.

لا فرق بين الأدب والسينما إلا بالتكلفة

مخلص الصغير

ينطلق الناقد الفرنسي جون كليدير في كتابه الجديد “بين الأدب والسينما: أوجه التقارب” من قناعة مفادها أنه لا بد من تجاوز عدد من الأحكام الجاهزة والمترسخة في الأذهان حول العلاقة بين الأدب والسينما، وإن كانت مسألة غير هينة على حد قوله، ذلك أن “النص الذي يُقتبس إلى السينما يكف عن الانتماء إلى الأدب، فحوارات الكتاب التي تقع داخل فيلم يتغير جنسها، (بالمعنى القوي للكلمة)، لأن الكلمات تُؤدَّى من قبل ممثل، وتنسج علاقات مع المكونات الأخرى للغة السينمائية من ديكور وتأطير وتقطيع وحركة آلات، وغيرها”.

ماذا عن الكتب المستلهمة من السينما، والتي أصبحت من أشكال وأجناس الكتابة الجديدة، في السنوات الأخيرة؟ وهي اقتباس يجري في الاتجاه المعاكس، من السينما إلى الأدب هذه المرة. هنا، يجيبنا الناقد الفرنسي جون كليدير بأن الفيلم الذي يستلهمه كتاب ما، يكف بدوره عن الانتماء إلى السينما، من هنا يخلص إلى أننا “عندما نتصور عمليات التفاعل بين المجالين من هذا المنظور، يتبين لنا بوضوح أن الوقوف عند التشابهات والاختلافات بين كتاب وفيلم عملية يحكمها منطق الحصر والحد”.
وعن تعدد النصوص الأدبية وغير الأدبية التي تشتغل عليها السينما، خاصة في السنوات الأخيرة، يرى الباحث أن الناشرين، منذ بداية السينما، “ينشرون أفلاما”، وذلك في شكل “سيناريوهات متفاوتة في طابعها التقني، وفي صيغة أفلام محكية وروايات -صور، وسينما-روايات”، وروايات مقتبسة من السينما.. وغيرها.

ويتوقف ضيفنا عند مسألة أثارت انتباهه بشكل لافت، وتتعلق بما أسماه “الانتعاش الكبير الذي يعرفه جنس أدبي حقيقي يقوم على تقديم سير بعض الشخصيات السينمائية، من ممثلين وممثلات ومخرجين، عن طريق التركيز في نفس الوقت على حياتهم وأعمالهم”.

ويذكرنا هنا بأعمال صدرت مؤخرا، مثل “حذار من الرجال العراة” لآن أكريش (2017)، و”لن ينظم المهرجان” لجيل جاكوب (2015)، و”ملحق على حياة باربارا لودن” لناتالي ليجي (2012)، و”ليز.ت” لجان بول مانغانارو (2015)، و”برونسون” لأرنو سانيار (2016)، ليخلص محدثنا إلى أن علاقة السينما بالأدب تشهد حركة ذهاب وإياب لا تهدأ، وتتجاوز باستمرار الطرح الكلاسيكي لثنائية الأدب والسينما، وقضايا الاقتباس.

لا بد أن يكون المخرج مولعا بالقراءة، غير أنه “في الإمكان إنجاز فيلم عظيم انطلاقا من أفكار متشظية وأصداء خافتة خلفتها قراءة كتاب في الذهن، مثلما يمكن إنجاز فيلم رديء انطلاقا من قراءة دقيقة لنفس الكتاب”.

ومن هنا، يدعونا جون كليدير إلى أهمية المقارنة بين الاقتباسات، وكيف لها أن تكون مفيدة، ذلك أننا “عندما نتفحص مليا كيفية إنجاز العمل، يبدو لنا في غالب الأحيان أن القراءة قد أنجزت بذكاء ودقة”. ولا يخفي المتحدث إعجابه الشديد بطريقة تعامل بعض السينمائيين مع نصوص أدبية، “مع أن كيفية اقتباسهم لهذا العمل لم تعجبني على الإطلاق”، مثل ما وقع مع بروست وفلوبير ومدام دي لافايت مثلا، “فسواء أعجبتنا النتيجة أم لا، فليس ذلك مهما”.

وإذا كان السينمائي قارئا مفيدا بالنسبة إلى أهل الأدب، فلأن موقعه يسمح له بأن يمنح شكلا ملموسا لقراءته، و”أنا عندما أشاهد مثلا الفيلم المقتبس من الغريب أو غاتسبي العجيب، أواجه قراءة مخالفة لقراءتي، وهذه المواجهة تمثل لحظة هامة”.
ومع ذلك لا يتوقف عمل المخرج عند قراءة الأدب فقط، أو الأعمال الروائية، بل قد يتعدى ذلك إلى السير الذاتية والتاريخ والقصص والأحداث الواقعية، بمعنى أن السينما لا تتقاطع مع فن مثلها هو فن الرواية فحسب، ولكنها قد تتقاطع مع التاريخ أو الواقع نفسه.

نعم، يقول كليدير، فالسينما “تخترق كل المجالات وتطرح كل المواضيع الممكنة، معتمدة أشكالا مختلفة جدا، تمتد من الأعمال السينمائية ذات الميزانيات الهائلة إلى الأفلام التجريبية التي قد تقدم في معرض أمام جمهور لا يتجاوز عدده مئتي شخص”.

فأين يكمن الفرق بين السينما والأدب؟ ربما يكمن حسب الناقد الفرنسي في التكلفة، ذلك أن “كتابة مؤلف ما ونشره لا يكلفان الكثير، والفنانون الذين يؤلفون الكتب ويصورون أفلاما غالبا ما يحسون بنوع من الغيرة مردها الحرية الناجمة عن الاستقلالية المالية”.

ويشير الناقد هنا إلى حالة مارغريت دوراس، غير أن “هذا التعارض لا يصمد دائما أمام التجربة، فمارغريت دوراس نفسها تشتكي من كون العديد من المؤلفين يكيفون كتاباتهم حسب قالب معين كي يقبلها الناشرون”.

ينتهي جون كليدير إلى خلاصة ما فتئ يعمقها في مقالاته العلمية، وفي أي “ماستر كلاس” يقدمه هنا وهناك، مفادها أن تجديد النظرة النقدية إلى علاقة السينما بالأدب، وإلى الحدود بينهما، يقتضي تجاوز المقاربة الكلاسيكية التي كانت تفصل بين الفنين، فن الأدب وفن السينما، ولا تكاد تجمع بينهما سوى من خلال عمليات الاقتباس فقط.

وهذا الميل إلى “التفكير في الفنين من منطلق الفصل، أو فقط من زاوية الاقتباس السينمائي”، هو ما يدعو الناقد إلى تجاوزه، وإحداث قطيعة معه، لأننا حينها لن نستطيع “تبيُّن أوجه التفاعل بين الأدب والسينما”، على أساس أن الفصل بين المجالات لا يكتسي أهمية ما، بالنسبة إلى الفنان أو المتقبل القارئ أو المشاهد.

ويذكرنا بموقف المخرج السينمائي الفرنسي جان لوك غودار، أحد أعضاء حركة الموجة الجديدة، حين أعلن في بداية الستينات من القرن العشرين أنه إذا اندثرت السينما لسبب من الأسباب لن يتردد في الانتقال إلى التلفزيون، وفي حال اندثار التلفزيون سيعود إلى الورق والقلم، على أساس أن هناك استمرارية بين جميع أشكال التعبير التي تشكل كلا لا يتجزأ.

ويختم جون كليدير بقوله “المهم أن نشتغل على ذلك الجانب الذي يناسبنا أكثر ضمن ذلك الكل، هذا دون أن ننسى أن جان لوك غودار قد عمل في السينما وفي مجال الفيديو والإلصاق، ونشر عشرات الكتب”.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة