الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / ‘عشاق وفونوغراف وأزمنة’ .. درس استثنائي وتطبيقي في فن كتابة الرواية

‘عشاق وفونوغراف وأزمنة’ .. درس استثنائي وتطبيقي في فن كتابة الرواية

ميسلون هادي
تعلن هذه الرواية عن نفسها منذ العنوان إعلانا زمنياً، فتنبث عبر ذلك العنوان إشارة زمنية مرتبطة بالإنسان (عشاق) أولاً، ثم الآلة (فونوغراف) ثانياً، وبهذا أرادت الروائية لفت الانتباه إلى دلالة الزمن في روايتها منذ عتبة النص الأولى، ودوره كواحد من تلك العناصر الثلاثة، في رسم مسيرة استرجاعية عمرها خمسة أجيال من عائلة نهى جابر فؤاد صبحي اسماعيل الكتبخاني، وهي المسيرة التي رسمت الكاتبة مساراتها، وأثثت كل طية من طيات فضاءاتها بمادة معرفية عميقة، وخبرات حياتية متراكمة، ومعلومات تاريخية موثوقة، نسجت من خلالها مئة عام من تاريخ العراق والمنطقة بلغة ثرية حسية متحركة أقل ما يقال عنها إنها ساحرة نابضة بالحياة والعاطفة، مشبعة بالصور الحسية، فواحة بالعطور، منغمة بموسيقى مشهدية رفيعة المستوى.

يعود التفوق في هذه الرواية، الصادرة عن دار المدى عام 2016، لأسباب عديدة أهمها تشبع الكاتبة على مدى تاريخها بشتى المجالات المعرفية: من الموسيقى إلى الأدب إلى الفلسفة، ومن علم النفس إلى علم الاجتماع والتاريخ، فكانت تضع غلال هذه الحقول فوق مساحات كبيرة من أرضها التي فرشتها تحت الضوء، ثم دوزنت عصاها السحرية لاستعمال شذرات هذا الخزين في المكان والزمان المناسبين. ووفقاً لباختين فإن “كل متكلم إلا ويحمل أفقاً اجتماعياً معيناً يعينه على اختيار الكلمات المناسبة”.

تصل نهى جابر الكتبخاني بغداد بعد عودتها من غرينوبل في فرنسا، حيث كانت تعمل مدرسة للغة العربية في مدرسة فرنسية، وخلال رحلة العودة الشاقة تمر بالأمكنة والمقاهي والتماثيل، وتستذكر بعض أحزانها الشخصية التي تنسل جميعها من معطف مكان فاشل استشهد فيه أخوها الأصغر في انفجار حدث بالجامعة المستنصرية، وفي انفجار آخر حدث في الكنيسة يقضي أهل خطيبة أخيها الثاني وليد.

تحتل نهى المركز الذي ستدور حوله المدارات، خصوصاً عندما تصل بيت أهلها في بغداد، فتنشر الكاتبة حولها كل ما تفتقده هي، في غربتها الاضطرارية، من أشذاء وأجواء البيت الخلابة، وتفاصيل الحديقة البغدادية الشهيرة بنخيلها وحمضياتها وأزهارها وقمرياتها وعصافيرها، فضلاً عن الأحاسيس البيتية الدافئة التي أغدقتها الكاتبة بسخاء على نهى بطلة الرواية، بل ونجدها تكرر هذا الاحتفاء بين فصل وآخر على شكل حفلات صغيرة حول موائد الطعام وخلال أوقات الشاي، وكأن هذا الاحتفاء بوصول نهى إلى بغداد مرسوم بقوة (الهومسك)، الذي تشعر به الكاتبة نفسها، وهي المغتربة فعلاً عن بيتها ووطنها.

تبدأ الرواية من هنا، أو بالأحرى هذه هي البداية الأولى للرواية. مع هذا الوصول المفعم بالعواطف ومشاعر الحنين إلى البيت بمعنييه الروحي والجغرافي. وهذه الثيمة الأثيرة لدى الكثير من الكتاب في الآداب العربية والعالمية، تجعلها الروائية فرصة للانطلاق والتعرف على مئة عام من تاريخ العراق الحديث، والمبثوثة أحداثه بين سطور مخطوطة قديمة موجودة في مكتبة الأب جابر الكتبخاني، والتي يعهد بها لاحقاً إلى ابنته نهى من أجل تدقيقها وتحقيقها، وإعادة نسخها على الكومبيوتر.

في هذه المخطوطة يتحدث صبحي الكتبخاني (جد جابر) عن فترة سابقة لبدايات القرن العشرين كانت فيها بغداد ولاية تابعة للدولة العثمانية، بينما أبوه إسماعيل ثري وصولي مداهن لسلطة الباب العالي.

وسيراجع صبحي أحداث حياته، ويتمرد على هذه الأحداث، لما وجد فيها من ظلم وعجرفة ونفاق من أجل النفوذ. كما سيصر على سفره للاستانة لكي يقرأ هناك المزيد من الكتب، ويطلع على مستجدات الحضارة واختراعاتها، وسيكون من بينها الفونوغراف الذي سيلعب دوراً كبيراً في أحداث الرواية ومفاجآتها، حتى أن نهاية الرواية، التي انكتبت بحرفية عالية، سيتم الوصول إليها عن طريق هذا الجهاز القديم المحفوظ داخل علبة من الكارتون مع مخطوطات جد أبيها التي يدون فيها كل أحداث حياته وحياة عائلة الكتبخاني.

ستحاول نهى السباق مع الزمن لإنقاذ المجلدات، وإعادة نسخها إكراماً لوالدها جابر الكتبخاني. وخلال رحلتها للبحث عن مصلّح للفونوغراف القديم العاطل، والذي سيحل لغز الرواية، ستعثر نهى الكتبخاني على رجل الرؤيا الذي سحرها في أحلام اليقظة. ستقارن أيضاً بين مآسي ذلك الماضي السحيق وكآبة الحاضر الأليم الذي تخيم عليه تداعيات الحرب من اغتراب وحرائق وعواصف وأعمال سلب ونهب. وهو المشهد الذي يتكرر مع كل احتلال:

“الهزيمة كما أراها تعني انهيار عالم عتيق، وولادة عالم جديد مضرج بدماء الولادة وصيحات الثأر، الهزيمة تعني أن حياتنا مرتبطة بالمهزوم والمنتصر معاً، ونحن من ندفع ثمن الهزيمة أو النصر.” (ص 398)

لم ينم صبحي في الليالي التي تلت موافقة أبيه المستبد، على سفره للاستانة، وتصادف ذلك مع مرض شديد أصابه في تلك الفترة الحرجة من حياته، لتدفع لنا الرواية بواحد من أمتع فصولها، وهو فصل “بيت الشاي” الذي يقدم لنا نبذة وافية عن تاريخ دخول هذا المشروب الى العراق، وكيف بدأت وتكونت صلته الروحية مع العراقيين، وواحدة من كرامات هذه الصلة تتحقق عندما ينتقل صبحي، وهو في طور النقاهة، إلى هذه الغرفة، فيكون أريج الشاي أحد أسباب شفائه.

ومثلما يتم تعريفنا داخل تلك الغرفة السحرية على طريق الشاي وأهل الشاي وما قاله البوذيون والرهبان في الشاي، ستطرأ على مدى الرواية تعاريف أخرى عن أشياء عُرفت، أو ظهرت للمرة الأولى في العراق، كقلم الحبر، والكرامفون، والسيارة، والغليون، والطائرة، وشارع الرشيد.

يصل صبحي الكتبخاني إلى الإستانة، ويتجول بين المدن والعوائل والنساء، ويتعرف من خلال أصدقائه الجدد على الصحف والمجلات وأسماء الموسيقيين الكبار، فضلاً عن الاتجاهات السياسية والفنية السائدة في ذلك العصر، ويكاد ينخرط في نشاطات الشباب المتمرد والمناهض للسلطة المطلقة للسلطان عبدالحميد الثاني من خلال بعض الجمعيات الناشئة حديثاً كجمعية الاتحاد والترقي التي ضمت معظم أعضاء تركيا الفتاة.

وفي كل مكان تتوقف فيه الرواية، تقدم لنا الكاتبة صورة بانورامية دقيقة مفعمة بالحياة عن تفاصيل الأماكن والثياب والأطعمة، حتى لا يفوتها ذكر أدق المكونات الخاصة بأكلة دون أخرى في هذا البلد أو ذاك.

الغريب أن الأحداث التاريخية في الرواية تشدنا إليها أكثر من الأحداث الحالية التي تنقلها الرواية إلينا في حركة ذهاب وإياب بين بغداد في الربع الأول من القرن العشرين (1900-1925)، وبغداد بعد الاحتلال (2003-2015)، ولولا أن صبحي الكتبخاني (صاحب المخطوطة) مرهف الحس ناحل الخاطر بشكل كبير، لقلنا إنه يروي الأحداث بعيون امرأة، ويتحدث بلغتها، ولكن الكاتبة سوغت لنا هذا الأمر بشكل ذكي عندما جعلته فناناً يتذوق الموسيقى، ويكتب في الصحف والمجلات، والأهم من هذا وذاك، فإنه يدون تاريخه الشخصي وتاريخ العائلة، مما يجعل من المنطقي أن يكون منتبهاً لكل صغيرة وكبيرة تمر أمامه من تضاريس وأزياء وأقمشة ونباتات وزخارف وتحفيات وكائنات، لأنه سيصف كل ذلك في دفاتره لاحقاً. وسيطغى النفس الملحمي للغة على الألسن وأطوار الأعين.

يعود صبحي الى بغداد في عام الطوفان، وهو لا يزال يحفظ الأخبار، ويدون الاحداث ويجمع القصاصات عن المدن والابتكارات والنساء، فيتمرد على أبيه وينشر أفكاره التقدمية حول الاستقلال عن سلطنة ظالمة، ثم تأتي حقبة جديدة من الصراع حول النفط بعد الحرب العالمية الأولى، وصبحي يواصل كتابة مذكراته ومشاهداته وانطباعاته، وكل ما يسجله فيها مقصود لكي يقودنا إلى لعبة بارعة عمدت إليها الكاتبة من خلال مغنية اسمها بنفشة خاتون (يعني اسمها بالفارسية البنفسج)، خلّد صبحي الكتبخاني قصتها، وتركنا مشدودين كالوتر إلى حدث يتعلق بها، سيقوم عليه لغز محيّر، لن يحله إلا الفونوغراف في الجزء الاخير للرواية، حيث ستجعل الروائية، وبحس درامي حاذق، هذه النهاية لطمة قوية، وضربة قاصمة في وجه عصور الجواري التي دأب السلاطين على امتلاكها، وتداولها كهدايا فيما بينهم.

هذه العائلة التي يرمز جدها الأعلى اسماعيل الكتبخاني إلى الجبروت والنفاق وتملق السلطة العثمانية ومن بعدها سلطة الاحتلال، ستجعلنا نمسك الورقة والقلم أثناء القراءة لرسم شجرتها، التي يحتل قمتها الأب المداهن، وصاحب التحولات السريعة، ويتناسل منها عدة أبناء وبنات، منهم الابن صبحي اسماعيل الكتبخاني صاحب المخطوطة، التي تطلق الكاتبة من خلالها سهمها النافذ والثاقب في نقد هذا التاريخ الحافل بالظلم واستعباد البشر.

لا ترسم هذه الرواية الماتعة حافات المياه أو الأشياء، بل ترمي بكل ثقلها في عمق التاريخ والجغرافيا والأنثربولوجيا، وستفتح لك باب الدخول إلى التاريخ العراقي، ثم باب الخروج منه إلى حديقته الخلفية.

منجم من الروائح والأزمنة والأصوات والأطعمة والحواس التي تموّن أبطال الرواية بالذوق الرفيع، والحكمة الناهلة من خزنة معرفية ووجدانية وتاريخية، تقدمها الكاتبة من خلال درس استثنائي وتطبيقي في فن كتابة الرواية.

ليس من السهولة لقارئ ما أن يجد المتعة أو الصبر على رواية تاريخية تبلغ عدد صفحاتها 584 صفحة، لولا إن هذه المغامرة الملحمية قد انطوت لغتها على درجة كبيرة من السحر والحسية، وكانت مادتها على درجة كبيرة من الثراء، بحيث يتطلب جمعها أو إعدادها فريق من الكتاب والباحثين، بينما في حقيقة الأمر كتبته امرأة واحدة امتلكت من العمر ربيعه الدائم .. إنها لطفية الدليمي.

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …