متابعات ثقافية و فنية

صالح غريب يرصد طقوس الكتابة عند علي الدرورة: دفتر بحجم الكف يسع الشعر والقصة والبحث وأرقام الهواتف

الطاهر الطويل

اختار الكاتب الصحافي القطري صالح غريب، الخوض في موضوع طريف ومُميّز، للتوثيق لجوانب خفية من سيرة وإبداعات أحد وجوه الثقافة العربية المعاصرة، فأصدر عن «دار الأصداف القطرية»، كتابا مهما بعنوان «طقوس الكتابة»، يعدّ ثمرة الصداقة الحميمية التي جمعته بالأديب والباحث والمؤرخ السعودي علي الدرورة.
يقول المؤلف عن الشخصية موضوع الكتاب إنه رافقه منذ أكثر من ثلاثة عقود، فكان على مقربة منه، بل كان على معرفة تامة بأسلوبه وطقوسه في الكتابة، فجاء هذا الكتاب ليسلط على جوانب كثيرة من حياته وخفايا بعيدة عن الأنظار، خاصة تلك المتعلقة أثناء الكتابة، تلك التي لا يعرفها القراء والأصدقاء ولا حتى الأقرباء.
ويوضح غريب أن «هذه الدراسة المتواضعة والبسيطة تسلط الضوء على نموذج لكاتب نذر نفسه للبحث العلمي، فأصدر الدواوين الشعرية والمجموعات القصصية والمعاجم والموسوعات وكثيرا من الدراسات والبحوث، التي صدرت في كتب متفرقة عبر السنوات الماضية، هذا عدا الكتب التي لم تصدر بعد، أي ما زالت مخطوطة حتى الآن، وكذلك التي هي في طور البحث والإعداد».
ويشير إلى أن كتب الدرورة تشهد على أهمية ما قدّمه، فهو باحث أصدر كتبا عن تاريخ وتراث دول الخليج، إذ كانت لبنة سدت فراغا ملموسا في مجالها لما تحمله من مضامين صادقة.
ويقول المؤلف أيضا إن فراسته كانت تتوسم ـ منذ البدء ـ في الدرورة كاتبا ذا شأن في المستقبل، وصدق حدسه، مؤكدا أن المحتفى به في هذا الكتاب غزير الإنتاج، حيث فاقت كتبه مئتي كتاب، متنوعة ما بين الفنون والمعارف والأدب والدين والتراث البحري والتراث الزراعي والتاريخ والشعر والقصة والفلك والفنون البصرية والعمارة واللسانيات والطب الشعبي وأدب الرحلات.
بدأ الدرورة كتابة الشعر منذ طفولته، وأصدر ديوانه الأول «زهور خضراء للموت» في سن الرابعة والعشرين، وكان ذلك سنة 1984، وبلغت دواوينه لحد اليوم حوالي ثمانين ديوانا.
وخلال الصفحات التي يخصصها المؤلف لطقوس الكتابة عند علي الدرورة، يعمد إلى المقارنة بينه وبين غيره من الكتاب العرب والعالميين، ومن بين خصائصه في هذا المجال أنه يحب الهدوء والراحة النفسية، ولا يميل إلى الاستماع إلى الموسيقى أثناء الكتابة، بل يفضل الهدوء التام الذي يمثل الركيزة الأساسية في الكتابة الإبداعية، خاصة الشعرية، وهو ما يدعى «العصف الذهني» الذي يحتاج إلى صفاء وهدوء تام، ولذلك، يفضل الجلوس أمام البحر، منذ طفولته، فللطبيعة دور بارز في مسيرة عطائه الفكري وتؤثر على طقوسه في الكتابة. ولكن هذا لا يمنعه من تدوين أفكاره أينما حل وارتحل، يدون الخواطر والأحداث والكلمات.. إنه يكتب في كل الأوقات بدون استثناء وبدون تخصيص وقت محدد للكتابة.
مارس علي الدرورة الكتابة على الآلة الكاتبة في الماضي، خاصة منذ عام 1977 إلى 1982، مثله مثل أي كاتب مارس الكتابة في السبعينيات، وبما أن الدرورة باشر الكتابة في أواخرها فقد عاصر الآلة الكاتبة وعمل فيها، حتى جاء عصر الكومبيوتر وبدأ من عام 1981، العمل عليه، ولكن باللغة الإنكليزية.
أما الكومبيوترات بالعربية فلم تكن متوفرة إلا في سنة 1996، حيث بدأ عصر الإنترنت المحمول في ذلك العام. ورغم استخدامه الكومبيوتر، فهو ما زال يمارس الكتابة التقليدية أيضا، أي يكتب باليد، فدفتره في جيبه، ويستخدم القلم حتى الآن. كان علي يمارس طقس الكتابة على كورنيش «القطيف» الذي يبعد عن منزله ثلاثة أميال، فهو يكتب ويسير أو يمارس المشي، فممارسة المشي كرياضة أمر جيد بالنسبة له، بل يحث الأطباء عليه، ولكن أن يكتب المؤلف إبداعاته وهو يمشي ربما قليلا ما نسمع ذلك.
وهناك طقوس أخرى يضيفها المؤلف لباقي الطقوس للحالة الإبداعية عند الدرورة، وهي غير موجودة عند أي كاتب في هذا العالم، فهو لا يحب كتابة الشعر باللون الأسود، إنه يكتب باللون الأخضر أو الأزرق. من منطلق إيمانه بأن الشعر أرقى من أي كتابة أخرى، ولهذا لا يحبذ كتابته باللون الأسود.
أما الكتابات الأخرى فليس هناك أي مانع لدى الدرورة، فهو يكتب هنا وهناك حتى في المطاعم، ولعله يراجع بعض بحوثه في أي مكان، دون أن يكترث بالإزعاج الذي حوله، خاصة في كتابة البحوث أو مراجعتها. وإذا عدنا إلى كتب الدرورة ـ يقول صالح غريب ـ فسنجد أنه دوّن أشياء كثيرة في أماكن عديدة، في الصحارى والقرى والغابات وفي الطائرة والمقهى والمطعم وعلى سواحل البحر… ومن هنا، نستطيع أن نتتبع رحلاته وزياراته من خلال تلك المدونات، فقد كان يذيل ما يكتب بالمكان والزمان.
الدرورة يكتب أي شيء يخطر على باله في مدونته الصغيرة التي عادة ما تكون في جيبه، حتى الأفكار التي نعتبرها، نحن الصحافيين، شاذة نوعا ما أو نعتبرها عديمة القيمة من الناحية الأدبية والفنية، فهي لدى الدرورة أفكار بالغة الأهمية، وبعد مضي برهة من الزمن قد لا تتجاوز عشرة أسابيع أو خمسة عشر أسبوعا، يكون قد أخرجها في كتاب. وكم كنا نعجب من تلك الأفكار ومن الإصرار على نشر الثقافة بوسائل عديدة وأفكار جديدة ومطورة، وبأسلوب شيق وجذاب أو مبسط إلى حد ما، يتماشى مع جميع الطبقات العلمية والمثقفة.
ويذكر المؤلف أن علي الدرورة يكتب في مدونته المتنقلة التي هي دفتر صغير بحجم الكف، حيث يدون كل شيء يخطر على باله: الموال والأبوذية والقصة القصيرة والأقصوصة وقصيدة التفعيلة والبيت الواحد والبحث، وربما أرقام وعناوين بعض الأصدقاء، وملاحظات على أمور ليس لها علاقة بالثقافة أو مراجعة بحث أو موعد ما، فيكون الدفتر كأنه كشكول ثقافي.
العجيب أيضا عند الدرورة أنه لا يختار عنوانا لديوان شعري أو عنوانا لمجموعة قصصية إلا بعد أن يطلع على المعجم اللغوي، ويختار المفردات ذات المعاني العميقة بأسلوب فني وأدبي، ومن تلك الأمثلة في مجال الدواوين الشعرية: «حين رأرأ السراب»، «صباح تثأثأ بالطبول»، «مساء تثأثأ بالبخور»، «سراب في الوميض»، «جدائل البرق»، «لحن مبجل بالحنين»، «وجوه لا تشبه الماء»، «هلوسات خوص النخيل»، «تحدثك الوردة سهوا»، «نجومها تزهر في قلبي»، «أغاني الفراشات»، «غيمة خضراء لا تشبهني»… ومن الأمثلة في مجال القصص: «ظمأ الليالي»، «كلام فاضي»، من وين يا حسرة»، «سلالة الملح»، «اسمها رقصة الفراشة»، «اسمها رقصة الأمواج»، «يشبه الطين»، «أنثى تهمس للمطر»، «سلوق وحشف»، «خيشة يا خيشة».

©

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة