متابعات ثقافية و فنية

ضمن عروض مهرجان (دي ــ كاف): الوثائقي «ألف قاهرة وقاهرة» للسويسري جاك سيرون متاهة تصنع مخلوقاتها

محمد عبد الرحيم

«الناس في بلادي جارحون كالصقور/غناؤهم كرجفة الشتاء في ذؤابة الشجر/وضحكهم يئز كاللهيب في الحطب/خطاهمو تريد أن تسوخ في التراب/ويقتلون، يسرقون، يشربون، يجشأون/لكنهم بشر/وطيبون حين يملكون قبضتي نقود/ومؤمنون بالقدر». (الناس في بلادي/صلاح عبد الصبور).
حب وفقر ولهو ومقابر، تدين وانفلات مزمن، وما بين مقامات الأولياء ومقامات الرغبة والطواف حولهما يتأتى الأمل في يوم جديد، كل شمس تسطع على هذه المدينة توحي بميلاد آخر، لكنه ميلاد الموتى الأحياء. صيغة غريبة للتحايل على الوجود، أو لتأكيد الوجود ذاته، الشعب البائس يحاول ولم يزل دون أن يمل، وكأن خلوده في هذه المحاولات مهما حدث. «ألف قاهرة وقاهرة» وثائقي للمخرج السويسري جاك سيرون، الذي نجح في أن يترك وعيه يتفاعل مع هذه المدينة، دون أي ادعاء بمعرفة أو أفكار مُسبقة. ربما حِس السخرية هو النغمة الأعلى في هذا العمل الذي اعتمد الصورة وشريط الصوت، ليعبّر عن هذا العالم شديد الصخب والتناقض، ما بين وجوه ميتة وحركة لا تهدأ، فالقاهرة لا يمكن تلخيصها في لقطة سياحية، أو عدة لقطات كما في مخيلة الغرب، المتناقضات سمتها ونغمتها الأعلى. عُرض الفيلم على مسرح الجامعة الأمريكية في القاهرة، ضمن فعاليات مهرجان (دي ــ كاف).

سيرك كبير

«عُد فوراً إلى الجحيم، فقد أصبحت البلدة تسبب لك الحيرة، ولم تعد تميز بين الخير والشر. هكذا أمر الرئيس الأعلى العفريت الذي أرسله إلى القاهرة ذات يوم لينشر الفتنة بين الناس فانقلبت حياة العفريت رأسا على عقب». الجميع يسيرون فوق حبل مشدود، وبلا رحمة يواصلون سباقهم دون الالتفات إلى الوراء، منذ الصباح وهذا الهدوء المخيف، لتبدأ الطقوس اليومية في شراسة، شوارع مزدحمة، يبدو عبورها أشبه بمعجزة تستدعي حمد الله وشكره، مساومات مع الباعة لا تنتهي، لحظات الهدوء في الملابس المنشورة على الحبال وتتراقص بفعل الهواء من النوافذ والبلكونات في الحارات الضيقة، بينما أصحابها في الشارع يتقاتلون حتى يمر اليوم، بينما الغريب الآتي من بلد بعيد يندهش في البداية ثم تتواتر إلى روحه نغمات اليأس والرعب من هذا العالم، مكان لا يمكن السيطرة عليه، ولا يمكن التنبؤ بأفعاله، إنهارت روح الرجل في هذا السيرك المنصوب، وهو يحاول جاهداً اللحاق بما يراه ليسجله، أفراح ورقص ولحظات حداد وسرادقات عزاء، صلوات يلفها الخشوع، وتمردات صغيرة مُختلسة تليق بهذه المخلوقات، ثقة في خالق رحيم. لم يحاول الرجل أن يعقلن كل ما رآه، وقد فقد عقله تماماً، وترك الأمر لأصحابه فعلوا ما يفعلون، وهو في النهاية يعترف بكونه أصبح تحت رحمتهم ورحمة مدينتهم العتيقة.

من الدهشة إلى السخرية

ماذا سيفعل رجل مشدوه دوماً أمام ما يراه، سوى محاولة استيعاب الدهشة، أو التحايل بدوره على عدم تجاوزها ليصبح خطاب السخرية هو الأساس، سواء من عقله ووعيه، أو مما يراه من استمرار هذه المخلوقات في إنتاج صيغة لحياتها اليومية. هذه البنية احتوت الصورة وشريط الصوت المتنوع ما بين صوت المكان وصخبه، والموسيقى التي تنوعت وتباينت بتنوع هائل للأماكن وأصحابها شديدي الاختلاف. لم يكتف سيرون بذلك، بل أضاف نصاً مكتوباً على الشاشة ــ فلا صوت إلا صوت المدينة وما يوحي به ــ يصبح بدوره من أجمل النصوص الذاتية والانطباعية عن عالم القاهرة، حيث يقترب كثيراً من قصائد النثر المجهولة، كعالم المومياوات، المومياء التي من الممكن تواجدها الآن في (صالون حلاقة) لتبدو المفارقة صادمة، وهو يُشبّه مثلاً الشاب الجالس في استسلام، يقوم بعمل ماسك لوجهه، حيث الكريمات واللفائف، بمومياء رمسيس الشهيرة!

متاهات وكوابيس التفاصيل

ووسط هذه الحيرة المُربكة يحاول الرجل قدر الإمكان ــ دون جدوى ــ تنظيم التفاصيل، أو الاحتماء بنظام ما، فيتخير ترتيب للحكايات من داخل المكان وناسه، فتحت عنوان (الوجوه) مثلاً، أو (الانتظار)، تتوالي البورتريهات لوجوه طبعها الزمن وسطر حروفه عليها، كذلك تفاصيل الأحداث الجليلة في الحياة، ما بين صخب الأفراح وطقوس الزواج، ورهبة الموت وطقوسه. وما بين شراسة النهار، من عمل وعراك، إلى لحظات الحب على كورنيش النيل في الغروب، وصولاً إلى مظاهر التقوى في ظل أماكن العبادة المختلفة. كيف لوعي غريب أن يتحمّل كل هذا؟ ربما يغرق المصريون في التفاصيل، بشكل أو بآخر، أو لا يحيطون بها وعيا، خاصة في التواتر المكثف لهذه الصور/الحياة في مدة تقترب من الـ 90 دقيقة، هي مدة عرض الفيلم. ما نكتشفه نحن هو مدى انعزال هذه البيئات والفئات على اختلافها ــ رغم مظاهر التفاعل التام حد العراك ــ قد تتوحد في أعراس أو مآتم، صلوات أو طقوس قديمة منسية، لكن الحدود لا تنمحي بسهولة، عوالم متباعدة، تمثلها مدينة الصخب ومدن الإسمنت في الصحراء.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة