فن تشكيلي

الجسد البشري على طرفي نقيض في لوحات مغربية

عبد الله مكسور

تعمد الفنانة التشكيلية المغربية سميرة أمزغار إلى اختيار نماذج عديدة للجسد البشري بكل حالاته كثيمة لفضاء متعدد تبني فيه أفكارا متنوعة تخلق من خلالها جسور اتصالها مع الجمهور.

وعن هذا الاختيار تؤكد سميرة أن اهتمامها بالجسد كعنصر جمالي هو من أكثر الأشياء التي جعلتها ترتبط بالفن وتحبه أكثر، فمنذ مراحل طفولتها الأولى لم تكن ترسم إلاّ الجسد.

محاولات محاكاته بدأت منذ الطفولة بمتعة تصفها ضيفة “العرب” بالاكتشاف في ذلك الزمن، ثم صقلت هذه الموهبة والدوافع بدراسة أكاديمية رسّخت فيها جملة من المعارف في المعهد العالي للفنون الجميلة لتتبعها بدورات تدريبية معمّقة في المدرسة العليا للتصميم في مدينة طنجة المغربية، حيث قامت بإنجاز عرضين للأزياء.

وتقدّم سميرة أمزغار لوحاتها ضمن مشروع فني يحمل العديد من الرسائل، ويمكن قراءته على وجهين متناقضين تماما، فمن جهة يمكن رؤية الجسد في اتجاهه نحو الموت والعدم والسكون، ومن جهة أخرى يمكن رؤيته بأنه يتحفَّز للانطلاق والانبثاق إلى الحياة، وعن هذا تقول ضيفتنا “إن الفاصل بين عالم الحياة وعالم الموت خيط رفيع جدا، فالموت امتداد للحياة بصورة أخرى لا نعرف ماهيَّتها”.

ومن هذا التفصيل تمضي أمزغار في الحديث عن لوحاتها التي قدَّمت تصورا ومشاهد من الموت نفسه، فهي صورة للجسد المجهول أو الغائب، ذلك الجسد الذي يمثِّل “الآخر” البعيد عن العين أو المُغيَّب في مكان ما، بتعبير أدق، ورغم الغياب فإن الجسد يحاول الحضور فنيّا بكل أفراحه وأحزانه وآلامه، فتقاطع وجوده بين الحقيقة والخيال يضع المتلقي في مواجهة صادمة معه، فيقرأ حضوره على طرفي نقيض تماما.

وتتابع الفنانة المغربية حديثها لـ”العرب” عن سلسلة من الأعمال التي حملت عنوان “دون هوية”، جمعها غياب الملامح التي تكشف مشاعرها أو إحساسها بالعالم، وما يمكن التقاطه منها أنها في حالة خضوع تام وضعف من خلال المزج بين الإنسان وهيكله العظمي. علاقة التناقض تلك قائمة على فكرة الاختلاف بين العدم والانطلاق الذي تعكسه الألوان التي تميزت بها اللوحات، فظهرت الأجساد وكأنها في حالة بحث متواصل عن أصل الوجود من جهة أو عن فتحة أمل تمنحها سبيلا إلى الحياة من جهة أخرى، وفي هذا الإطار ظهرت فكرة الهياكل في عرض “فقرة”، وهو عرض قائم على فكرة تسلسل الأشكال الخشبية بأحجام مختلفة في إشارة إلى الفقرات في حالتها اللولبية.

وعن مراحل ولادة اللوحة عندها تقول أمزغار “لكل لوحة ظروفها الخاصة”، مؤكدة أن لا قواعد ثابتة أو مراحل معينة يجب أن تمر بها، فالمنجز الفني هو حالة معيّنة مرتبطة بالعديد من الظروف المختلفة، لكن غالبا، والحديث لضيفتنا، تبدأ اللوحات بالرسم الأولي كبداية على الورق دون أن تكون لديها أدنى فكرة مسبقة عن التصور النهائي، ثم تبدأ مرحلة تكثيف الأفكار وتوضيحها، وهذه المرحلة خاضعة للعديد من المعايير أبرزها ضمان التناسق والتوازن والذبذبة، لأنها تشتغل على الخط المتموّج المتمرد الذي يمكّن اللوحة الجامدة من اكتساب طابع الحرية والحركية، كل هذا تحكمه حالة الحب والانسجام مع الفكرة والعمل بمراحله المختلفة.
وتشارك الفنانة التشكيلية المغربية سميرة أمزغار مع فنانين من مختلف الثقافات في إنجاز جدارات فنية عالمية تدور حول ثيمات عديدة، أسألها هنا عن نظرة العالم الغربي النمطية للإنسان العربي كما تراها، لتقول إن العلاقة بين الشرق والغرب يجب أن ننظر إليها بموضوعية دون انحياز لأي جهة أو اتخاذ أحكام مسبقة، بل يجب أن نراها بقدر من الوعي والانفتاح، فكيفما كان الحال والفروقات بينهما، فالوضعية الفنية قائمة على علاقة تأثير متبادل، فكل طرف يؤثر على الآخر ويخلق عنده إشكاليات عديدة.

وهذا خاضع لمفهوم المركز والهامش، كما ترى أمزغار التي تصف الفنان الأوروبي بأنه يعتقد ويؤمن بمركزيته الفنية والثقافية، لكنه لا يتردد مطلقا في الذهاب نحو الفن العربي مثلا في إطار البحث عن روح مختلفة وإلهام جديد يساعدانه على إثراء فنه ومعارفه، وهذا ما قد نجده أيضا عند الفنان العربي، بمعنى أن هذا التزاوج الفني الثقافي هو الذي يولد ثقافة جديدة عند الغرب والشرق.

وعن هذا التأثير تضرب سميرة أمزغار أمثلة عديدة من تاريخ الفن عن ثقافة الآخر وتأثيرها على الفن، تذكر منها الفن الأفريقي عند بيكاسو والفنان أوجين ديلاكروا الذي تأخذ مدينة طنجة المغربية حيّزا كبيرا من أعماله التي تعرض اليوم في أعرق المتاحف العالمية، كما تتوقف ضيفتنا عند مسيرة الفنان الفرنسي هنري ماتيس الذي شكلت مدينة طنجة المغربية أيضا أحد أهم محطاته الفنية، حيث اكتسب فنه خلالها غنى أكبر على مستوى استخدام اللون والموتيفات العربية، هذا التأثُّر بالتجربة الفنية دفع الكثير من النقاد إلى اعتبار تلك المرحلة الأكثر تأثيرا في مسيرة ماتيس وما قدّمه للفن الأوروبي خلال مطلع القرن العشرين.

وانشغال سميرة أمزغار بالهمّ الإنساني واضح في مجمل لوحاتها، وعن دور الفن في ظل احتراق المدن الذي نراه في الشرق اليوم تقول إن ثيمة الحرب والدمار تبقى من أكثر المواضيع تأثيرا على روح ومخيّلة الفنان، لأن تلك الثيمة هي مصدر لعنف بصري ونفسي وجسدي، وتشير هنا إلى أن ثيمة الحرب انعكست على أعمالها في صورة الشخصيات التي حملت معنى الموت، فبدت منكسرة ثابتة تتجه نحو العدم.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة