.

نجيب سرور .. الشاعر الثوري من خلال خطابه الشعري

في مقدمة كتاب “الخطاب الشعري عند نجيب سرور”، يؤكد مؤلفه أحمد إبراهيم الشريف، أن لغة الشعر تحتوي قدرا من المغايرة والاختلاف، كما تحتوي أيضا جانبا كبيرا من القدرة على صنع المفاجأة، وذلك لكونها لغة مكتنزة تعكس الكثير مما تنطوي عليه الذات الشاعرة، ونجيب سرور حالة فنية مختلفة زادها الشعر تميزا، وهنا في الخطاب الشعري عند نجيب سرور محاولة لفهم شخصية الشاعر وبحثه المستمر عن “العدل المفقود” من خلال الشعر.

إن دراسة الجانب الدلالي عند نجيب سرور تحقق غرضا فنيا في القراءة هدفه البحث عن تلك العلاقات المتبادلة بين الدوال والمدلولات عبر التحليل الدقيق للصلة بين جميع العناصر الدالة، وجميع العناصر المدلولة، بحثا يتوخى تكاملها النهائي ويقتصر عند الممارسة العملية على أهمها وأخطرها.

وعلاقة الدلالة بالمعجم شديدة، فإن النظر إلى المعجم من الزاوية الدلالية، يصبح أمرا وجيها يستمد مشروعيته من المنهاجية التي تتحكم فيه، ومن الغايات التي يتوخاها. ومن أهم المحاور التي عرض لها نجيب سرور في شعره، هي محاور الغربة والحنين والثورة والإعلام.

ويرى المؤلف، أن نجيب سرور كان رجلا ثوريا بطبعه، يبحث عما يشعل هذه الثورة الكامنة، فاشتعلت ثورته، وذلك لاستنكاره أن يظل صامتا في حين يحيط به الخطأ من كل جانب، فصرخ قائلا في قصيدة “لهذي الجموع”:

أأسمع وقع خطى الطاغية

يدب على جثث الساقطين

وأقعد.. لا أستفز الحياة

تتخلل القصيدة روح رومانسية، ويبدأ نجيب سرور هذا النص بأسلوب فني هو الاستفهام الاستنكاري – يتكرر كثيرا في القصيدة، يحاول من خلاله أن يخرج نفسه من حالة الخمول المسيطرة عليه.

وتمثل دراسة البنية التركيبية لشعر نجيب سرور الامتداد السياقي لمعجمه الشعري، والتطور الفني للغته الشعرية، فمفهوم النص يتحدد في أنه شبكة متكاملة من الدوال والمدلولات ومجموعة علاقات متكاملة متشابكة تكون في النهاية صورة بنائية لهذا النص هي بعينها أسلوبه. هذه العلاقات المتشابكة المكونة للنص يسبقها الوجود الفعلي للنص والذي على أثره تتحدد علاقة العمل بمبدعه، وهي علاقة قائمة على الاستقلالية، في أن ينتهي المبدع من عمله حتى يخرج علينا ذلك العمل الأدبي مستقلا بحياته، هذا الاستقلال الفني وهذه الحياة الخاصة هي التي تهم الناقد، فيقدم على تحليل النص الأدبي مستعينا بالأدوات التي تصلح لذلك التحليل كي يستطيع الناقد أن يجيب عن رؤى مثل: كيف نشأ العمل الأدبي؟ وهل تحققت الشعرية فيه؟.

ويذكر المؤلف أن المقصود بمصادر الصورة أو منابعها هي تلك المادة التي يعتمد عليها الشاعر في إعداد الصورة الفنية وبث الروح في قصيدته، والتي من ظلالها يتطلع الشاعر إلى جعل العمل الشعري كائنا حيا، عن طريق التجسيد أو التشخيص.

ويعرض التطورات التي لحقت بالدال، من خلال تتبعه في الدواوين، ومن الأهمية أن يكون التتبع تاريخيا حسب كتابة الدواوين، لأن معجم الشاعر ينمو كلما كثر تناوله من قبل الشاعر، كما أنه ينمو ويتشكل ويتطور حسب وعي الشاعر وتشكل ثقافته وتطور رؤاه الفنية والثقافية.. إلخ.

في الديوان الأول “التراجيديا الإنسانية” تأتي الصورة الشعرية في لفظ “الكلمة” من خلال:

أولا: الشخصيات: مما يمثل خطا أساسيا في هذه العملية الإبداعية، يقول الشاعر في قصيدة “التراجيديا الإنسانية”:

تخرج مثل شعاع الفجر وهم نوام

خرجة بطرس

يوم أفاقوا حاروا “أين الكلمة”؟

أو “كمحمد”… إلخ

هذا الاتجاه القائم على تشبيه الكلمة بالشخصيات، وجد في الديوان الرابع “رباعيات” بكثافة حيث يقول الشاعر:

“كلمات .. كلمات .. كلمات ..”

إنه يونس .. ياسين .. يسوع ..

إنها طيبة أرض الطيبات ..

إنها “طوبى” .. وبالطيب تضوع !!

ويتناول الكتاب دراسة المشبه والمشبه به في الديوان، قائلا: عادة ما يكون المشبه عند الشاعر محملا بأحد الرموز التي وضحها التناول السابق، وعلى هذا تدخل كرم إلى سياق الصورة الشعرية (التشبيهية) وهي محملة بالدلالة، وعادة ما تكون هذه الدلالة بعيدة أو مختلفة أو مغايرة عند دلالة (المشبه به)، وذلك يعمل على تنشيط الصورة التشبيهية، لأن الغرض من التشبيه ليس تقريب طرفي الصورة فقط، وإنما الأمر يتجاوز ذلك إلى تبادل العلاقة بين المشبه والمشبه به، كذلك إظهار الحالة النفسية المسيطرة على النص، ويساعد على ذلك القدرة على اختيار اللفظ المعبر فالكثير من الأفكار الرائعة والأحاسيس تفقد من جمالها، إن لم تفقده كله، إذا عريت عن جمال الصورة، ومن ذلك نلاحظ الحالات التي يأتي عليها المشبه في نص نجيب سرور الشعري، ويمكن تناول المشبه بين الأفراد ومتعلقات الصورة التشبيهية:

يقول في قصيدة “قال الراوي”:

ويمر الناس بما في السوق..

مر الأشباح

يلقي الواحد فيهم نظرة

يفهم .. يبصق .. يمضي في صمت

المشبه في النص الشعري (الناس) جاء مفردا من حيث الإسناد، أما من ناحية وضعه في الصورة الشعرية، فقد خصصه الشاعر عن طريق الرابط بين المشبه (الناس) بالفعل (يمر)، حيث تحدد عن طريقه وجه الشبه الذي يربط بين المشبه (الناس) والمشبه به (الأشباح) في أن يكون عن طريق المرور بالسوق، فهم لا يهتمون بما يحدث في السوق، كما أن الأشباح المشبه به تحمل دلالة الغموض المطلق الباعث على الخوف والسرعة في نفس المتلقي، حتى كأنه يبصر ولا يسمع حركات الناس في السوق.

يذكر أن كتاب “الخطاب الشعري عند نجيب سرور”، لمؤلفه أحمد إبراهيم الشريف، صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ويقع في نحو 387 صفحة من القطع الكبير.

(ميدل ايست اونلاين)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق