الرئيسية / فوتغراف / «الغرفة المضيئة» لرولان بارت… الصورة ودلالات النص البصري

«الغرفة المضيئة» لرولان بارت… الصورة ودلالات النص البصري

محمد حنون

في كل صورة فوتوغرافية، أيا كان محتواها وأيا كانت جودتها، وبعيدا عن التقييم الفني لها، ثمة سرد بصري ومفردات بصرية تحرض المتلقي على خلق «مونولوج» داخلي مواز للصورة، وتعمل كذلك على نشوء تداعيات ذهنية لديه؛ إذا ما تم التعامل مع معطياتها البصرية في سياق تأثيراتها العاطفية والنفسية والمعرفية، من خلال توظيف منهجيتين؛ «الإدراك الكُلي» و»الاستدلال التأويلي». ولا يطفو هذا السرد البصري على سطح الصورة إلا من خلال تجاوز ما هو مرئي فيها إلى ما هو كامن في دلالاتها «السيميائية»، أي بوصفها نصا بصريا وليس محتوى فوتوغرافيا وحسب، وهو ما يمكن القول بأنه ما وصفه الفيلسوف والناقد الفرنسي رولان بارت في مقولته النقدية حول الفوتوغراف حين كتب: «الصورة الفوتوغرافية خفية دائما: وهي ليس ما نراه فيها».
ذهب بارت إلى توظيف «السيميولوجيا» بكل أدواتها ومنهجياتها في قراءة العناصر البصرية في الصورة الفوتوغرافية، بما تحمله من رموز ودلالات أنطولوجية / وجودية، وتأسيس شكل من أشكال القراءة البصرية لما هو أبعد مما نراه في الصورة الفوتوغرافية في تمظهراتها المباشرة. وقد حدد بارت عدة مفاهيم في الصورة التي تخضع للقراءة، ولكنه ميز مفهومين رئيسيين فيها، الأول هو الـ»ستوديوم» الذي يعني باللاتينية حرفيا «البحث» أو»الدراسة» ولكنه قصد به «التطبيق»، وهو بحسب بارت ما يمكن من خلال الاستدلال التأويلي قراءة ثقافة ولغة ودلالات الصورة، أما المفهوم الثاني فهو الـ»بونكتوم» والمراد به «نقطة الجذب» وهي كلمة لاتينية تعني حرفيا «نقطة حادة»، ولكن بارت استخدمها للقيمة اللغوية الحرفية للكلمة، أي النقطة المدببة التي تجرح؛ إذ وصف تأثير المفهوم الثاني عليه بالـ»وخز»، ومن خلال هذين المفهومين تمكن بارت من أن يقدم للمتلقي مفاتيح جديدة لإعادة النظر في طريقة استعراض الصور والنظر بعمق أكثر لمحتواها الكامن.
انشغل بارت فلسفيا وحسيا بقراءة ما هو غير مرئي في الصورة الفوتوغرافية، وراحت الوجودية لديه تتجلى بما يمكن للصورة أن تثير في داخله من تداعيات وجودية تاريخية ذاتية تارة، وعامة تارة أخرى.
كانت صورة واحدة، بدلالاتها السيميولوجية والوجودية كفيلة بتحريض قريحة بارت على إنجاز كتابه القصير حول التصوير الفوتوغرافي ودلالاته، والمعنون بـ»الغرفة المضيئة» عام 1980، وهو العام ذاته الذي مات فيه بارت إثر حادث دهس بسيارة لغسل الملابس، فيما كان يسير في شوارع باريس (حتى موته يمكن أن يرى بمنهجية سيميولوجية)، وقد كان هذا الكتاب هو آخر كتابات بارت الرئيسية والكبيرة في الفنون البصرية.
يقول بارت في الجزء الأول من كتابه هذا: «لقد عثرت على صورة منذ زمن لجيروم، الشقيق الأصغر لنابليون، وقد التقطت له عام 1852، وقلت لنفسي يومئذ بدهشة لم أتمكن أبدا مذاك أن أخفف من حدتها: إني أنظر لعينين نظرتا للإمبراطور»، ويكون بارت بذلك قد تجاوز الظاهر في الصورة وما هو مرئي؛ إلى ما هو أعمق من ذلك من الناحية الوجودية والرمزية للصورة.
في صورة جيروم، يناقش بارت حتمية وجود نابليون من خلال يقينه بأن عيني جيروم نظرتا إليه، موظفا مفهوم « الإدراك الكُلي» لقراءة الصورة وجوديا، وذلك ليتجاوز من خلالها العادي إلى الاستثنائي، فلم ير بارت الصورة بعاديتها الفوتوغرافية، أي بأنها صورة لجيروم، بل رآها كدلالة على الوجود التاريخي لنابليون. لم تكن هذه المنهجية في القراءة مقصورة على التداعي التاريخي الوجودي العام، بل قام بارت بتطبيقها كذلك على أسئلته الوجودية الذاتية في سياق قراءة صورة أمه.
كان لموت والدة بارت أثر كبير عليه، ومع ذلك حين قام بقراءة صورة أمه القديمة، لم تكن قراءة عاطفية بقدر ما كانت قراءة وجودية ذاتية، حيث اتخذ بارت الملابس التي كانت ترتديها أمه في الصورة كإشارة ودلالة على عدم وجوده في الحياة وقتئذ، وقد كانت الصورة لأمه في شبابها عام 1913، أي قبل أن يولد بعامين. يقول بارت: كنت قادرا على قراءة عدم وجودي من خلال رؤيتي لملابس أمي التي كانت ترتديها في الوقت الذي لا يمكنني تذكرها فيها. ثمة دهشة عارمة أن ترى إنسانا مألوفا يرتدي ملابس مختلفة».
لم يكن بارت بحاجة لمعرفة تاريخ الصورة أو مناسبتها، أو عمر أمه حين تم التقاط هذه الصورة لها، ولم يتطرق حتى لمناسبتها أو لمصورها، كل الذي جذبه/ وخزه (نقطة الجذب) بصريا لقراءة الصورة هي موضة الملابس بدلالاتها وصولا لرؤية عمق ما هو أبعد من ظاهر الصورة؛ حيث كانت الملابس أكثر من كافية ليقرأ فيها حقيقة «لا وجوده» في تلك اللحظة التاريخية التي التقطت فيها الصورة.
لم يستثن بارت أي صورة، من هذه الآلية في قراءة المعطيات البصرية فيها، فلقد تناول الصور الصحافية بهذه المنهجية، مقدما قراءة دلالية للمشهدية الإخبارية ورمزيتها بعيدا عن واقع الخبر، حيث قام بتفصيل قراءة صورتين للمصور والمراسل الهولندي كُوين ويسينغ أثناء تغطيته الشهيرة لثورة «نيكارغوا» ما بين عامي 1978- 1979 من قبل ثوار «جبهة ساندينيستا للتحرر الوطني» للإطاحة بحكم سوموزا وتأسيس حكومة ثورية فيها.
تناول بارت صورتين من أعمال هذا المصور، ولكنه كان تناولا مفاجئا، فعلى الرغم من عمق وقوة الصورتين صحافيا وإخباريا وتاريخيا، إلا أنه كان مشغولا أيضا بالأسئلة الوجودية للمحتوى البصري، وبالرمزية والدلالات السيميولوجية للصورة، واصفا الصور بـ»الاعتيادية الفوتوغرافية»، مُقَيِّما أهمية الصور هذه من خلال عناصر بعيدة تماما عن القيمة التوثيقية الفوتوغرافية والصحافية للحدث السياسي، في حين أن الصور لم تكن غير اعتيادية بأي شكل من الأشكال. يضيف بارت قائلا حول هذه الصور بأنها: «لا شيء غير اعتيادي حولها، صورة اعتيادية لثوار نيكاراغويون، لشارع محطم، جنديين يعتمران خوذتين أثناء قيامهما بدورية، ومن خلفهما راهبتان، هل أرضتني هذه الصورة؟ هل شدت انتباهي، هل أثارت اهتمامي؟ ولا حتى كذلك. ببساطة، كانت الصور (بالنسبة لي) فقط موجودة». في واحدة من الصورتين، تمر راهبتان من تقاطع طرق على أطراف قرية متشظية الشوارع نتيجة للمعارك ما بين الثوار وجنود ساموزا، فيما البيوت تبدو مهجورة. تمر الراهبتان بالقرب من دورية راجلة لثلاثة جنود، ثمة ديناميكية حية ومتحركة للصورة (على الرغم من أن الصورة الفوتوغرافية تعني سكون المشهد)، وثمة معطيات إخبارية عالية ومكتملة العناصر، مع بروز تناقض غير اعتيادي وصاخب في المشهد؛ ما بين المناخ العام للمكان والحدث، وما بين مرور الراهبتين الذي يضفي على المشهد سكينة ذهنية مفترضة عند المتلقي، لما تحمله الراهبتان بمكانتهما المجتمعية ومسوحهما الكنسية، من رمزية ودلالات تُناقض واقع الصورة ومعطياتها البصرية، إلا أنه وفي الوقت نفسه يضفي هذا التناقض وتضفي هذه السكينة المفترضة توترا دراميا بصريا في الصورة. بالإضافة لذلك، لم ينتبه بارت لعنصر بصري في الصورة، وذلك نتيجة تناوله للصورة بمنهجية سيميائية أدبية بحتة؛ متجاهلا المعطيات الصحافية، ولم يوظف بارت، لسبب أو لآخر، عنصر الـ»ستوديوم» الذي قام هو بإيجاده، أي عنصر التطبيق/ الدراسة لقراءة الصورة من خلال مفهوم «الاستدلال التأويلي»، وقد أغفل عنصرا مدهشا و(غير اعتيادي) في الصورة، وهو العنصر الذي عادة ما يضعف الصورة الصحافية ويخرجها من واقعية الحدث (ولكن ذلك لم يحدث مع هذه الصورة)، وهي نظرة الجنود الثلاثة وواحدة من الراهبتين باتجاه المصور، وهو إذا ما طبقنا منهجية بارت الوجودية والقراءة في عمق الصورة – على منوال قراءة صورة جيروم شقيق نابليون، وقراءة صورة أمه – يمكن عندئذ القول بأن نظر هؤلاء نحو المصور أضاف دلالة وجودية لحقيقة وجود المصور وجعله جزءا من الصورة وليس فقط مصورها (على الرغم من أن وجود الصورة وحدها كفيل بتقديم حتمية وجود المصور).
وثمة غرابة في وصف بارت لهذه الصورة حين وقع في خطأ وصف الجنود في الصورة بأنهم ثوار نيكاراغويون ( لم يتحر بارت الدقة في المعلومة الصحافية، فهي لا تعنيه تماما)، في حين أن الجنود في الصورة هم جنود ساموزا وقد تأكدت من ذلك من خلال العودة للأرشيف الهولندي، وقراءة الوصف الذي نشر مع الصورة يومئذ، ولكنه من المدهش أن لا يستنتج بارت ذلك فقط من خلال النظر للصورة – وهو صاحب الاستدلال البصري التأويلي – حيث أن ارتداء هؤلاء الرجال الثلاثة زيا عسكريا وخوذا عسكرية يدل على ذلك، فالثوار لا يرتدون ملابس عسكرية أو خوذا موحدة نظامية. مثل هذا الخطأ في الوصف لا يمر مرور الكرام في العمل الصحافي، حيث أن أهمية وصف الصورة ببضع كلمات (كابشن) أمر مهم جدا ولا يحتمل هفوة كهذه في مثل هذه الأحداث التاريخية، غير أن بارت لم يكن معنيا كثيرا بالخبر الصحافي في الصورة، بقدر ما كان مهتما بالمعطيات البنيوية والبصرية في الصورة؛ وعلى الرغم من اهتمامه هذا – البنيوي البصري – أخطأ بارت خطأ آخر لم أجد تفسيرا له.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

أعمال الفوتوغرافية كاميل لوباج في كتاب ضخم: موت صحافية شجاعة!

أصدرت والدة كاميل لوباج، المصوّرة الفوتوغرافية التي قُتلت في أفريقيا الوسطى أيار 2014، كتاباً مكرّساً …