متابعات ثقافية و فنية

«حليب أسود» للتركية إليف شفاق: نزاع الأُنثى بين الكتابة والأُمومة

كه يلان محمد

يقولُ الفيلسوف الألماني نيتشة أن ما يدفعُ المرأة للارتباط بالرجل هو حُبها للأطفال، ويعتقدُ أن الأمومة هي كل ما تسعى إليه المرأةُ، وبذلك لا يرى صاحبُ «هكذا تكلم زرادشت» دوراً آخر للأُنثى إلا أن تكون أماً، إذ الطريق مسدودُ أمامها لكي تُضيف صفة جديدة إلى نفسها، إلى جانب كونها أماً. كما أن مواطنه الفيسلوف كانط أيضاً يتصور أنَ عقل المرأة مبرمج بحساسية مُفرطة، لذلك لابُد أن تنأى بنفسها عن التفكير والمَعارف المجردة، بل يبدي مؤلف «نقد العقل الخالص» شكوكه بأنوثة المرأة التي يملأ رأسُها بالفلسفة الإغريقية.
وفي هذا السياق أيضاً تشيرالكاتبة التركية إليف شفاق في مذكراتها «حليب أسود» الصادرة من مسكلياني 2016 إلى رأي أحد أشهرالروائيين في بلدها بيامي صفا، فالأخير يرى أن الطريقة الصحيحة للخلق بالنسبة للمرأة هي رحمها وليس عقلها. بالطبع هذه الآراءُ التي ترمي إلى هيمنة العقلية الذكورية في مجالات معرفية تتقوض على وقع اقتحام المرأة داخل حقول أدبية وعلمية، بحيثُ نبغت النساءُ في عالم الفكر والأدب فصارت الأعمال الروائية للكاتبات تُنافسُ ما يقدمه الرجلُ. لكنْ لا تُنِكرُ بعض الكاتبات صعوبة التوفيق بين عمل الكتابة وما تفرضه عليهنَّ صفة الأمومة، ومن هنا تختلف التجارب من كاتبة إلى أخرى، إذ آثرت مجموعة منهنَّ تكريس حياتهنَّ للكتابة، مُقتنعــــةّ بأن الإنتاج الأدبي ســـيعوض غياب الأبناء ويُلبي غريزة الأمومة، في المقابل نجحت فئةُ أخرى من النساء في الجمع بين صفتين في آن، غير أن مع كل هذه التجارب الغنـــــية لا تزال هناك قاعدة في الوسط الثقــافي، أن الكُتاب الرجال يجيئون إلى الأذهان ككتاب أولاً ثم كرجال. أما النساء فهنَّ الأناث أولاً ثم الكاتبات على حد قول الروائية التركية أليف شفق.
تتناول مؤلفة «لقيطة أسطنبول» في «حليب أسود» تجربتها مع الأمومة وما عاشته من النزاعات النفسية بين رغباتها المتعددة، حيثُ حاولت أن تخرج من النمط التقليدي في عرض هذا الموضوع، وبما أنها روائية لذلك برعت في توظيف تقنيات متنوعة. كما لا تتوقف عند تجربتها وحسب، إنما تذكرُ خبرة غيرها من الكاتبات اللائي قدمنْ أعمالاً روائية فذة، ما يكشف خلفية معرفية غنية مع وعي عميق لدى الذات الكاتبة، فشخصيتها صنيعة لثقافات مختلفة، فهي من أصل تركي ولدت في ستراسبورغ ونشأت في مدريد وتنقلت بين عدة حواضر أخرى قبل إقامتها في لندن، وألقت المُحاضرات في جامعة أريزونا تستشهدُ في مقدمة مذكراتها بمقولة والتر بنجامين، حيث يعتقدُ الأخيرُ أن الرواية هي أكثر الآداب وحدة، بمعنى من يستهويه بناء العمل الروائي عليه أن يكرس مُعظم أوقاته لهذه المهمة، وبذلك يتضحُ أن الروائي ليس كائناً اجتماعياً بقدر ما هو يُفضل الإقامة في عالمه الخاص. تَعْترفُ إليف شفق بأن شخصيتها مُتصفة بالانطوائية، ولم تثق بأحد سوى الكُتبِ، نعم إن هذا الجانب من تكوينها الشخصي ساعدها للنجاح في العمل الروائي، إذ كما يبدو فإنَّ رغبة القراءة والتعمق في الأدب العالمي فاقت لدى إليف شفق، أي اهتمامات أُخرى، مع ذلك فإن صوت الأمومة لم يَغِب لدى الكاتبة ويغدو أكثر حضوراً في بعض المواقف، وهي كانت على متن باخرة تجمعها بامرأة حبلى ولديها طفلان عندما تبدأ بكتابة مانفيستو الفتاة العزباء، وهنا تحصلُ مفارقاتُ حينَ تأخذ قصاصة من رجلٍ يعملُ في شركة خاصة لتسويق منتجات خاصة بحديثات الولادة، لتدوين فقرات مانفيستها، كأن هذه المصادفة إشارة إلى عدم تطبيق ما سطرته الكاتبة، وبما أن شخصية الكاتب مركبة تتصارعُ في عالمها أصوات مُتباينة تسميها بالحريم الداخلي، إذ أنَّ كل صوت يُمثلُ بعداً في كينونتها الشخصية، ولمعرفة القارئ بما يدور في أعماقها تختار أوصافاً ملائمة مع طبيعة هذه الأصوات حيث تسمي الجانب الروحي في شخصيتها بالشيخة الصوفية، وما يمثلُ رغبة الأمومة تصفها بماما الرز بالحليب، كما سمت من يلح عليها بالاهتمام بالثقافة وتجاهل ما يشغلها عن كتابة الرواية بالسيدة التيشخوفية، بجانب من تدعوها بالمثقفة الساخرة.
هذا الأُسلوب قريب من لعبة المرايا، حيث تكشفُ سطحية الاتجاهات التي تُحشر الإنسان في زاوية معينة، صحيح قد تُسيطر رغبة ما لديك في توقيت مُحدد، غير أن الأمر لا يدوم ولا يكون بالزخم نفسه، وهذا ما تريد إليف شفق أن توصله للقارئ. كما أن النزاع سيستمر بين رغبات الإنسان إلى ما بعد مرحلة التفرغ لمجال مُعين، ناهيك عن صراع بين رغبة الكتابة وغريزة الأمومة، وما تتحدث عنه حول آراء بعض الكاتبات مثل الكاتبة أؤلو فالأخيرة تنصحها بان لا تنجب إذا أرادت أن تكون كاتبة ناجحة، بالمقابل تتوقف عند بعض الأسماء الأدبية التي سار أبناؤهن على دربهنَّ، أضفْ إلى ذلك تأتي على ذكر الكاتبة المعروفة موريل سبارك التي شارك جمع غفير في مراسيم تشييعها، ماعدا ابنها روبن، وفي ذلك ما يوحي بخسارة عاطفة الابن مقابل الفوز بتعاطف واحترام القراء والوسط الثقافي. ومن ثُمَّ تنصرف صاحبة «قواعد العشق الأربعون» إلى مسألة تغير الأسماء لدى الكاتبات لافتة إلى نهال بينويله التي ألفت رواية «صبايا صغيرات» ونشرتها باسم فنسنت يونغ، مبررةً موقفها هذا أنها كانت صبية صغيرة عندما كتبت عملها الروائي وتناولت قدراً من الشهوانية وهي غير ملائمة للفتيات اليافعات، على حد قولها. كما أن كاتبة أخرى تنتمي إلى العصر الفيكتوري وهي آن إيفانس اختارت أيضاً اسما ذكوريا جورج إليوت، كما استعارت الروائية الفرنسية جورج صاند اسماً مشتركاً، وتختار إليف شفق بدورها تركيبة اسمها فضلت أن تحمل لقب أمها شفق بمعنى الفجر. الأكثر من ذلك تُسردُ الكاتبةُ جانباً من نضال المثقفات والكاتبات على الصعيد العالمي والتركي، لتغير الصور النمطية عن النساء مثل سيمون دي بوفوار والكاتبة اليابانية يوكو تسوشيما والتركية سيفجي سوسيال، وتفردُ قسماً من مذكراتها أيضاً للحديث عن تجربة الكاتبة الروسية آين راند وعلاقتها العاطفية، لاسيما مع طالب طب نفسي ناثانيل براندن رغم فارق السن الكبير بينهما، فأحبها الأخير لكن بعد أربعة عشر عاما يترك آيان راند ويقيم علاقة مع عارضة أزياء، وذلك ما يؤلم الكاتبة المتعددة المواهب.
يذكر أن راند هاجمت الفيلسوف الألماني كانط واصفة إياه بأنه أشر الناس في تاريخ البشرية، وكل ما يردُ في هذا الكتاب لا ينفصلُ عما تطرحه إليف شفق حول هواجس الأمومة والكتابة، إذ في نهاية المطاف تنضمُ مؤلفة «شرف» إلى صف النساء اللائي جمعن بين الكتابة والأمومة مثل ج. ك. رولينج، وما تتوصل إليه عبر رصد ما تقدمه إليف شفق أن ما يمرُ به المرءُ من أطوار وأحوال مختلفة تَمدك بمادة روائية، بما فيها الكآبة والحزن والقلق، كما أن هناك أشياء لا تعالج بالعقل، إنما لا يفهم لغتها سوى القلب وهذا ما تعلمته إليف شفق من التصوف، يتضمن جزء آخر من «حليب أسود» عرض محاولات المجتمع الأبوي لتحجيم دور المرأة، كما أن فرجينيا وولف تعتقد أنه لو كان للكاتب الشهير شكسبير أخت ما نالت من الإطراء والاهتمام مثل أخيها، كذلك أن إليف شفاق تفترض أن الشاعر المعروف الفضولي البغدادي له أخت تدعي فيروز، موهوبة هي أيضاً لكن المَلَكة الشعرية لا توصلها إلى ما بلغ إليه أخوها نظراً لما ساد من التمييز الجنسوي بين الرجل والمرأة.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة