متابعات ثقافية و فنية

‘زوجة الساحر’ أنشودة للبراءة تؤلم الضمير الفرنسي

سعد القرش

طوال ساعات السفر في رواية «زوجة الساحر»، خايلني طيف جلسومينا (الإيطالية جوليتا ماسينا) في فيلم «الطريق» لفيلليني، وبيس ماكنيل (البريطانية إميلي واطسون) في فيلم «كسر الأمواج» للارس فون ترايير. كلتاهما ساذجة، لا يمنحها شقاء التجربة إلا مزيدا من البراءة.

لا أميل إلى مقارنة عمل فني بآخر، ولا أبحث عن نسب للجديد في القديم، فكل عمل إبداعي عالم مكتمل بذاته مهما تكن نقاط التماس، وإن كان الكاتب الأيرلندي برايان مور مؤلف رواية «زوجة الساحر» قد طوّر وعي إيميلين زوجة الساحر، من البراءة إلى الخبرة، وكشفت الرحلة بصحبة زوجها إلى الجزائر عن تاريخ يتجدد بالدماء والاستعباد، وخشونة قوة باطشة تستهدف محو الآخر بعد شيطنته.

أما الزوجة فعصمتها فطرتها السليمة من الانزلاق في هذا الوحل، ولم تر في هذا الآخر الجزائري إلا المشترك الآدمي، فربحت نفسها، في خلاص فردي لم يؤثر في الإيقاع العام الأقوى من قدرة شخص على فعل شيء إلا التطهر وتبرئة الذمة.

الرواية التي ترجمها هشام ممدوح طه وأصدرتها سلسلة «روايات الهلال» في القاهرة تستند إلى واقعة تاريخية. ففي عام 1856 أرسل الإمبراطور نابليون الثالث أشهر ساحر في فرنسا وأوروبا إلى الجزائر. لم يكن جيش لويس نابليون، العائد من حرب القرم، مستعدا بقدر كاف لغزو منطقة القبائل، وإحكام السيطرة على الجزائر التي تشهد قلاقل وتمردا على الاحتلال الفرنسي.

واقتنع الإمبراطور بأن لدى الساحر قدرة على الإسهام في إجهاض التمرد، وفضّ الناس من حول قادة المجاهدين، «المرابطين» الذين لديهم قدرة على التأثير في الجزائريين، بأفعال تلمّح إلى قدرات غير بشرية تساعد على حشدهم ضد سلطة الاحتلال. ورأى أن إظهار رجل مسيحي قدرات خارقة للطبيعة تتجاوز بمراحل ما لدى المرابطين، وتأكيده على أن الله وهبه إياها، سيبهر الناس، فتهتز مكانة مرابطين ليسوا أكثر من سحرة مخادعين لا تقارن ألاعيبهم بمعجزات «مرابط فرنسا العظيم» أونري لامبير.

تولى الكولونيل شارل دنيو تحذير الإمبراطور من السلطة الروحية للمرابطين، وبخاصة بوعزيز ذي الكاريزما، القادر على إعلان الجهاد ضد الفرنسيين «وبسبب سلطانه، إذا ما أعلن حربا مقدسة، سيعتقد العرب أن الرب يقف إلى جانبهم، وإذا ما قاتلوا سيهزموننا… إذا ما استطعنا جعل مسيو لامبير يذهب إلى الجزائر، وننظم له عدة عروض أمام مشاهدين من السكان الأصليين، قد نقنعهم بأن الإسلام لا ينفرد بامتلاك قدرات تعجيزية. بمعنى آخر، سنقدم لهم مرابطا آخر أعظم من بوعزيز ونقنعهم بأن الرب ليس إلى جانبهم إنما إلى جانبنا».

البطل الحقيقي للواقعة جان يوجين روبير (1805 ـ 1871)، أبوالسحر الحديث، وينتمي إلى أسرة من صانعي الساعات، وفي سن الرابعة والعشرين تزوج ابنة صانع ساعات مشهور، ودمج اسمه مع اسم صهره، وصار اسمه روبير أودان، وكانت زوجته تساعده في عروضه. ولكن برايان مور اختار له اسم أونري لامبير، في رواية أقرب إلى شهادة للزوجة إيميلين التي تتمتع بروح عذبة، وشعور إنساني بمحبة الناس جميعا، ولا تفترض الشر في أحد، ولكنها تفاجأ بعنصرية قادة يرون الجزائريين «متوحشين».

أما زوجها الذي لا تحبه، ويغض الطرف عن تحرشات لفظية وجسدية بها، وكادت تجعله ديوثا بعلاقة مع الكولونيل، فيعتبر مهمته إنقاذا لبلده، فتندهش وتسأله: «بلدنا؟ وماذا عن هذا البلد؟»، وهو يرى الجزائر «لا شيء»، ولا يعنيه إلا جلب المجد لفرنسا وللإمبراطور الذي يعلن خطته الخاصة بالجزائر «كنقطة التقاء بين الشرق والغرب، والمفتاح للتوسع الاقتصادي لإمبراطوريتنا»، ولو بهدم معالم البلد ومقدساته، فتتحول مساجد إلى كنائس ومسارح، اتساقا مع ازدواجية نرى معها ابتهاج الإمبراطورة «وهي تترأس الاحتفال الشيطاني بالقتل»، وفي اليوم التالي تخشع في الصلاة.

سأفترض أنني قارئ محترف يعي أن بطل الرواية لن يموت إلا في النهاية إذا شاء المؤلف، إلا أن أنفاسي تلاحقت وتوترت مرتين قلقا على مصير الساحر، حين تحداه مواطن جزائري في عرض كاد يودي بحياته، وعند إصابته برصاصة أدت إلى شلل ذراعه اليمنى.

إيميلين التي رغبت في الإقامة بالجزائر ستبقى مثالا لبراءة تؤلم الضمير الفرنسي، وقد لازمتها دهشة القادمة من الريف إلى حفلات الإمبراطور، فأهدتنا هذا النسغ الفني العذب الساخر بمرارة من الدهاء السياسي وأوهام التفوق الحضاري ومتاهات الغواية ومستويات التحرش.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة