبا ظلت مكبّلة بأشد القيود حتى نهاية القرن التاسع عشر، والنظرة المتدنية إلى المرأة الأوروبية وصلت إلى حد إثناء الشاعر روبرت سوثي لشارلوت برونتي عن الكتابة، قائلاً «يجب ألا يكون الأدب هو شغل المرأة الشاغل». وتخص الكاتبة محمد علي باشا بكل التبجيل لوعيه المستنير، وتذكر حادثة بالغة الدلالة حدثت وقتها، وترمي بظلالها حتى اليوم، لنحاول أن نشهد الفارق الشاسع، فتقول «من أفضل سمات محمد علي تسامحه الديني، في الحالات التي يكون فيها الشرع متعسفاً وقاسياً إلى أبعد حد، فقد حال دون تطبيق حُكم الشرع في أشخاص كانوا مسلمين منذ مولدهم، ثم اعتنقوا المسيحية».

مؤامرات القصور

ومن الوجهة السياسية تأتي كتابات الأديبة الفرنسية أولمب إدوارد، التي زارت القاهرة عام 1864، فتشير إلى فترة حكم عباس حلمي الأول، وكيف دبّرت عمته الأميرة نازلي هانم حادث مقتله، حيث أرسلت من مكان إقامتها بالآستانة مملوكين نجحا في الوصول إلى قصر عباس حلمي، وأصبحا ضمن طاقم حراسته، وقد قاما بخنقه ليلاً، وفرّا عائدين إلى الآستانة. كما تشيد بعصر إسماعيل وإصراره على تحويل مصر إلى قطعة من أوروبا، فالقاهرة الحديثة كانت تجسيداً لرغبته العارمة في أن يشهد الغرب عاصمة أوروبية تحكم دولة عصرية، تقوم على ضفاف النيل، وتمتد من الإسكندرية إلى الخرطوم.

إنكليزي سمين آخر

عاشت الكاتبة البريطانية أرتميس كوبر وقائع وتداعيات الحرب العالمية الثانية في مصر، حيث كانت تقوم بتدريس اللغة الإنكليزية في جامعة الإسكندرية. وتواصلت مع الشأن السياسي والاجتماعي المصري بشيء من التعمق، ولها بالطبع وجهة نظرها في تحليل بعض هذه المظاهر أو المواقف، فتشير بداية إلى تركيبة وطبائع المجتمع المصري آنذاك، فالقاهرة كانت شأن المدن الكبرى في الشرق تضم العديد من الجاليات والطوائف، مؤكدة أن المجتمع المصري ــ وقتها ــ لم يشهد شيئاً من التمييز العرقي أو التفرقة الدينية، كما أن عائلات الموظفين الأوروبيين كانت تعيش في مستوى أفضل بكثير من العيش في أوروبا ذاتها. وتذكر مقابلة الملك فاروق لونستون تشرشل في 27 يناير/كانون الثاني 1943، واندهشت كوبر من أن الملك كان يُخاطب زائره طيلة المقابلة دون أي ألقاب. وعندما سُئل الملك حول انطباعه عن تشرشل، قال «إنكليزي سمين آخر».

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …