حوارات

دلال عنتباوي: تم اختزال الثقافة العربية في معارض الكتب وحفلات التوقيع

نضال القاسم

دلال عنبتاوي اسم متميز في عالم الشعر والنقد في فلسطين، جمعت حروف كلماتها بأسلوب سلس بين الهاجس الوطني والوجداني، واستطاعت عبر أعمالها الشعرية التعبير عن المرأة ومشاعرها وأحلامها وأفكارها بمقدرة فريدة.
صدرت لها حتى الآن أربعة كتب ما بين الشعر والنقد، ومن مجموعاتها الشعرية «لأنني انتظرت» و»عتبات الغياب»، أما دراساتها النقدية فهي «بدر شاكر السياب ــ قراءة أخرى» و»المكان بين الرؤيا والتشكيل في شعر إبراهيم نصر الله».
حول تجربتها ومسيرتها الشعرية والنقدية وموقفها من القضايا الإبداعية والثقافية كان هذا الحوار:

■ صدرت مؤخراً مجموعتك الشعرية الثانية «عتبات الغياب» ما دلالة هذه التسمية عندك؟ وكم كانت ذاتك حاضرة فيها؟
□ صدرت لي عن دار الآن ناشرون وموزعون، المجموعة الثانية من نصوصي النثرية، وقد اخترت عنواناً بمنتهى الدقة «عتبات الغياب» لأن حياتي بنيت عتباتها على الغياب، فأغلب الذين أحببتهم في حياتي أخذهم مني الغياب ما بين موت وفقد، ومازال الغياب مستمرا. ويمكنني القول إن أقسى غياب في حياتي كان غياب والدتي التي أهديتها هذه المجموعة. لذا أنا حاضرة في كل نص أكتبه، لأنني أكتب ما أشعر وأعاني، أو ما يلقي بظلاله عليّ فيأسرني وأصبح رهينة له. ربما أجد نفسي تتحرر قليلا منه حين أعبّر عنه.
■ إضافة إلى الأعمال الشعرية، أصدرتِ مؤلفين نقديين ماذا عنهما؟
□ الكتاب الأول جاء بعنوان «بدر شاكر السياب ــ قراءة أخرى» هذا الكتاب هو مجموعة من الدراسات التي قمت بإنجازها عن السياب، وأسميته قراءة أخرى لأن هناك الكثير من الدراسات التي قام بها باحثون كثر عن شعر هذا الشاعر العظيم، فأحببت أن أضيف شيئا جديداً، أو أن أقدم قراءة جديدة لعالم السياب، فتناولت المدينة والقرية في شعره، وحاولت أن أبيّن كم أحب السياب جيكور حتى أسطرها. أما الكتاب الثاني فهو يتحدث عن «المكان وتجلياته في شعر إبراهيم نصرالله» ضمن عدة دوائر، المكان الأليف والمكان المعادي، أما مشاريعي النقدية المقبلة، فأنا الآن أفكر في الدخول إلى عالم النص الصوفي والبحث والكتابة عن جماليات ذاك النص.
■ ماذا عن الآليات النقدية عند مواجهة نص ما؟
□ أول مواجهة للنص الأدبي لديّ تكون في قراءته، وقراءته أكثر من مرة للتعرف على أهم تفاصيله ودقائقه، سواء أكان نصاً شعرياً أو رواية أو قصة، ثم أبدأ بالبحث عما يميز هذا النص عن غيره من النصوص، وما هي القضايا اللافتة فيه، ثم أبدأ بالبحث عن المفاتيح التي يمكنني من خلالها فك مغاليق هذا النص وسبر أغواره، وأبدأ بعدها بتوظيف آليات النقد التي سأستخدمها لتسليط الضوء على أهم ما يمكن أن ينير هذا النص ويثريه، إذ أنني أعتبر أن النقد هو نص على النص وقراءة أخرى تضيء للمتلقي ما خفي عليه.
■ كيف تبدو لك لحظة الكتابة، وما هو همّك الشاغل الذي تعبّرين عنه من خلالها؟
□ لحظة الكتابة عندي لحظة خاصة ومقدسة أكون فيها في حالة تجل مع روحي. ولا يشغلني إلا قضية واحدة وهم واحد هو الألم الذي يعيشـــه الإنسان في هذه الحياة والإنسان العربي والفلسطيني تحديداً، لأننا أصبحنا من أكثر الشعوب ألماً وحزناً، ولنا حق لنا أن نعيش كما يعيش أهل هذا الكوكب، بهدوء ورخاء بعيدا عن الحرب والاحتلال والقتل والظلم.
■ يتردد بين حين وآخر أن هناك أزمة ثقافة، أو أزمة مثقفين، ما رؤيتك لهذه القضية؟
□ نعم هناك أزمة ثقافة الآن، إذ أن هناك عزوفاً واضحاً عن القراءة، وأصبحت هذه الأجهزة التي بين أيدينا الآن بديلاً عن القراءة والثقافة، وأصبح الجميع مشغولين بالمواقع التي تبث نتفا من الثقافة أو أخبارا، فيها من الغرابة واللامعقول الشيء الكثير، تاركة لديهم هاجس المتابعة والبحث عن كل ما هو غريب، ولعل أخطرها مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبح يستعاض بها عن القراءة والمتابعة للشأن الثقافي، وإن أكثر ما يحز بالنفس حين تتم الدعوة لندوة ثقافية أن تجد أن عدد المدعوين لا يتجاوز أو يقل عن عدد أصابع اليد الواحدة، والمحزن أكثر أن أغلب الحضور أحياناً ممن تجاوزوا الخمسين من عمرهم.
■ كيف ترين علاقة المرأة بالأدب ؟ وهل توافقين على تعبير الأدب النسوي والأدب الذكوري؟
□ علاقة المرأة بالأدب جيدة ومفرحة نوعاً ما، إذ أن عدد النساء الكاتبات للنصوص الأدبية والشعرية في تزايد، وهذا ما تكشف عنه الملاحق الصحافية، إذ كل يوم هناك اسم جديد لفتاة تكتب «مع التحفظ أحياناً على المنتج». ولا أوافق على هذا التصنيف، ما بين أدب نسوي وآخر ذكوري، فالأدب إنساني يعبر عن الإنسان بغض النظر عن جنسه، وهو في النهاية لا يخضع لتلك التقسيمات الجائرة التي تضع حداً أو تعقد مقارنة من خلال هذا الطرح بين حزن المرأة وحزن الرجل وتفرق بين ألم أو فرح كل منهما.
■ ما علاقة النص الإبداعي بمرجعه الواقعي؟
□ النص هو منتج إبداعي وأحد نتاجات الواقع بكل أبعاده، وبالتالي لا يأتي من الفراغ أو معزولاً عن الحياة، لأنه في النهاية مخول بنقل الواقع والتعبير عنه، وإذا لم تكن هناك علاقة بين النص والواقع أصبح النص نسجا من الخيال ولا قيمة له برأيي لأن الأدب الحقيقي هو انعكاس الواقع.
■ كيف تنظرين إلى ما يحدث على الساحة العربية، وما هي انعكاسات ذلك على المشهد الثقافي والإبداعي؟
ـ للأسف إنه وضع مؤلم ومؤلم جداً، فوضى ودمار وقتل يجتاح كل شيء من حولنا، وسيستمر هذا التدهور حتى يطال كل شيء، إن غياب الحرية وسيادة الظلم والقهر والتطرف لابد أن ينتج مشهداً ثقافياً آيلاً للسقوط، فما نلاحظه من إسفاف في الأدب وإنتاج كتب هزيلة وروايات لا قيمة لها أحياناً هو انعكاس لمشهد ثقافي وإبداعي مترد، تسوده حالة تشوّش فيها فساد في المعايير الذوقية والجمالية والفكرية، إذ أن عدد الساعين للشهرة في هذا المجال آخذ في التزايد على حساب النص الإبداعي الحقيقي، إن أمتنا الآن أصبحت تعيش الذل والهوان والانكسار، الذي بدوره لابد أن ينعكس على الأدب والثقافة، لأن الأدب كان ومازال وسيظل على مر العصور مرآة الأمة وما ضعفت أمة إلا وضعف أدبها.
■ هل يمتلك المثقف سلطة؟ وماذا عن واقع الثقافة العربية؟
□ تكمن سلطة المثقف حين يكون انتقائيا وشفافا في التعامل مع المنتج الإبداعي والثقافي، بحيث لا يقبل التعاطي والتعامل إلا مع ما يخدم المجتمع، والحقيقة أن سلطة المثقف هي ثقافته أولا، أما عناصر هذه السلطة فيمكن أن نحددها بالعلم والإرادة والقدرة على قيادة المجتمع نحو الصحيح، ثم أن هذه السلطة لا تسود بالقمع أو التعالي أو المال، بل تتعزز وتتوطد في أجواء من الحرية والانفتاح على المجتمع أولاً والآخر ثانياً. إن واقع الثقافة العربية للأسف يمر بأسوأ حالاته وظروفه إذ لم تعد هناك ثقافة عربية بمفهومها الشامل والواسع، لأن ما تشهده المنطقة دمّر كل مظاهر الثقافة، وأصبحت كما أراها هذه الأيام تختصر وتختزل في أحسن حالاتها بمعارض الكتب وحفلات التوقيع، التي تقام هنا وهناك في البلدان التي نأت عن الربيع العربي، وابتعدت عن تلك الفوضى والدمار للأسف إنها ثقافة هزيلة.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة