متابعات ثقافية و فنية

في وداع الكاتب العراقي حميد العقابي

خالد المعالي

لا أتذكر إن كان حميد العقابي قد نشر ديوانه الشعري الأول في بغداد أم في الدنمارك، لكنّه كان يكتب القصيدة بالطريقة التقليدية. كنت أخلط ربما بينه وبين ديوان شاعر آخر. لكنني مع هذا كنتُ أعرفه، بمعنى أنني سمعت باسمه قبل خروجي من العراق عام 1978. هذا الأسلوب التقليدي بقي هو المهيمن على كتابته حتى بعد خروجه من العراق إلى ايران ومن ثم إلى سورية والدنمارك، وربما احتاج سنوات ثقالاً حتى تجلت رشاقته اللغوية في الشعر وبعدها في النثر. لا أتذكّر اننا التقينا، على رغم أنني زرت الدنمارك مرة واحدة، العاصمة فحسب، فهو مقيم في مدينة أخرى.
لم أشعر بالقرب منه إلا عندما اطلعت على كتابه «أصغي إلى رمادي» وهو سيرة سردية، صدر بطبعته الأولى في سورية، الأمر الذي جعلني أتحمس إلى إعادة نشره، وبالتالي إلى نشر روايات أخرى له ومجموعة شعرية أيضاً. لم تحظَ رواياته بالشهرة والانتشار، وقد مُنع بعضها في الكثير من البلدان. هي روايات تنمّ عن كاتب حقيقي، وعلى رغم الخيال الواسع الذي تتميز به، إلا أنها تبزّ الواقع في صدقها، وكأنها مرآة لحياة معيشة رغماً عنه وعنا وعنهم. كل صفحة فيها مُدافة بمداد التجربة المُرّة، لكنها لم تجد في الحياة الثقافية العربية والعراقية، الواهية في شكل خاص، الصدى الحقيقي، حتى شعرتُ بأننا نكتب وننشر لأنفسنا، نحن القلّة أو «الأقلية العظيمة»، وفق تعبير الشاعر العراقي عبد العظيم فنجان. تلك الأقلية التي قرأت له شاعراً وناثراً عرفت كيف أن هذا الكاتب قد اتضح صفاؤهُ حياةً وكتابةً ورُقيّاً قلّ مثيله في حياتنا الراهنة التي لا تعرف تقريباً إلا عرض اليأس والكسل والدونية.
نشترك في أشياء كثيرة، أولها أننا ولدنا عام 1956، وأننا كتبنا القصائد وأنّ الشعر كان لنا هو العالم الذي نقصده في الخيال وفي الواقع، ومن أجل هذا هرب كلّ بطريقته من البلدان التي أرادت أن تحرمنا من هذا الإحساس… حتى أتاح لنا فقدان الرغبة في التشفّي والامتناع عن الثأر… وكأن خورخه لويس بورخيس يتكلّم باسمنا: «لا أتحدّث عن الثأر ولا عن العفو،
النسيان هو الثأر الوحيد وهو ذاته المغفرة الوحيدة.
لا توفّر ذهباً على هذه الأرض،
فهو أصلُ البطالة وهو أيضاً مصدر الكآبة والتذمّر.
لا شيء يُبنى على الحجر، فكل شيء يُقامُ على الرمل،
لكن واجبنا أن نبني وكأنما الرملُ من حجر».
أظنّ أنّ من الصعب تعويض كرمه المعرفي والصداقي. لقد كان حاضراً لمراجعة أعمال أصدقاء رحلوا، مراجعة صائبة وبصمت، مثل مؤيد الراوي ووليد جمعة، وأخرى في الترجمة، آخرها ترجمة أعمال صادق هدايت القصصية الكاملة التي تصدر قريباً، كذلك نفحته التي تركها في كتيب آخر لصادق هدايت. وكان الصديق الشاعر عبده وازن قد اطلع على ترجمته الفرنسية ونبهني إليه، وهو عن عمر الخيام، وقد أنجز الترجمة الصديق غسان حمدان وبالطبع ترجم «الرباعيات» التي لم تترجم من قبل إلى العربية. وتمنّى المترجم أن يُراجع الترجمة شاعر فاقترحت أن يقوم حميد العقابي بالمهمة وقد أنجزها بإتقان الشاعر والكاتب.
في صباح آخر يوم من أيام معرض تونس للكتاب، كنتُ أحتسي القهوة مع الشاعر التونسي جمال الجلاصي برفقة صديقات وأصدقاء وإذا به يحدثني عن رواية حميد العقابي «القلادة»، أفرحني حديثه جداً، وكنتُ أريد أن أكتب إلى حميد عن هذا اللقاء وهذا الكلام، وبأننا نكتب وننشر وبأن كتبنا تُقرأ ويتحدث عنها الآخرون في غيابنا. لكنني وأنا في طريقي عائداً من تونس إلى بيروت عبر اسطنبول وصلني خبر رحيله يوم 3/4/2017.
كم بدت حياتُه قاسية عبر بلدان ومدن عديدة وكم كان وقع خبر رحيله عليّ قاسياً. لقد رحل شطر منّي واختفى إلى الأبد.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة