الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / ‘ذاكرة فوق جدار النسيان’ .. الانطباعية والمؤثرات الحسية

‘ذاكرة فوق جدار النسيان’ .. الانطباعية والمؤثرات الحسية

فيصل فيصل
من الصعب جدا ان تكتب مقدمة لشاعر مهم عن قصائد بعينها بعيدا عن مواقفها ومذاهبها ومناهجها الفكرية والفلسفية، فتكون المقدمة نقلا حرفيا لمحاكاة النصوص وبهذا نكون قد ارتكبنا خطأ فنيا في القراءة الصحيحة لمجمل الفعاليات التي تشكلت منها النصوص والمغزى الذي يريد النص ان يوصله بمكنوناته المضمونية والتي تتماهى بين تشكلات تضادية زخرفتها العوادي بحرفية تطابقت مع مقولة كولردج “إنه القوة السحرية التي توفق بين صفات متنافرة”.

ومن المفيد ان نأخذ حياة الشاعرة ومراحل تكونها لما لها من مساحة حيوية تأخذنا الى مديات الجمالية والشكلية والتعبيرية والاسلوبية، والتي يمكن أن يقاس بها ما أثارته النصوص من أشياء مألوفة لشيء غير مألوف، كما وصفها الدكتور على جواد الطاهر لتكوين فكرة لما آلت له الأفكار على اكتشاف صور مبتكرة أوجدتها الأخيلة المبدعة التي تهدف الى تعظيم قدرة التأمل وبما يتوافر فيها من خصائص وعناصر الجمال على نحو بنائي تركيبي متألفة متناسقة في الأفكار والعواطف والاخيلة.

لهذا عندما نقرأ حياة الشاعرة إقبال جاسم محمد العوادي نعرف أن مؤثرات البيئة الاجتماعية والطبيعية كانت حاضرة في أغلب نصوصها فضلا عن المنفى والغربة الذي بلغ أشده مع تقدم الزمن حتى صارت عاشقة تحت لهيب جنون وحرارة الاشتياق، والذي تمظهر بأشكال شتى وسوف يتمتع القارى الكريم وهو يطوف في روابي الاحلام العوادية وفي مجالها التخيلي الرحب وهي توحي بانسياب شعوري جذاب وفي نفسها الذي لا ينقطع حتى تنتهي من رسم آخر لقطه لها على خد القصيدة.

فهي تخوض بالملموس تجربتها الابداعية، تستغرق في جمالية الاحاسيس المرهفة، وعند اشتغالها بين الوعي واللاوعي فهي تنزع النظارات الطبيه وترى وجه الحقيقة بعيدا عن زخرف القوالب اللغوية الجامدة والتراكيب المبهمة صورة طبق الاصل لكل ما يهيمن على شعورها وحواسها. إنها النموذج الذي لا يشبه أحد الا نفسها عندما تتماثل معها على شكل كائنات حيه تمشي معها على صراط الشعر على نحو يتجلى توكيد ما قلناه في هذه الموجز بعاطفة رقيقة عذبه تراها فرحه وكئيبة وحالمة الى حد الانصهار تتفاعل وتتنفس الطبيعة في غربتها حيث اتخذت من الغابات الشاسعة مترعا ترف لها العيون بالقوة والتمرد.

لم تتستسلم لظواهر الاشياء لأنها تريد ان تكتشف نفسها ونواميس الكون حتى لو اضطرت ان تغادر عقلها لتصعد العواطف لتجر العقل في متاهة الأسرار غير المكتشفة وتبلغ ذروة التمرد الخلاق فيجعلها جميلة بتوافق الشيء أو تكيفه. وهنا كان رأي سبنسر وشيلر (بالجمال) فهو يمدنا بلذة خالصة تتيح لنا الخلاص من متاعب الحياة الجدبة.

كم تحاول ان تجعل الشاعرة العوادي من الحلم حقائق بعطر العواطف والحنان المعبأ بالاشواق الساحرة ورغم انها لا تستسلم لمزاجها، ولكن تؤمن أن الحظة عندما تمر تأخذ معها محطات كثيرة ولم تترك لها الا تلك الاغنيات النائمة في خفايا الاسرار.

لم نر في نصوصها مكانا للتوسل ولكن اخذ الالم مكانا قصيا انبت في كل مكان الملل والسأم الذب تتجرعه كميثاق على البقاء على قيد الشعر والجمال بخبراتها التراكمية، فهي تتأمل عالما يفتح في المجهول بتأمل فلسفي يقترب ويتباعد ضمن خواص المد الشعوري ونلاحظ هنا شدة الوعي يتراجع بدرجة غير محسوبة والذي سوف تدفع ضريبة اللجوء الى الاضطرار من تحت أنين العواطف الثائرة وحين تتستلم لمشيئة القدر أمام اللانهاية والمجهول الذي يحاول بكل قوة أن يمزق الحجب ليرى كيف يكون التفاعل بين العقل والعاطفة.

وهنا استحضر بعض آثار توفيق الحكيم في رواية “عصفور من الشرق” والتي تصور شابا شرقيا يتعلق قلبه وهو في باريس بامرأة فرنسية لكنه لا يتحمس للقائها ويؤثر البقاء بعيدا عنها، وذلك لانه يحب المرأة وهي مثال بعيد كله سحر وغموض لكنه يجد اللذة والحب وسعادة في هذا البعد ويقول إني شرقي منقاد بتقاليد والاعراف والنواميس الشرقية.

وعندما ترى الحب يهفو كأنه انسان جميل يتحرك بحواس الساحر في قصائدها التي تلف حول الليل والأحلام والحبيب ومدخرات الطبيعة ومكوناتها المغرية الأخرى انها سياحة بمدركات منظورة ومحسوسة كلها محكومة ان الشعر يحاكي الخصائص الشعورية المقرونة باالأسلوب الرفيع الفخم، هي الشاعرة التي تخوض بالملموس أنين فيض الاحاسيس لكي تستغرق في جمالية البصيرة وعمق النظر والقوة الخالقة لها أو الدافعة لتكونها حتى تكون الالفاظ قد أدت وظيفتها في خلق الصور الشعرية والوصول الى أعماق النفس وتحريك الحواس الخاملة بقدحها بمثيرات الإيقاع الشعوري، وعند اشتغالها بين الوعي واللاوعي فهي تنزع النظارات الطبيه وترى وجه الحقيقة بأشرعة الخيال، وهو المصدر المعين والذي يلوج الشعر في فوضاه وخصائصه الإنسانية المتجذرة منه كنتاج جمالي يتحقق مع توافر الرضا والراحة والرومانسية التي تستحضر القصدية في ملعب العواطف لمعرفة العالم والوجود وجوهر الناس التي تلهث من اجل الوصول اليه في تطور ديالكتيك النص ومقارباته النصية وآليات تشكيل نسقه الفني لتحقيق أكبر اثارة في متاهات الخيال واستجلاب الحقائق الكلية الى جانب التصوير والايحاء رغم ان العوادي عاشت وتعيش حياة الأميرات والترف والاستقراطية الا انها تحب ان تكون بنت بيئتها الاولى حتى في لهجتها ومداعباتها وحركاتها وايماءاتها المستخلصه من سيميائية الحركات الاشارية المصاحبة وتجليات ما تمخض من استشعار آفاق النص وضرورة تصل الى اعماق تفتح أمام القارىء دلالة التأويل والمتعة القرائية.

وها هي تنطلق بهذا الديوان الموسوم “ذاكرة فوق جدار النسيان” أجواء ساحرة وعواطف إنسانية شاعت فيها عاطفة زاهرة دافقة تنبع من وجدان الجدة والنضارة والتعاطف والتناغم الروحي ينفذ الى أعماق ذواتنا بحلاوة خصائصها الدلالية والجمالية.

يتكون الديوان من 50 نصا طويلا ومتوسط اتسم بتناسل وتفرع على ايقاع الفاظ مأنوسة في مرامي تنوعها ضمن رؤية جديدة تفردت بها الشاعرة العوادي في آفاق قصيدة النثر ومعمارها البنائي التأثري والانطباعي.

(ميدل ايست اونلاين)

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …