.

بهاء عبد المجيد: كل كتابة نقدية هي حياة جديدة للنص الروائي

عبد الواحد مقتاح

يعتبر بهاء عبد المجيد أحد الأصوات الروائية في مصر ، ويتنوع مشروعه الإبداعي ما بين الكتابة الأدبية والنقدية والترجمة، إضافة لكونه أستاذاً للأدب الإنكليزي في جامعة عين شمس، وجامعة أوكسفورد. نالت مؤلفاته الروائية متابعات نقدية عديدة، كذلك حظيت بترجماتها إلى الإنكليزية ولغات أخرى، كما في رواية «سانت تريزا» و«النوم مع الغرباء». وتعتبر روايته «خمارة المعبد» من الأعمال الأدبية التي استشرفت قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني، لما تميزت به من نقل دقيق لحياة المواطن المصري، وانتهت بمشهد اندلاع الثورة نفسه. وعن هذا العالم الأدبي والمشروع الثقافي كان هذا الحوار..

■ ماذا عن البدايات والتورط في عالم الكتابة؟
□ بدأت الكتابة في مرحلة الجامعة رغبة في التعبير عن دواخلي، وأيضا كدارس للأدب الإنكليزي، كانت هناك رغبة في الحوار مع النصوص العالمية والإنسانية، كنت مشوشا بعض الشيء، والكتابة هي الثبات من الانزلاق في الحيرة والارتباك، فكتبت «البيانو الأسود»، وهي قصص قصيرة تحكي عن شاب يتحرك في العالم بعين الطفل، والشاب المندهش الذي يكتشف العالم كان بريئاً، لكنه رغم الصدمات لم يفقد إحساسه الطازج بجمال الكون ولذة التجربة. ثم جاءت رواية «سانت تريزا» عام 2000، وهي فاتحة خير قدمتني لعالم الرواية بخطى ثابتة، وكانت نتاج أربع سنوات عمل، التجربة بدأت وأنا في دبلن أعد أطروحة الدكتوراه، ورأيت الصراع الديني بين الكاثوليك والبروتستانت، فحاولت أن أرصد تغيرات المجتمع المصري بين أقباط ومسلمين ويهود، والأجانــــب في فـــــترة ما قبل عام 1967، والمد الإسلامي، انتهاء باغتيال أنور السادات بعد معاهدة كامب ديفيد. سانت تريزا رواية نوستالجيا ورواية فقد، وقراءة ذاتيـــــة للتاريخ المصري والعربي، ثم جاءت أعمال مثل «ورق الجنة»، و«النوم مع الغرباء» 2005، ثم «خمارة المعبد» 2011، «ورق» 2012، و«طقوس الصعود» 2016. فالقصة والرواية هي شغلي الشاغل، حتى أنني كنت أدرّس الكتابة الإبداعية في ورش خاصة، لمساعدة الكتاب الذين يطمحون إلى كتابة الرواية، وأعتقد أن هذا واجب لا يقل أهمية عن الكتابة.
■ مالذي يحفزك إلى الكتابة؟
□ ليست لي طقوس محددة غير الحنين للماضي والإمساك ببقايا الذاكرة، فأنا أخشى النسيان وأن تضيع مني الذكريات. أكتب كل يوم حتى ولو مقولة على الفيسبوك، ولكني دائما ما أكتب، وإن لم أكتب سرداً أكتب نقداً، أو أقوم ببعض الترجمة. تراودني الكوابيس إن لم أكتب، وأشعر بالوحدة وعدم الجدوى، وأخاف أن تهجرني الكتب، فهي عزائي في هذا العالم الوحدوي. دائما ما أسمع موسيقى أثناء الكتابة وخاصة بتهوفن وأم كلثوم، أعتزل الجميع لحظة الكتابة، وكأنها فعل مقدس أو صلاة.

■ عدد من الدراسات والكتابات تناولت منجزك الروائي، كيف تقيّم ذلك؟
□ كل كتابة نقدية هي حياة جديدة للنص الروائي، وقراءة شارحة له. وكنت من المحظوظين في مصر ــ على الأقل ــ لأن كثيرا من النقاد الكبار تناولوا أعمالي، مثل صبرى حافظ، وصلاح فضل، وفاروق عبد القادر، وشاكر عبد الحميد، وعفاف عبد المعطي، ومحمد الشحات وغيرهم مع حفظ الألقاب. وحتى الكتابة الصحافية أنصفت أعمالي، ورغم اهتمام الغرب كما في إيطاليا وإنكلترا، ما زلت أطمع في أن توضع أعمالي في مرتبة أخرى.

■ كيف ترى الرواية العربية اليوم؟
□ الرواية تتطور بشكل مذهل على يد بعض الكتاب، ولكن هناك إسرافا شديدا في إنتاجها، خاصة من جيل الشباب، الذي لا يعي بالضبط المعنى الوجودي للرواية، فيظن أنها مساحة للحكي، وليست موقفا من الوجود ورؤية العالم، أي جانب سيطرة أنواع من الأدب مثل أدب الرعب وما وراء الطبيعة، ولكن لا بأس فهذا يصب في فكرة تنوع الموضوع في النوع الأدبي، وهو شرعي في الغرب، الذي هو منبع الرواية بالأساس. أعتقد أن أدب الرواية ما بعد نجيب محفوظ قد تطور كثيرا، كما أعتقد أن جوائز مثل البوكر العربية، وكتارا والشيخ زايد والعويس كلها تساعد في إنتاج أعداد هائلة من الرواية وتجويدها للحصول على الجائزة، خاصة من جيل الشباب. من ناحية أخرى لم تصبح الرواية حكراً على بلد بعينه، وهذا يؤدي إلى ثراء النوع الأدبي وتميزه، ولكن هذا الإنتاج يجب أن يصحبه نقد جاد، يشير إلى قيمة هذه الأعمال.

■ في رأيك هل قدمت هجرة الشعراء الجماعية للرواية جديداً؟
□ هي اختيارات جمالية في الأخير، وهم الذين يردون على هذا السؤال، ربما يحتاجون للبوح أكثر، لأن الرواية تعطي مساحة لفعل ذلك، ولكن الرواية أيضا تعتمد على شعرية خاصة، وبعضهم استطاع النجاح في إنتاج تجارب روائية جديرة بالتأمل، والأمثلة عديدة.. أمجد ناصر، وسهير المصادفة، وميسون صقر.

■ ماذا عن دور المثقف العربي اليوم؟
□ للأسف ليس على المثقف إلا المقاومة و درء الاستبداد الذي سيطر على العالم والمجتمعات العربية، من قوى قمعية تقف ضد الثقافة والحرية، هي قوى فاشية ترى أن بناء المجتمع هو بناء بنية أساسية، وليس بناء عقول أو بشر، للأسف ليست هناك رفاهية للمثقف، إلا أن يكون ناشطا ثقافيا ومحركا للوعي، فهو له دور كبير فى مساعدة وطنه على التطور والرؤية، ومقاومة الاستعمار الفكري والنفسي. من جهتي أقوم بدور المحفز أحيانا كإقامة ورش للكتابة، وأتحرك بين الطلبة لكي يفهموا ويقوموا بالتغيير السلمي لمجتمعاتهم، لا مكان لليأس بين المثقفين وإلا سنضيع جميعاً. نحن في منعطف حضاري وتاريخي خطير، إما أن نكون أو نعود ونسكن في الكهف، هو اختيار مصيري أن تكون فعّالا وأن تقاوم أي محاولة للتسكين أو الإسكات. هذا الدور هو رهينة وجودنا وسط العالم. وما يشغلني هو كيف سيكون هذا الوجود، وما هو المنجز الحضاري الذي سننافس به في العالم.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة