متابعات ثقافية و فنية

رحيل سمير فريد: الناقد الذي أثرى الثقافة السينمائية وآمن بالربيع العربي

محمد عبد الرحيم

«مازلت مؤمناً بأن الثورات التي حدثت هي ربيع، رغم كل المآسي التي حدثت وما زالت تحدث، وأرى أنه ربيع بسبب أنه فكرة تنطوي على إرادة في التغيير الحقيقي، خصوصاً أن هذه الثورات كانت حرة لم ينظمها أي حزب أو فرد، وأشبه هذا الربيع بسقوط جدار برلين، الذي كان الهدف الرئيسي منه الرغبة في التغيير، فهذه الثورات كانت تهدف بالأساس إلى الرغبة في التغيير الحقيقي والرغبة في الحرية». (من كلمة سمير فريد في المجلس الأعلى للثقافة، للاحتفاء بمؤلفه، «سينما الربيع العربي»).
لم يفصل الناقد الراحل سمير فريد (1 ديسمبر/كانون الأول 1943 ــ 4 أبريل/نيسان 2017) في كتاباته، سواء المؤلفات أو المقالات الصحافية، ما بين النقد السينمائي والمناخ السياسي، ودائماً حتى في مؤلفاته التأريخية للسينما المصرية والعربية يجد أن العمل السينمائي، ما هو إلا تعبير كاشف عن الحقبة السياسية، وبالتالي الاجتماعية التي جاء في سياقها، ما يستدعي دوماً أن تقرأ كتاباته وفق منظور أكثر عمقاً، وليس مجرد متابعة نقدية في صحيفة. من هنا كان صوت الرجل المختلف والأكثر تأثيراً كصوت ناقد للسينما في مصر والعالم العربي. ويبدو ذلك حتى في كلمته الأخيرة عند تكريمه في مهرجان برلين الـ67، وهو يُشير إلى خطورة السينما العربية ومشكلتها، «أنا من جيل شهد حرب 67 وفشل الاشتراكية وفشل الانفتاح ما جعله ينغمس في السياسة. الأنظمة العربية تخشى السينما لأنها أكثر تأثيراً على مختلف فئات الجمهور. والمشكلة لا تكمن في وجود المبدعين أو الإبداع إلا أنها تتمثل في علاقة الحكومات العربية بالسينما».

ما بين السياسي والفني

لا نمتلك إلا النظر من خلال الرؤية السياسية للفن السينمائي عند التعرض لكتابات سمير فريد، سواء نقداً أو تأريخاً، محاولاً الكشف عن نضالات الفنان المصري والعربي، من خلال أعماله السينمائية، أو مواقفه من السلطة. ففي كتاب «تاريخ نقابات الفنانين في مصر» يستعرض فريد نضال الفنان المصري في مواجهة السلطة، وتداعيات قانون 103، حيث يتناول تاريخ نقابة السينمائيين في مصر، منذ أول تجمع للفنانين في مصر، عام 1912، وتأسيس جمعية أنصار التمثيل عام 1913 حتى تأسيس نقابة ممثلي المسرح والسينما في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1943، وتأسيس نقابة السينمائيين بعد أسبوعين من تأسيس هذه النقابة، كما يناقش الحدث الأهم في ما يشبه التوثيق، وهو إضراب الفنانين ضد القانون رقم 103، هذا الإضراب الذي استمر من 11 يوليو/تموز 1987 إلى 6 سبتمبر/أيلول 1987.
الأمر نفسه يؤرخ له الناقد الراحل ــ الظرف السياسي وتداعياته ــ من خلال مؤلفه «تاريخ الرقابة على السينما في مصر»، الذي لم يكن بدوره سوى تاريخ أشكال السلطة السياسية وأهدافها. وما بين المنع والإباحة استعراض لتاريخ سياسي واجتماعي يمكن من خلاله الكشف عن الأفكار والصراعات التي كانت دائرة بين فنان السينما والرقيب ممثل السلطة. ومحاولات التحايل على هذه السلطة من قِبل الفنان، التي كانت له بالمرصاد طوال تاريخ السينما المصرية وحتى الآن.

المرأة والسينما العربية

ويأتي كتاب «أفلام المخرجات في السينما العربية»، وهو الكتاب الأخير الذي أصدره سمير فريد، ضمن إصدارات سلسلة كتاب الهلال، في نهاية عام 2016، حيث يستعرض الراحل في مقدمة بحثية مطولة دور المرأة في السينما المصرية والعربية، خاصة صورتها في أفلام المخرجين والمخرجات، ومدى تأثير التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على هذه الصورة، وهل انتصرت المرأة للمرأة حينما بدأت تتحدث بلسانها وتخرج أفلاماً، ليصل المؤلف إلى النظرة الذكورية المسيطرة بالأساس في العديد من هذه الأعمال، وحصر المرأة دوماً في دور يماثل دورها في الوعي الشعبي، بخلاف بعض التجارب القليلة قياساً بتاريخ السينما الطويل. ثم يتعرض بالنقد إلى العديد من الأعمال السينمائية وثائقية كانت أو روائية، التي تواءمت أو خرجت عن هذا الإطار الموروث، منها على تباين جمالياتها السينمائية.. «غزل البنات» لجوسلين صعب، «إيقاع الحياة» لعطيات الأبنودي، «امرأة واحدة لا تكفي» لإيناس الدغيدي، «صمت القصور» لمفيدة تلاتلي، «طيارة من ورق» لراندة شهال، «فدوى طوقان» لليانه بدر، «شحاذون ونبلاء» لأسماء البكري، «أحلى الأوقات» لهالة خليل، «المهنة امرأة» لهبة يسري، «البنات دول» لتهاني راشد، «سلطة بلدي» لنادية كامل، «هلأ لوين» لنادين لبكي، «الخروج للنهار» لهالة لطفي، والعديد من النماذج اللافتة في السينما العربية. فما كان يشغل الرجل هو قضية الحرية في مجتمعات لا تعرف عنها شيئاً ولا تؤمن بها، ما جعل هذه الكتابات والمؤلفات أشبه بمسيرة تأريخية للفن السينمائي وعلاقته الوثيقة بالمناخ السياسي الفاسد الذي يحياه المواطن العربي، فناناً كان أو مجرّد متلق يحب السينما ويحلم من خلالها.

بيبلوغرافيا

سمير فريد من مواليد القاهرة في 1 ديسمبر 1943، تخرج في قسم النقد في المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1965، ثم بدأ العمل الصحافي في جريدة «الجمهورية» عام 1964. وظل حتى أيامه الأخيرة يكتب في جريدة «المصري اليوم» مقاله الأسبوعي تحت عنوان «صوت وصورة».
يعد أحد مؤسسي جمعية نقاد السينما المصريين، التي أطلقت اسمه على جائزتها تكريماً لدوره في إثراء الثقافة السينمائية في مصر والعالم العربي. كما تولى رئاسة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي دورتين متتاليتين في 2013 و2014. أصدر الكثير من المؤلفات في النقد والتأريخ السينمائي، منها: «أضواء على سينما يوسف شاهين، تاريخ الرقابة على السينما في مصر، الواقعية الجديدة في السينما المصرية، صفحات مجهولة من تاريخ السينما المصرية، شكسبير كاتب السينما، تاريخ نقابات الفنانين في مصر، السينما العربية المعاصرة، أدباء مصر والسينما، قضايا سياسية على شاشة السينما، سينما الربيع العربي، وأفلام المخرجات في السينما العربية، الصادر في نهاية العام الفائت».
حصل على العديد من الجوائز المرموقة في مصر والعالم، منها .. ميدالية مهرجان «كان» الذهبية عام 2000. جائزة الدولة للتفوق في الفنون من المجلس الأعلى للثقافة عام 2002. الجائزة التقديرية في النقد السينمائي في مهرجان نيودلهي، وآخر هذه الجوائز كانت في فبراير/شباط الماضي، حيث فاز بجائزة «كاميرا البرلينالي» في مهرجان برلين الأخير، وتعد هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تكريم شخصية صحافية عربية على مدى تاريخ المهرجان

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة