.

‘القرد بيتكلم’ التصوير وحده لا يصنع فيلما عظيما

سارة محمد

بعيدا عما اعتبره الكثير من النقاد من أن الفيلم المصري الجديد “القرد بيتكلم” اقتبس مشاهده وأفكاره من الفيلم الأميركي “ها أنت الآن تراني” أو غيره من الأعمال الأميركية التي تأثر بها مخرجه ومؤلفه، بيتر ميمي، كما حدث في أعماله السابقة مثل فيلم “الهرم الرابع” ومسلسل “الأب الروحي”، فإن المخرج كان على وعي وإدراك كبيرين بصناعة عناصر الجذب السينمائي للجماهير.

ميمي يعرف أن الجمهور الذي يستهدفه هو فئة المراهقين الذين لم تعد السينما المصرية التقليدية تحقق لهم أي قدر من الاهتمام أو الجذب، كونهم اعتادوا مشاهدة السينما الأميركية، وهي فئة تم تهميشها وإسقاطها من حسابات المبدعين، ربما باستثناء فيلم “الجيل الرابع”، الذي طرح قبل عامين.

ويطرح الفيلم حكاية الشقيقين “رشاد الشناوي” (أحمد الفيشاوي) و”طه الشناوي” (عمرو واكد)، لكل منهما تميزه الخاص في مجال الألعاب السحرية في السيرك، فالأول لديه القدرة على التنويم المغناطيسي، في حين يحترف الآخر لعبة “خفة اليد” في ورق “الكوتشينة”، فيسرق من خلالها النقود من جيوب المشاهدين بالسيرك، هكذا تبدأ أحداث “القرد بيتكلم” وهي نفسها بداية الفيلم الأميركي.

وجاء الدور النسائي الذي لعبته الفنانة ريهام حجاج “توتة”، الحبيبة التي تمثل نقطة الضعف عند طه الشناوي ضعيفا ولم يترك بصمة واضحة، بل جاء لكسر الملل لدى المتفرج جراء مشاهدة بطلين رجلين فقط.

ورغم التقنية الاحترافية المتطورة لتصوير أحداث الفيلم والذي استعان فيه مصوره أحمد كردوس بطائرة للتصوير من أعلى قمة السيرك، إلا أن الغموض الذي ساد نصف مدة الفيلم، وما تبعه من خلل وضعف في صياغة السيناريو أفسدا قدرا من متعة المشاهدة.

الأحداث تبدأ لدى الشقيقين ببدء تنفيذ خطة لإخراج والدهما من السجن على خلفية اتهامه ظلما في قضية تفجير فندق بشرم الشيخ، وهكذا يحتجزان مجموعة من جمهور السيرك تحت تهديد السلاح كرهائن، ثم الدخول في مساومات مع وزارة الداخلية المصرية لنكتشف أن الموضوع كله وراءه لواء شرطة فاسد، قام بدوره الفنان سيد رجب، أراد سرقة قطعة ماسية من أحد محلات المجوهرات.

وبعيدا عن عاملي الجذب والإثارة في التصوير عرف الفيلم انعدام المنطق في ربط الأحداث، وهي أزمة تلازم مخرجه بيتر ميمي دائما، وتلك “اللامنطقية” نراها منذ اللقطة الأولى، إذ كيف، على سبيل المثال، يقع حادث سرقة المجوهرات في ساعة الذروة، يوم الثلاثاء، وليس الأحد، وهو يوم “الإجازة” لمحلات المجوهرات؟ وكيف يساوم الشقيقان رجال الشرطة بالمطالبة بإطلاق سراح اثنين من الإرهابيين العتاة؟ ثم نرى هذين الإرهابيين مقيدين في الأصفاد داخل السيرك، فأي جهاز شرطة في الدنيا يمكن أن يفعل ذلك؟ وهل يكفي تبرير لواء الشرطة الفاسد بأنه فعل ذلك حتى يعاون بطلي الفيلم ليحققا ما طلبه منهما؟ وهل قصد صناع الفيلم انتقاد جهاز الشرطة لمجرد إرضاء المشاهدين والسلام؟

الفيلم يقول لنا إن الداخلية اضطرت إلى الخضوع حفاظا على أرواح الرهائن، فهل سيصدق أحد أن الداخلية ضعيفة إلى هذا الحد، وعاجزة عن التصرف في مثل هذه الأمور إلى الدرجة التي تجعلها تستجيب لمطلب كهذا؟ صحيح أن الفيلم أراد التعرض لفساد البعض من رجال الشرطة، وسعيهم لمصالحهم الشخصية، ولجوئهم أحيانا إلى إلقاء التهم على أشخاص أبرياء، لكن إلى درجة التفريط في اثنين من أعتى الإرهابيين محكوم عليهما بالإعدام؟ أين المنطق هنا؟

وبصرف النظر عن هذا الخلل، فإن عمرو واكد الذي غاب عن الشاشة المصرية طوال سنوات أثبت تفوقه في تجسيد دوره بحرفية وإتقان، كما لم يكن أقل منه إجادة الفنان أحمد الفيشاوي الذي يبحث دائما عن تمثيل شخصيات تترك بصمات في مشواره الفني، حيث نجح في تقديم صورة الفتى خفيف الظل والحركة صاحب الموقف الحازم عندما تحتدم الأزمة.

وليس التصوير وحده ما يستحق الإشادة في هذا الفيلم، بل وأيضا الموسيقى التصويرية التي وضعها منتجه سيف عريبي، والتي تميزت بالجذب ولفت الانتباه بما يوافق أحداثه، وإن كان يعاب على صاحبها تقديم أغنية بلغة أجنبية، رغم أنه ناطق باللغة العربية.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة