.

السينما العراقية تشكو غياب صالات العرض ويُتم المهرجانات

على لفته سعيد

كان عدد دور العرض السينمائي في العراق يربو على 85 دارا، حيث في بغداد لوحدها أكثر من 30 دارا، تليها الموصل والبصرة وذي قار، وجميع هذه الدور تم إغلاقها، وهو ما يشير إلى أن تاريخ الصالات السينمائية في العراق لم يكن وليد عراق السبعينات التي تعد أكثر فترة مضيئة في تاريخ الفنون العراقية، بل كانت أوّل دار للعرض في بغداد قد تم إنشاؤها عام 1911، وهي “سينما البلوكي” لتتوسع بعدها الحركة السينمائية ومن أهم فصولها أو أجزائها صالات العرض التي يطلق عليها الدور السينمائية.

وكان الزائر إلى بغداد، خاصة القادم من المحافظات، لا بد أن تكون واحدة من أهم زياراته إلى أحد دور العرض السينمائية كسينما بابل أو النصر أو الأندلسي أو سمير أميس، حيث تعد هذه الدور من أشهر الصالات في بغداد والعراق غير تلك الصالات التجارية التي تعرض ثلاثة أفلام في وقت واحد وبصورة مستمرة.

والعجيب أن السينما دخلت إلى العراق عن طريق الأفلام القصيرة منذ عام 1909، كما يقول ذلك الناقد السينمائي مهدي عباس والتي جذبت الناس في حينها وجعلتهم ينبهرون، لتبدأ بعدها عجلة بناء صالات العرض السينمائية في بغداد ومن ثم في العراق.

ووجه الغرابة هو أن محاولة إحياء الروح السينمائية في الوقت الحاضر تأتي أيضا عن طريق الأفلام القصيرة، ولكن هذه المرة عن طريق مهرجانات تقيمها هذه الجهة أو تلك وتُعرض فيها أفلام تتدخّل في إنتاجها وصناعتها الجهة المنظمة التي تريد تسويق أفكارها، أو أنها منظمات مجتمع مدني يهتم أصحابها بالفن وتريد مقاومة الممنوع بإقامة مهرجانات للأفلام القصيرة أو حتى الوثائقية والتي يقيمها فنانون هواة لا يمكنهم مجاراة تسارع خطوات صناعة السينما.

وهذه المهرجانات تأتي لإسقاط فرض أو لتنويه أن إقامتها تعني حصول التطور في البلد، وهي بالأحرى لا تغني ولا تسمن ولا تعطي ملمحا للفن السينمائي العراقي الذي يعد واحدا من أوائل الدول العربية التي شهدت إنتاج فيلم سينمائي روائي، بتعاون مصري عراقي وحمل عنوان “القاهرة بغداد” في صيف عام 1946، ليعرض في دارين سينمائيتين بعد أن كانت الدور السينمائية تعرض أفلاما مصرية.

السينما دخلت إلى العراق عن طريق الأفلام القصيرة منذ عام 1909، كما يقول ذلك الناقد السينمائي مهدي عباس والتي جذبت الناس في حينها وجعلتهم ينبهرون، لتبدأ بعدها عجلة بناء صالات العرض السينمائية في بغداد ومن ثم في العراق
إن التدهور الذي أصاب السينما كصالات عرض وإنتاج لم يكن وليد عام 2003، بل بدأ بعد الحرب العراقية الإيرانية، حيث أخذت المؤسسات الحكومية بإنتاج أفلام مؤدلجة ومن ثم أخذت أفلام “السكرين”، أي التمثيليات الطويلة التي تقع بزمن 90-100 دقيقة، تنشر في زمن الحصار وبعدها مع الحملة الإيمانية التي انتهجها النظام السابق، وكانت من أولى ضحاياه السينما وجمهوره.

ومع ذلك فقتلها الفعلي بدأ بعد عام 2003، لتأتي بعض المؤسسات والمنظمات لتحاول إحياء ما تم قتله، وذلك من خلال إقامة مهرجانات يتيمة دون أن تفكّر هذه المؤسسات أو غيرها بأن الأولى هو إعادة صالات العرض السينمائية في بغداد والمحافظات، فيما اكتفى مخرجون عراقيون شباب بمسارح محلية لعرض أفلامهم الروائية بذريعة جميلة، وهي التثقيف السينمائي وزيادة الوعي، رغم أن بعض هذه الأفلام حصلت على جوائز عالمية مثل فيلم “ابن بابل” للمخرج محمد الدراجي الذي لم يجد صالة عرض سينمائية كتلك التي كانت قبل عام 2003 لعرض الفيلم.

ولا يمكن عدّ الأفلام التي تم إنتاجها ضمن فعاليات بغداد عاصمة للثقافة العربية عام 2013 على أنه جزء من إحياء السينما في العراق، لأنها كانت أفلام بحسب النقاد والجمهور غير ذي فاعلية وغاب عنها أيضا وجود دور العرض السينمائي.

ما حصل بعد عام 2003 لم يكن فاعلا بالنسبة إلى صناعة السينما، ومهما كانت هناك فعاليات فلا فائدة منها، لأنها بلا صالات عرض فضلا عن كونها مهرجانات أو مسابقات لا يعتدّ بها على مستوى الإنتاج والإخراج وغيرهما.

إن الكثير من الفعاليات السينمائية لا تغني ولا تفعّل الحركة السينمائية التي غابت عنها الجدية وربما المهنية، ولم تصل إلى الصناعة الطبيعية ناهيك عن العالمية، وحسنتها أنها ساهمت بزيادة عدد الهواة، لكنها لم تحي ما مات من صالات العرض التي أصبحت أطلالا، لا أحد يتمكن من إحيائها، وإن عبارة السينما تصنع الحياة لا تأتي من خلال المهرجانات، بل أن تكون متاحة إلى الجمهور الذي يذهب إلى صالة ما ليشاهد فيلما يختاره من بين العشرات من الأفلام، وليست سينما تعرض في مسارح ولزمن محدّد تلمع فيها فلاشات الكاميرات وتزدهر فيها التقارير الصحافية والإعلامية، ثم ينتهي الأمر.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة