.

حول اتهام عبد الرحمن منيف بالسرقة: حرقُ الثقافة أم ثقافةُ الحَرق!

مروان ياسين الدليمي

ما يدعو للرثاء أنْ ينعدم الضمــــــير وتعمى البصيرة لـــــدى طيــــــف واسع من أصــــوات باتت محســـوبة على الثقافة العراقية، كانت لعقود طويلة يسارية الهوى، فإذا بها تنحرف 180 درجـــــة من اليسار إلى اليمين بعد 9/ 4/ 2003.
ليست العلة في المحتل الأمريكي، ولا العلة في الأحزاب التي جاءت معه، إنما العلة تكمن في وسط ثقافي باتت أبوابه مشرعة لينفذ من خلالها خليط غريب من الكائنات لها معاييرها الخاصة في التقييم والحكم القسري على الأشياء، لا صلة لها بما ترسخ من تقاليد وضوابط أفرزتها ماكنة الثقافة الإنسانية عبر عقود طويلة من العمل والإنتاج، وأقل ما يقال عن تلك المعايير ألا صلة تجمعها بالجانب الأخلاقي من العمل الثقافي، بقدر صلتها بغرائز ومشاعر بدائية، وهذا ما يستدعي من علماء النفس والاجتماع دراسة هذه الظاهرة الغريبة، بعد أن كشفت لنا حقيقة التوحش الطائفي، الذي كان يختبئ خلف أقنعة تحمل صورة جيفارا وماركس وباسترناك.
القضية هذه، كما يبدو، لا تنحصر في إطار مواقف فردية طارئة، إنما جزء من ظاهرة العنف التي باتت تستشري في مجمل صور الحياة، حيث انقطعت بموجبها قنوات الحوار وقبول الآخر انطلاقا من دوافع فئوية ضيقة، ولعل نتائج هذه الظاهرة في ميدان الثقافة أشد خطرا، خاصة أن شظاياها الحارقة طالت الأسوار الآمنة والحصون العالية للتراث الثقافي والإبداعي العربي، وعلى ما يبدو فإننا شهدنا المشاهد الأولى من هذا الفصل التراجيدي، كان الشاعر سعدي يوسف أول من طالته شظايا هذه الهجمة، بعد أن كان موقفه واضحا، ومنذ وقت مبكر في رفضه لعملية غزو الأمريكان للعراق، بحجة تغيير النظام، فما كان من نتائج موقفه هذا إلاّ أن بدأت عملية تسقيط (طائفي) لشخصه، ولمجمل منجزه الشعري الذي كان يتغنى به يساريو الأمس وطائفيو اليوم.
ما الذي تبقى من دفاعات حصينة يستند إليها الفعل الثقــــــافي للحفاظ على خصوصية كينونته، بعد أن ارتفعت عاليا أصوات جوقة النشاز إلى مستوى لم تعد تجد في نفسها حرجا من الإفصاح عما تدعو إليه من شطب تاريخ مشــــــرق في مسار الإبداع العربي، جوهره كان قائمـــــا على تمجيد حرية الإنسان وآدميــــته أمام ثقافة تنتجها مؤسسات رسمية ليس لها ما يماثلها في احتقار حرية الإنسان؟
يقف عبد الرحمن منيف في طليعة أسماء تحسب وبفخر على هذا التاريخ المشرِّف في النتاج الإبداعي العربي، ويكفيه شرفا وهو الخارج من بيئة منغلقة ومتزمتة فكريا وعقائديا أن يكون بتلك الصورة من التمرد على الواقع وعشق الحرية في الفكر والإبداع والممارسة، ومضى غير عابئ بالتحديات التي سيواجهها ولا بالخسائرالتي سيدفعها في طريق اختاره بإرادته، ولم يُسجل ضده تراجع أو ميل نحو هذا الاتجاه أو ذاك، على حساب قناعاته الفكرية والإبداعية، استجابة ورضوخا لما تقتضيه الظروف والأحوال كما فعل غيره من الأدباء والشعراء، ومع ذلك أقيمت لبعضهم نصب وتماثيل، ومازالت تقام باسمهم مهرجانات شعرية سنوية مع أنهم نموذج للمبدعين الذين يرتزقون الحياة المرفهة والأموال، من وراء قصائد عصماء لا يترددون في أن يكتبوها تملقا وتزلفا للملوك والزعماء، بينما دفع عبد الرحمن منيف ودونما ضجة الثمن باهظا (حيث حرم من جنسية بلده) ولم يثنه ذلك عن خياراته، وبقي محافظا على مساحة الحرية التي نالها بكفاحه وجهده الإبداعي وكتب بها أعماله، هذا إضافة إلى ما اتسم به نتاجه الإبداعي من سمات فنية رصينة يحق للثقافة العربية أن تفتخر به لما يحمله من ريادة في تعرية صور القمع والقهر التي تمارس بحق الإنسان في المنطقة العربية.
فلماذا وبعد وفاته بسنين يتعرض إلى حملة شرسة تستهدف النيل من نزاهته الشخصية ونتاجه الإبداعي؟ يحق لنا أن نطرح هذا السؤال طالما المسألة تتعلق بواحد من أبرز الأسماء التي لعبت دورا أساسيا في تشكيل وعينا وإحساسنا بالحرية والعدالة الإنسانية عبر عدد من أعماله مثل روايتي «الشرق المتوسط» و«الأشجار واغتيال مرزوق» وستبقى أعماله بمجملها محتفظة بأهميتها ومكانتها في ذاكرة الثقافة العربية.
بات من السهولة بمكان في وسط ثقافي معبّأ بأصوات مختلة عقليا ومشوَّهة وجدانيا أن يوصم عبد الرحمن منيف بالطائفية من قبل هذا وذاك (شاعر عراقي شاب وصاحب دار نشر عبر عن ذلك صراحة في صفحته على موقع الفيس بوك بعد نشر مقال فالح عبد الجبار ) ويا ليتهم قد كشفوا عن القيح الذي يخبئونه في دواخلهم عندما كان منيف على قيد الحياة، إلا أنَّ شجاعتهم خانتهم، هذا إنْ كان لهم شجاعة، فانتظروا إلى أن غادر الحياة ليمعِنوا في طعنه، فقبل عدة أعوام تمت استباحة مكتبته والعبث بما تركه من مخطوطات ومشاريع لم يسعفه الوقت في إكمالها بطريقة بشعة، كما عبرت زوجته في حينها، وامتدت بهم (شجاعتهم) أبعد من ذلك فنبشوا قبره.
وعلى ما يبدو فإنهم لم يكتفوا بذلك ولم يرتو عليلهم منه، لنجدهم اليوم يحاولون أن يحرقوا تاريخ الروائي عبد الرحمن ولا يبقون له من أثر يذكر في ذاكرة الثقافة، لمجرد أن كتب فالح عبد الجبار مقالة في صحيفة «الحياة» تعرّض فيها لآخر رواية كان قد أصدرها منيف عام 1991 حملت عنوان (الآن هنا) بدا من خلالها عبد الجبار وكأنه يحاول أن يلصق به تهمة سرقة جهود آخرين، مستندا إلى حجة واهية مفادها أن منيف لم يذكر اسم بطل الرواية في الواقع (حيدر الشيخ علي) وهو قيادي في الحزب الشيوعي العراقي، وعلى أنه لم يكن أمينا معه عندما لم يعيد إليه أشرطة تسجيل صوتية طلبها منه كان قد سجلها في بيت فالح عبد الجبار لبطل الرواية في الواقع، واعتمد عليها منيف في كتابة روايته.
لم يكن منصفا فالح عبد الجبار في مقاله، وهذا ليس من طبيعته ولا من خصائصه، باعتباره باحثا أكاديميا معروفا بموضوعيته والتزامه الدقة والأمانة في مجمل كتاباته، وقد حمل المقال جملة من الثغرات ليست في صالحه، وربما تنال من مصداقيته وتطرح أسئلة حول الدوافع التي تقف خلف كتابة هذا المقال في هذا التوقيت بالتحديد، لأنه جاء متأخرا جدا، أي بعد ربع قرن على نشر الرواية، وبعد خمسة عشرعاما على وفاة عبد الرحمن منيف. كما تجاهل قضية مهمة جدا تتلخص في أنَّ ما قدمه عبد الرحمن منيف كان عملا روائيا خالصا، اعتمد في بنائه على التخييل، حتى إنْ كان الواقع مادته الأساسية، بذلك لا يمكن ان يتهم بالسرقة تحت أي ذريعة كانت، سواء أعاد أشرطة التسجيل إلى فالح أم لمْ يعدها.
ولنفترض أنه أعادها، فهل كان عبد الجبار سيكتب هذا المقال؟ وهل سيكون عبد الرحمن منيف ليس سارقا؟ والأهم من هذا أنَّ السيدة (فيان الشيخ علي) ابنة بطل الرواية في الواقع، كشفت في بوست كتبته على الفيسبوك بعد الضجة التي أثارها المقال أن «الأشرطة وصلت إلى عبد الرحمن منيف بموافقة العائلة «، بمعنى ان جميع الأطراف (فالح وعائلة حيدر الشيخ علي) كانوا على عِلم بأن الاشرطة قد ذهبت الى (كاتب روائي) ولم تذهب إلى صاحب مقهى، فمن الطبيعي سيتعامل معها الروائي باعتبارها مادة من الواقع، وسيبني عليها بمخياله الإبداعي عملا أدبيا لا يمكن تحت أي ظرف أن تجرى عملية مقارنة ومطابقة بينهما، وإذا ما تم ذلك من قبل ناقد أو حاقد فهذا يعني أنه يجهل تماما الفرق بين الأدب والواقع، وعلى أن هنالك مسافة شاسعة تفصل بينهما، وعلى أنهما عالمان منفصلان وإنْ كان يضيء أحدهما الآخر، ولا يمكن من الناحية النقدية الحكم على أي منهما بمعايير الآخر.
للأسف جاء مقال فالح عبد الجبار في لحظة ملتبسة منحت الفرصة لمن كان ينتظـــــرها في وســــط ثقافي يعج بأصوات محتقنة بمشاعر الكراهــية لتنطلق من خلاله ــ باعتباره شخصية أكاديمية مرموقة لا غبــــار على موضوعيتها ــ في بث سمومهما لحرق الآخرين طائفيا.
مبدأياً سأفترض حسن النيّة لدى فالح عبد الجبار، على أنه لم يكن في حسبانه أن يمنحهم مثل هذه الفرصة، لكني لنْ أجد العذر لكل الأصوات التي انزلقت بإرادتها إلى حملة التسقيط الطائفي لقامة كبيرة مثل عبد الرحمن منيف، التي لم تقتصر على الرواية موضوع المقال «الآن هنا»، بل تعدت إلى التشكيك والطعن في أسباب اختيار أسماء شخصيات رواياته الأخرى، خاصة الشخصيات ذات الأبعاد السلبية، وهذا السياق يعيدنا إلى المنهج الطائفي نفسه الذي تم التعامل به مع سعدي يوسف من قبل. بطبيعة الحال هذا النهج ما هو إلاّ إعادة إنتاج في الحقل الثقافي لما يجري على أرض الواقع من عمليات قتل وتسقيط على الهوية الطائفية تمارسها كافة الأحزاب والشخصيات السياسية وأذرعها الميليشياوية. أؤكد على ما قلت: لن أجد عذرا لكل الذين انساقوا إلى هذا المستنقع، ليس لأنهم يرتزقون من اتباع الاحتلال، وليس لأنهم طائفيون، وليس لأنهم أنصاف مثقفين، وليس لأنهم بلا مواهب، وليس لأنهم ينفذون أجندة مرسومة لهم لتدمير ما تبقى من الوعي الوطني والإنساني. إنما لأنهم بلا ضمير ودونما بصيرة.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة