متابعات ثقافية و فنية

‘متروبول’ .. ذاكرة تبعث الماضي من رقدته

السيد الزرقاني
“للأمكنة أيضا ذاكرة تبعث الماضي من مرقده وتوقظ فينا الحنين. أماكن نشتاقها وأخرى تلفظنا. بعضها نعرفه والبعض منها يجحدنا. وتظل هناك أمكنة تعيدنا إلى سيرتنا الأولى برغم تحولات الفصول والازمنة”,

تلك هي أطروحة الروائية ريم أبوعيد في روايتها الجديدة “متروبول “الصادرة عن دار الجمل للنشر والتي جاءت في 240 صفحة، وتبدأ من حديث الغلاف الذي يحتوي على عبق الزمان والمكان من خلال صورة للكاتبة في بهو فندق “متروبول” بالإسكندرية حيت ارتدت فستانا من الموديلات القديمة في اربعنييات القرن الماضي وكان متعارفا عليه بين الجاليات الأجنبية التي عاشت وتربت على أرض الإسكندرية.

رحل البعض وبقي البعض إلا أن الحوار مازال حيا خصبا في روح ووجدان كل من زار هذا الفندق بل والإسكندرية كاملة.

أصرت الكاتبة على إبراز هذا التمثال الموجود في بهو الفندق والذي يعبر عن الفن الإغريقي والمصري سويا، وليس هذا فقط بل علي الجانب الآخر من الغلاف كانت صورة لمفتاح الغرفة 309 بالفندق التي تدور فيها أحداث الرواية في فصولها المختلفة في عصورها المتباعدة.

وهنا علينا ان نشيد بعبقرية الكاتبة في إدارة أحداث روايتها صعودا حتى نصل الى ذروتها في الفصل السادس والعشرين ص 150 حيث نرى مشهدا من المشاهد التي غيرت تفكير البطلة بل ان هذا المشهد بالذات هو الذي جعل البطل أكثر التصاقا بالبطلة رغم ما خفي في صدور كل منهما نحو الآخر حتى اللحظة الاخيرة لهما.

وهنا علينا ان نشيد بقلم الكاتبة الرقيق الذي تجاوز الزمان والمكان وسما بنا الى الخيال الحسي مع كل شهقة زفير في هذا المشهد بين “ماريو” وحبيبته:

– “أترغبين في الذهاب الآن الى السينما ام البقاء هنا قليلا … أرخت أهدابها وأخفضت رأسها وهي تتمتم بصوت خفيض:

– لم تعد لي رغبة في الذهاب الى السينما اليوم.

– اطلق ضحكة خفيفة لفوزه برهانه الذي كان قد راهنه لنفسه وأسدل ستائر الشرفة فخيمت عتمة طفيفة على الغرفة حملها بين ذراعيه ووضعها برفق علي الفراش. ضم وجهها بين يديه ليمطرها بقبلات جامحة، ليصمت صراخ عقلها تماما وتعلو بدلا منه خفقات قلبها شاهدة على لحظة تعميدها امرأة في محراب جنونه”.

وتجلت عظمة الكاتبة في إيقاظ ملكة التخيل الذهني والبصري مع رسم مشاهد الرواية بما حققتة من دقة في رسم الوقائع والأحداث والظروف الإقتصادية، الاجتماعية، النفسية، السياسية، والثقافية والمكانية وغيرها. بل وتعتبرها ذات أهمية قصوى في قراءة النص وكشف سير أحداثه.

هي بذلك تحمل النقّاد والكتّاب مسؤولية البحث عن أطر معرفية أخرى، بالاضافة الى قاريء له القدرة على التعامل مع النص فنيا وتحليليا.

وعند قراءة رواية “متروبول” للكاتبة ريم أبوعيد، نجد أنه لا بد لنا أن نستصحب مجموعة من المناهج والمقاربات النظرية، لنتعرف ونحلل الرواية فنياً وجمالياً، والأهم من كل ذلك زمنياً؛ ذلك لأن العقل البشري عليه أن يسبح داخل الفضاء التاريخي لأن النص يتسم ببعض سمات السرد التاريخي، وهذا يجعلنا في حاجة ماسة إلى التعرف على سمات التخييل.

واستخدمنا مصطلح الفضاء التاريخي لتوضيح دور التخييل التاريخي في سير أحداث الرواية. ونعني به هنا، المسرح الروائي الذي ـعدته الكاتبة وجهزته بكامل أدواته الفنية والمعرفية، التي يحتاجها لتحقيق منجزها السردي، حيث يحوي الفضاء التاريخي أمكنة وأزمنة وحركة على القاريء والناقد الإلمام بها حين التجول بين صفحات الرواية وتحديد عناصرها الأدبية لأنها رواية من نوع خاص حيث تفردت به عن أقرانها من الكاتبات, فلم تتعمد التركيز على بطل أحادي في رؤيتها الأدبية في الرواية بل اعتبرت ان كل شخصية هي جزء من الحدث، ولها دور في تطور الأحداث وهذا ما كان يفعله الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة في تناولة للشخصيات المتعددة في أعماله.

ومن الملف للنظر في تلك الرواية استخدام بعض الكلمات الأجنبية سواء الإنجليزية اوالفرنسية حيث وظفتها الكاتبة في مواضع متفرقة بثبات ويقين منها أنه إضافة الى الابداع، ومن هنا تبرز شخصيتها الواعية في الإدراك الحسي واللغوي للمفردات السردية في روايتها.

ومع تطور أحداث الرواية ما بين الزمن الماضي والحاضر والربط بين الأحداث نجد انفسنا بين تاريخين متباعدين في العادات والتقاليد والأعراف والأحداث السياسية حيث استغلت الكاتبة أحداث الحرب العالمية الثانية لتضع القاريء في بؤرة الحدث التاريخي من حيث المنطق والايدولوجيا السياسية وتخطي بعدها الدرامي الى ما هو أبعد من ذلك في تناول الجنسيات المختلفة واثرها في الحدث الدرامي بطريقة الفلاش باك في لحظة التذكر.

ولم يغب عنها التذكير بالتطور التكنولوجي ومدي أثره في تشابك الأحداث وتجلي ذلك في ذكر بعض المسميات الحديثة مثل “جهاز الحاسب الالي – الماسح الضوئي – الرسائل الالكترونية – الانترنت” وهذا يعطي الانطباع بان الكاتبة لم تتخل عن واقعها المعاصر بكل ما فيه والتجول بين الناس في محطات المترو من قبل بطلها “عمر” الذي ظل يتحرك بخط موازٍ مع “ماريو”.

وكانت الكاتبة بارعة في ربط المشهد الدرامي الأكثر تأثيرا في الرواية عندما أصر “دانيال” على المواجهة مع “ماريو”، وأخذ يتعقبه منذ خروجه مع سارة من فندق “متروبول” حيث وصلت بنا الكاتبة الى قمة الشجن في لحظة مقتل “دانيال” و”سارة” ودموع الأحباء تختلط بالدم في مشهد درامي محزن في لحظة كان القاريء يتشوق الى انتصار الحب إلا أن الكاتبة تصرخ فينا بصوت خافض: “الحب ليس له بدايات ولا نهايات إنما فقط أرواح عاشقة منذ بدء خليقتها في ذالك العالم البعيد حيث تلتقي الارواح لأول مرة، فيتآلف بعضها ويتنافر الآخر. ويبقي السر المعلق في أستار الوجود”.

وفي غمضة عين نجد الكاتبة قد أخذتنا الى عالم السرد الوحدوي في تشابك للاحداث رغم ان الخيال فيها هو المسيطر على تلك الأحداث السريعة المتلاحقة التي تنتقل بنا من مكان الى آخر دون أن نلتقط الانفاس حتى نصطدم بان الرواية قد انتهت.

(ميدل ايست اونلاين)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة