الرئيسية / مسرح موسيقى / «اترك أنفي» عمل يستعيد أسلوب «كوميديا ديلارتي»

«اترك أنفي» عمل يستعيد أسلوب «كوميديا ديلارتي»

يسري حسان

الرغبة في استعادة الجمهور، واللجوء إلى مناطق آمنة سياسياً، والترفيه عن الناس، أسباب ثلاثة دفعت كثير من عروض المسرح المصري إلى «سكة الكوميديا» التي باتت وصفة مضمونة لتحقيق النجاح وتجنّب المشاكل.
«مركز الهناجر للفنون» في القاهرة، المعروف بجمهوره النوعي وعروضه ذات النزعة التجريبية، دخل أخيراً على الخط ليقدم هذه المرة عرضاً ينتمي إلى الكوميديا ديلارتي، أو الكوميديا المرتجَلة، عنوانه «أترك أنفي من فضلك» وكتبه وأخرجه إسلام إمام. واتضح الإخلاص لفن الكوميديا ديلارتي في بساطة الكتابة لسهولة وصولها إلى الناس، فضلاً عن المبالغة في الأزياء التي بدا الممثلون فيها أقرب إلى مهرجي السيرك، وبالتالي اتسم أداؤهم التمثيلي بالمقدار نفسه من المبالغة وخفة الظل. وهنا نحن أمام مسرح أنماط لا شخصيات، الأب أبله، والزوجة متسلطة، والصديق غريب الأطوار، والأم مسنّة فاقدة للذاكرة.
وإذا كانت الكوميديا ديلارتي التي أفل نجمها قد عُرفت بعدم وجود نص مكتوب والاعتماد على الارتجال المنظّم أو المحسوب، أو حتى الاعتماد على سيناريو يضعه المخرج في الكواليس ليعرف كل ممثل دوره والمساحة التي يجب أن يملأها تمثيلاً أو غناءً، أو القيام بحركات بهلوانية، فقد خالف المخرج هذا العرف وكتب نصاً تاركاً مساحة بسيطة لارتجالات الممثلين سواء بالكلام أو الحركات الجسدية المضحكة أو الغناء. واستدعى إمام قصة «أليس في بلاد العجائب» التي ربطت بين اللوحات المتعددة، وأوجدت خيطاً درامياً بينها. فنكون أمام صديقين لا يفترقان ويقتسمان اللقمة والملابس. ولكن تأتي لحظة الخلاف عندما يركز أحدهما على أنف الآخر ويصفه بأنه ضخم ويتهكم عليه، وكأنها القشة التي قصمت ظهر الصداقة، لتنشأ خلافات بين العائلتين تغذيها تدخلات الآخرين. وفي النهاية وبعد فواصل كوميدية عدة، يكتشف كل منهما أن الأمر لا علاقة له بكبر الأنف أو صغره، وأن على كل امرئ ترك أنوف الآخرين وشأنها…
تلك هي الحكاية- الإطار لنقل رسالة العرض الواضحة والمباشرة: أن ندع كل إنسان وشأنه، قصيراً كان أو طويلاً، أصلع أو كثيف الشعر، لا تنظروا إلى الخارج وركزوا أكثر على الداخل. وجاء اختيار الأنف لكونه بطلاً لأحد الأمثال الشعبية المصرية، «يحط مناخيره في كل حاجة»، أي يتدخل في ما لا يعنيه من دون أن يدعوه أحد إلى التدخل. والدعوة هنا «اترك أنفي من فضلك» عبر توظيف المثل الشعبي، تعني كذلك اسحب أنت الآخر أنفك واتركني وشأني.
البهجة والتسلية هما أكثر ما بحث عنه العرض، وأكثر ما وفّق في الإمساك به، فطبيعة الأزياء، والشعر الغريب المستعار، واستخدام العرائس والأقنعة، وطريقة الأداء، الجمل وشعبيتها، فضلاً عن المواصفات الجسدية لبعض الممثلين، كل ذلك جلب الضحكات ولم يتجاهل النصيحة. ولمزيد من التزام المخرج بطبيعة الكوميديا ديلارتي، اختار ممثلاً ليلعب دور سيدة مسنّة، وفي مقابلها الأب ضخم الجثة خفيف العقل. لا ديكور تقريباً سوى بعض الستائر في جوانب المسرح، وإطارات شعبية مبهجة في مقدمه وخلفيته، ما أشاع أجواء كرنفالية أطَّرتها في غالبية مشاهد العرض إنارة كاملة لا إضاءة متنوعة بحسب كل مشهد وحالته. لا لغة تحتية أو مضمرة في العرض يمكن تأويلها لجهة همّ سياسي أو فلسفي، فاللغة لا تدّعي أكثر مما تحمل. لكنها على رغم ذلك وفي هذا السياق الكوميدي الشعبي، جاءت «حرَّاقة» بلغة الشعبيين. غمزت ولمزت في نطاق العلاقات الإنسانية بين أبطال العرض، ما أثار ضحك الجمهور، خصوصاً أن الغمز واللمز مسَّا العلاقات الزوجية وإن بشكل مغلف بعيداً من الإشارات الصريحة التي لا تناسب الجو الأسري الذي سعى المخرج إلى إضفائه على الصالة.
لا يعني الكلام عن أفول نجم الكوميديا ديلارتي حكماً على ما يقدم منها الآن، فكل نوع أو شكل أو طريقة له أدواته وقوانينه الخاصة التي يتم التعامل بها معه. ومن هنا، فالأمر يتوقف على مدى نجاح المخرج في تحقيق الغرض من عرضه، وكذلك اللمسات التي سعى من خلالها إلى تجديد طاقة الشكل الذي يعمل عليه. ولا بأس باستعادة شكل قديم ما دام يفي بالغرض الذي من أجله صنع العرض، لكن يبقى السؤال: هل يكتفي صناع هذه العروض بالحكاية الإطار والأداء التهكمي والأزياء المضحكة، ما دام ذلك يؤدي الغرض، أم إن عليهم إشباع هذا الإطار ودعمه ليكون أكثر ثقلاً وعمقاً وطرحاً للأسئلة، فيجمع بين متعتي التسلية والتفكير؟

(الحياة)

شاهد أيضاً

تحية إلى بعلبك من معهد العالم العربي في باريس

رندة تقي الدين ستضاف معهد العالم العربي في باريس، ليل الجمعة- السبت، أمسية غنائية وشعرية …