الرئيسية / . / إنسان المغاور، مغاوِر الإنسان

إنسان المغاور، مغاوِر الإنسان

ادونيس

1 –
صار من الضروريّ، أن يعيد علماء الاجتماع و «علماءُ الثّورات» النّظرَ في المسلَّمة القائلة: «الشّعبُ لا يُخطئ».
«الشعب»، شعب «الإيديولوجيّات»، على الأخصّ، يخطئ هو أيضاً. وهو أحياناً، لا يرتكب الأخطاء الفادحة وحدها، وإنّما يرتكب أيضاً الأخطاء القاتلة.

– 2 –
الخاصّيّة العميقة للديمقراطيّة، حقوقاً وحرّيّات، تكمن في أنّ الفرد الذي لا يشارِك «الجماعة» أيّة جماعة، أو «الأغلبيّة»، أيّة أغلبيّة، في آرائها أو مواقفها لا يوصَف بأنّه «ضالّ»، فلا يُخَوَّن ولا «يُعاقَب»، على موقفه، ولا يُجَرَّد من حقوقه وحرّيّاته. عدَمُ المُشاركة هو كمثل المشارَكة، حقٌّ من حقوق الإنسان، يجب احترامه وحمايته والدّفاع عنه.

– 3 –
يقول الشاعر الفرنسيّ لامارتين (1848)، خلافاً لما تقدّم: «هناك لحظات شطَطٍ عــند الجمهور. هناك أسماء تجرّ البشر كمـــا يجرّ السّرابُ القطعان. لكن، على الرّغــم من ذلك، لن أتردّد في إعلان رأيي بأنّ الشّعب هو الذي يجب أن ينتخِب الرّئيس». ويتابع قائلاً: «إذا أخطأ الشّعب، واستسلم للإمبراطورية، إذا رفضنا ورفض نفسه، فإنّه هو الذي سيخسر».

– 4 –
ـ ما الحاضر؟
ـ إنه كمثل برعُمٍ يتفتّح في اتّجاه المستقبل. هذا التفتّح هو النّموذج البدئيّ للعلاقة بين الإنسان ونفسه، وهو الذي يرسم الذّات، أو بالأحرى، النّواةَ الأولى للذّاتيّة، وفقاً للفيلسوف الألمانيّ مارتن هيدغر.

– 5 –
نعم أيّها الصّديقُ اللاعبُ الجميل، النَّرْدُ نفسُه طائشٌ، واللعبُ نفسُه، هذا الماءُ الكونيّ العذْبُ، آخِذٌ في التّحوّلِ إلى أمواجٍ متعفِّنة.

– 6 –
الكلامُ ترَحُّلٌ آخر للجسم.
عندما يتكلّم الإنسان يصِلُ ويفْصِلُ في آنٍ: يصِلُ بين اللغة والعمل، ويفصل بينهما كذلك.
الكلامُ هو مكانُ العلاقة التي تميِّز أو تحدِّد الإنسان بشكلٍ عامّ.
وهذه العلاقة هي التي تُضْفي على كلّ فردٍ أمارتَه الخاصّة.
يمكن القول، إذاً، إنّ الكلامَ فعلٌ هو أيضــاً، خارجَ مادّيّة الجسم الذي يصدر عـــنه. يمكن القول أيضاً إنّ الإنسان يقدر بالكــــلام أن يحتفظ في قلبه بحضور الآخر الغائب عن جسمه، أي «المنفصل» عنه.
الكـــلام يحرّر طاقــــات الجسم، لكنّه لا يحلّ محلّها كما يغلب عندنا نحن العرب.

– 7 –
باســـم هذه المتاهة الكبرى التي تُسمَّى «الجمــهور»، يعمّ الابتذال في العالم كلِّه: فنّاً، وفكراً، وسياسةً. إنّه عصرُ الابتذال. وسوف يندرجُ اسمُه، على الأرجح، في كتاب التطوُّر البشريّ، علوّاً أو انحداراً، بين أسماء العصور التي مرّت فيها البشريّة، بدءاً من العصر الحجريّ الأوّل.
مع «تميُّز» خاصّ: «المعدة»، بصورها المختلفة، السّلطويّة ـ الماليّة، على الأخصّ، هي التي تقود هذه الأوركسترا الضّخمة.

– 8 –
هوذا الشّاعرُ يُطارِدُ الصّورة.
اليومَ، اليومَ. غداً، غداً.
الطّريقُ بعيدةٌ جدّاً.
والموتُ قريبٌ جدّاً جدّاً.

– 9 –
ـ أخيراً، أنت المسافِرُ أبداً،
ماذا علّمك السّفر؟ ماذا يعلِّمك؟
ـ كيـف أفـــتحُ طـــريـقــاً لا تـفتحها حـتّــى الــرّيـــصح.

– 10 –
سألني، ظنّاً منه أنّ لديّ جواباً:
ـ لماذا كنت أحلم دائماً أنّني أنحدر من سلالةٍ لا تقدر أن تمتطي إلّا الخيولَ الجامحة؟

-11-
ـ هل تحبّ ألّا يملَّ الزّمن من قرع أبوابك؟
إذاً، اعمَلْ للفنّ كأنّك تعيش أبداً،
واعملْ للحبّ والصّداقة كأنّك تموت غداً.

-12 –
لكي تقرأ شاعراً قراءة شعريّة حقّاً، لا بدّ من أن تدخل بحبٍّ في عالمه الفنّيّ. بدءاً من ذلك، سترى كيف يتبجّس الضوء من قراءته وفيها، وكيف تسافر في فضاءات شعره، أفقيّاً وعموديّاً ـ وكيف تتصادقان.

– 13 –
لا تكتفي المخيِّلةُ بأن تصوِّر. المخيّلة تفكِّر هي أيضاً.
هكذا لا أتحدّث مع الواقع إلّا لغايةٍ أساسيّة: أن أوقظ فيه أحلامَه النّائمة.

– 14 –
زرتُ مؤخَّراً، معرضاً لما يُسمّى «الفنّ المعاصِر». وهي زيارةٌ أتاحَت لي أن أتفهَّم، بشكلٍ أعمق، هذا الفنّ.
1 – «الفنّ المعاصِر» لا يعني تحديداً أو حصْراً الفنّ الذي يُنتَج الآن ـ اليوم.
2 – يقوم على مفهومات خاصّة تستند إلى قواعد ومبادئ لا علاقة لها بقواعد التصوير أو النّحت، المعروفة.
3 – هو قطيعة مع ما يسمّى «الفنّ الحديث». وقد بدأ مع مارسيل دو شامب، في السنة 1917، في 9 نيسان، مع العمل الفنّيّ، «المبْوَلة المقلوبة». ويتميّز بالخصائص التّالية:
1 – الـــخــرق أو الانــــتـــهــاك Transgression.
2 – غياب الحدود.
3 – لا سابق لما يفعله الفنّان، لا تقليد لما مضى.
4 – ليست «الفنّيّة» في العمل ذاته، كما هي الحال في الفنون قبله، وإنّما هي في طريقة عرضه على الجمهور.
5 – هو فنّ «الفكرة» ، فنُّ «السّرد».
6 – أبطلَ الفروق بين العمل ـ الأصل، والنُّسَخ التي تُطابقُه.
7 – ليس «علم الجمال» بالمعنى الكلاسيكيّ مرجِعاً له.
8 – أبرز أشكاله التّعبيريّة:
– بوب آرت Pop Art
– الواقعيّة الجديدة Nouveau réalisme
– الفنّ المفهوميّ Art conceptuel
– الهابينينغ Happining
– البيرفورمانس (الارتجاليّة)Performance
– الفيديو Video
9 ـ عمر الفنّ المعاصر مئة سنة (1917 ـ 2017).
لمزيد من المعرفة، يُقرأ هذا الكتاب:
Nathalie Heinich: Le paradigme de l’art contemporain

15 ـ شذرات
1-
ليس للعمود أيّ مَيْلٍ إلى الجلوس، إلّا انحناءً وتفجُّراً أمام سيّارة مفخَّخة.
خصوصاً ذلك الذي نفخ الإسمنت فيه من روحه.
تلقائيّاً يُنَصِّب نفسه قَيّوماً على الرّيح وعلى الغبار ـ غبار البشر وغبار الطّبيعة.
2 –
تؤكِّد أعمالُ بعض البشر وأفكارهم أنّهم يعرفون كلّ شيءٍ عن الشرّ،
هل يعني ذلك أنّهم لا يعرفون، بالضّرورة، أيّ شيءٍ عن الخير؟
3 ـ
– ما معيار الكتاب المهمّ في نظرك؟
– أن تشعرَ، فيما تقرأه، أنّه يتحدّث معك، وأنّك أقلُّ وحدةً.
4 –
يقول إدغار موران، الفيلسوف الصّديق، في أحد كتبه الأخيرة: «ننتقل فــي الحضــارة من مشكلة إنسان المغاور، إلى مشكلة مغاور الإنسان». ويقول الكاتب الفرنسيّ ميغيل بونفوا: «العصفور الدي وُلِد في قفص، يظنّ أنّ الطيَران مرضٌ».

(الحياة)

شاهد أيضاً

طريق طويل.. ل -حيدر محمود-

-حيدر محمود-   أنا وأنت ِ والطريق يحاول تقبيلك بين الخطوة وألاخرى والاشجار التي في …