.

‘الجسد الشعري’ تقنيات التحكم في الجسد وضبط الحركة والإيقاع

عمار المامون

تقنيات التمثيل لا تعني مجرد حفظ الدور المفترض والقيام بالحركات المطلوبة والمبالغات الجسدية، فتطوير التمثيل كفن ومهنة لطالما كان هاجس العاملين في المسرح من منظرين وممثلين على حد سواء، في المنطقة العربيّة وعلى الصعيد العالمي وخصوصاً إنتاجات هوليوود التي تشتهر بـ”الواقعية النفسيّة” الطاغية على باقي التقنيات بوصفها محاكاة دقيقة للواقع.

إذ تأسست التقنية في روسيا على يد قسطنطين ستانسلافسكي ثم انتقلت إلى أميركا في بدايات القرن الماضي، مقدّمة لنا جيلا من الروّاد والمبدعين تركوا بصمة لا تنسى في تاريخ التمثيل، كروبرت دي نيرو ومارلون براندو وإليا كازان وآل باتشينو، والذين يعتبرون تجسيداً لمنهج الواقعية النفسية وتقنياته في إعداد جسد الممثل وطبيعته النفسية والعاطفيّة.

منهجية مغايرة

بالرغم من شهرة الواقعية النفسيّة إلا أن هناك مناهج أخرى تقترح تقنيات مغايرة ومقاربات مختلفة لتمارين الجسد والاستعداد النفسي والعاطفي، ومؤخراً أعادت دار أكت سود الفرنسية طباعة كتاب المخرج والممثل والمنظر المسرحي جاك لوكوك بعنوان “الجسد الشّعري”، والمترجم للإنكليزية أيضاً بعنوان “الجسد المتحرك”، والذي لم تعرفه المكتبة العربية المسرحيّة حتى الآن، فلوكوك يقدّم تقنيات الارتجال واللعب وبناء الحكاية عبر مقاربات تختلف عن تلك المعتادة في معاهد التمثيل في المنطقة.

يرى لوكوك أن كتابه هذا تعليمي لا فقط في مجال المسرح، بل يمكن أن يساعد أيضاً الأشخاص العاديين والمهتمين والعالمين بمجال الاستعراض بأن يتحكموا في أجسادهم لضبط حركاتهم وإيقاعها، فالمنهج الذي يقترحه يمتد لسنتين، يبدأ بـ”سيكولوجيا الحياة الصامتة” مروراً بالتمرينات الجسدية والقناع لتنتهي بضبط مفاهيم الكوميديا والتراجيديا والمهرجين والكوميديا دي لارتي، التي يتضح تأثره بها بسبب عمله في إيطاليا كمخرج وممثل مع عدد من الفرق المسرحيّة.

المنهج حسب تعبير لوكوك يدور حول ثلاثة محاور لإعداد الممثل، الأولى هي إتقان مهارات الجسد عبر ما يسمى “الأكروبات الدرامي”، بحيث تتطور مهارات الممثل الجسدية بما يفترض مبررات منطقية لها حسب الحالة المفروضة، وإلا هي مجرد حركات مجانية لا فائدة منها ولو كانت متقنة كالمهارة الرياضية، وهذه التبريرات الدرامية تبدأ من رمشة العين حتى الحركات المعقدة المرتبطة بالدور.

المحور الثاني هو القناع، وبصورة أدق القناع المحايد، الذي يتيح للممثل بناء الشخصية وحركاتها وانفعالاتها العاطفية بناء على التجربة الجسدية والحسيّة، ثم الارتجال، بوصفه التقنية المرتبطة بـ”إعادة اللعب”، وإعادة خلق الأدوار والمواقف والتخلص من التأثيرات والحركات المجانية من جهة وبناء المتماسك للدور من جهة أخرى، وذلك عبر سلسة من الألعاب المرتبطة بالصمت أولا ليدخل بعدها الكلام والتبريرات المرتبطة بالصوت واللفظ والمعنى.
كتاب تعليمي لكل من يرغب في امتهان التمثيل
يقدّم لوكوك في الكتاب بنية مفاهيمية متامسكة إلى جانب سلسلة من التعليمات العملية المرتبطة بفن التمثيل، وخصوصاً أنه يؤكد أن تقنيات “اللعب” لا ترتبط بجنسية أو لغة أو بنية جسدية معينة، بل هي تمارين عاطفية وجسدية للوصول إلى الصيغة الخاصة بالتعبير، إذ يختلف عن ستانسلافسكي في بناء الممثل، بوصفه يحرره من سطوة المسرح وكل الاعتبارات السابقة، وهذا ما يتضح في تقنيات القناع المحايد، واللعبة الشهيرة التي ابتدعها، وهي أن يستيقظ أحدهم واضعا قناعاً محايداً وينظر في المرأة، فما سيكون رد فعله الأول؟
اللعب والتأمل

حقيقة لا يمكن التكهن بما سيكون رد الفعل الأول، وخصوصاً أن القناع المحايد لا يحمل أي قيمة عاطفية، إذ يترك الممثل كصفحة بيضاء دون جنس أو تاريخ أو معرفه مسبقة، لنراه محدقاً في المرآة، منفصلاً عن ذاته من جهة، عمّا حوله لغياب الخبرة الجسدية مع المحيط إثر الحياد، فما يقترحه لوكوك أشبه بعملية تطهير، لتحرير الجسد من التراكمات العاطفية والفكرية التي قد يمتلكها الممثل، ليدخل الدور المفترض دون أيّ اعتبارات مسبقة.

فالانعتاق الذي يمنحه القناع لصاحبه يترك مساحة اللعب بفطرته الأولى، بوصفه يسبق أنظمة التفكير وبنى المعنى التي يمتلكها الممثل لا الشخصية، وهذا ما يجعل لوكوك يحددّ أنواع الأقنعة المختلفة، الوظيفية منها والعاطفية كالقناع التراجيدي أو الكوميدي، والتي تفترض في تكوينها أنظمة معينة من الاستجابات العاطفية والوظائف الجسديّة.

في نهاية الكتاب نقرأ المفاهيم التي يبني على أساسها لوكوك موضوعات المسرح الرئيسية وكيفية مقاربتها حسب وجهة نظره، كالتراجيديا والكوميديا وتقنيات عمل المهرج والمخبول، مقدماً عددا من الألعاب والتقنيات المرتبطة بعكس هذه الموضوعات جسدياً ومفاهيمياً بالاعتماد على الجسد أولاً وتقنيات الارتجال المرتبطة بالمعنى والتماسك الدرامي، بحيث لا يبدو أداء الممثل منفلتا أو مبالغاً به.

يسعى جاك لوكوك إلى جعل الممثل كرضيع ما إن يلامس الأرض حتى يبدأ في اكتشاف الحركات قبل أن يفرض عليه كيف ومتى يتحرك في كل مرة بعكس ستانسلافسكي الذي يفترض بنى وتقنيات مسبقة للحركة “الواقعية” ومبرّراتها النفسيّة المسبقة.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة