متابعات ثقافية و فنية

جمع التاريخ الشفوي العربي في غياب الراوي الخليجي

محمد تركي الربيعو

أخذت المرويات الشفوية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين تحظى باهتمام لافت في الأوساط الأنكلو- أمريكية مع ما أطلق عليه في تلك الفترة بـ«التاريخ الاجتماعي الجديد». وقد تأثر هذا الاهتمام في بداياته بعمل إدوارد تومسون عن الطبقة العاملة الإنكليزية، وكذلك عمل أوجين جينوفيز عن الأفارقة المستبعدين في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ سعى من خلال هذا الكتاب إلى اكتشاف فاعلية الأفارقة ووعيهم. كما شهدت أماكن أخرى في العالم الاهتمام ذاته، ففي جنوب إفريقيا على سبيل المثال، أخذ العمل الشفوي ينظر له بوصفه عملاً وثيق الصلة بالنضال ضد الفصل العنصري، ولذلك فقد ارتبط النمو الأولي للتاريخ الشفوي في أواخر سبعينيات القرن العشرين مع عودة ظهور حركة المقاومة ضد الفصل العنصري، وتشكيل ورشة التاريخ في جامعة ويتواترسراند في مدينة جوهانسبرغ.
ووفقاً لشين فيلد مدير مركز الذاكرة الشعبية في جامعة كيب تاون (جنوب إفريقيا)، فقد كان المؤرخون الشفويون في جنوب إفريقيا مصممون منذ البداية على كسر ما كان يطلق عليه حينئذ «حالات الصمت» التي أوجدها القمع السياسي الذي كان يمارسه نظام الفصل العنصري والرأسمالية العرقية، ولذلك سعوا إلى تقديم «وجهات نظر من الأسفل». وفي فترة ما بعد المصالحة التي شهدتها البلاد، حدثت طفرة في المشروعات والمعاهد التي تستخدم منهجية التاريخ الشفوي، لتسجيل وأرشفة قصص من كافحوا خلال حقبة الفصل العنصري.
وبالتطرق إلى تجربة العالم العربي مع التراث الشفوي، نجد أن هذه التجربة لم تكن متكافئة بين بلدانه، بل غالباً ما كان الاهتمام بهذا الحقل يأتي استجابة للظروف الاجتماعية والسياسية التي كانت تشهدها بعض هذه البلدان، كما في حالة تجربة الباحثين الفلسطينيين الرائدة، التي جاءت في سياق الحفاظ على الهوية الفلسطينية لمواجهة مشروع «تهويد فلسطين». من هنا فقد برز الاهتمام بالذاكرة الجماعية مع أعمال نافذ نزال، روزماري صايغ، سليم تماري وغيرهم، كمحاولة لصياغة سردية مختلفة عن التاريخ الاجتماعي والثقافي لأبناء فلسطين. كما ينطبق الحال ذاته على تجربة اللبنانيين بعد الحرب الأهلية في لبنان، كما في حالة مشروع أمم لتوثيق الذاكرة الشفوية للحرب الأهلية التي شهدتها البلاد بين عامي 1976- 1990، الذي سعى إلى مراجعة حكايا اللبنانيين وقصصهم /خاصة الفئات المهمشة/ حول معاناتهم وكيفية عيشهم بعد الحرب، انطلاقاً مما يدعوه بول ريكور بـ«واجب الذاكرة» الذي يلي الحروب، والذي يفترض أن نسيان ماضي الحروب الأهلية – كما في حالة لبنان- لا يمكن أن يتم دون الاعتراف بهذا الماضي ودون إنصاف حكايا المظلومين. من جهة أخرى نجد أن الاهتمام بالتراث الشفوي لبعض البلدان الخليجية، جاء في أحيان عديدة استجابة للطفرات الاقتصادية الكبيرة التي شهدتها هذه البلدان، خاصة بعد مرحلة الفورة النفطية في مرحلة السبعينيات والثمانينيات، التي ساهمت في إحداث تحولات جذرية على مستوى العلاقات الاجتماعية والعادات أو على مستوى الحيز الحضري للمدن الخليجية، وهو ما دفع بعض باحثي الخليج (كما في حالة الأنثروبولوجي السعودي سعد الصويان) إلى الانكباب على مشروع ضخم لجمع التراث الشفهي للمدن الخليجية والقبائل العربية، خوفاً من اندثار هذا التراث أمام سيارة اللكزس (العولمة) وفق تعبير توماس فريدمان، التي أخذت تجرف في طريقها كل بقايا الثقافات التقليدية، وهو قلق مشابه لما كان قد عبر عنه الأنثروبولوجي الشهير كلود ليفي شتراوس في رحلته إلى المدارات الحزينة (البرازيل) حين قال «بضع مئات من السنين، وفي هذا المكان بالذات، سيأتي مسافر آخر لا يقل عني يأساً يتأسى على اختفاء ما رأيته وما فاتني، لأن كل ما ألمحه يجرحني وألوم نفسي على الدوام لأني لا أطيل النظر».
واستكمالاً لهذا المشروع، نعثر في الآونة الأخيرة على مشروع مهم في هذا السياق، وهو الذي أشرف عليه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عام 2014 وصدر لاحقاً ضمن ثلاثة مجلدات تحت عنوان «التاريخ الشفوي». ضم المشروع مشاركة خمسين باحثا من العالم العربي والغربي، تناولوا علاقة الشفوي بالكتابة التاريخية في أوروبا وجنوب إفريقيا، أو في بعض الدول العربية مثل لبنان وفلسطين وسوريا والمغرب والسودان. وقد تطرق المجلد الأول إلى بعض المقاربات والمفاهيم حول إشكالية الشفهي/الكتابي، بينما ضم المجلد الثاني مشاركات عديدة عن الذاكرة والهجرة الجماعية (حميد الهاشمي)، تدوين التاريخ الشفوي للمهاجرين (عطوف الكبير)، كما شمل دراسات أخرى حول التراث الشفوي للأقليات الدينية وسير الأولياء الصالحين (محمد المريمي، صالح العلواني)، بالإضافة إلى دور الذاكرة في الحروب الأهلية (منى فياض). في حين ركز القسم الثالث على «فلسطين الذاكرة والتاريخ» وضم عدداً من الأبحاث لباحثين محليين فلسطينيين (روزماري صايغ، ساري حنفي، ساحرة بليبلة وغيرها من الأسماء الجادة في هذا الحقل).
وبالعودة إلى مقدمة هذا المشروع الذي أشرف عليه المؤرخ اللبناني وجيه كوثراني، يرى الأخير أن القفزة المعرفية التي شهدها حقل التاريخ، قد فرضت على المؤرخين إعادة النظر في اعتبار أن الوثيقة المكتوبة هي المصدر الوحيد لاستخراج المعلومات، غير أن السؤال الأهم في رأيي رأي كوثراني – في ظل هذه التحول على مستوى الكتابة التاريخية – يكمن في ما إذا كانت الشهادة الشفوية التي تعبر في مضمونها عن ذاكرة ما، قادرة بأمانة على نقل ما يجري تذكره فعلاً؟ ولعل هذا السؤال هو ما حاولت الإجابة عنه ليندا شوبس خبيرة في التاريخ الشفوي، في دراستها «ستة عقود من التاريخ الشفوي» من خلال تأكيدها على ضرورة عدم فهم المقابلة الشفهية بوصفها وثيقة تاريخية، بل باعتبارها نصوصا وبنى ســـــردية ومنتجاً من منتجات الذاكرة والأيديولوجيا والهــــوية، التي تحتاج إلى إعادة تأويل وقراءة قبل اعتمادها كمصادر للتأريخ.
ولعل ما يسجل من ملاحظات على هذه الموسوعة، رغم غنى المشاركات، هو غياب الراوي الخليجي عنها. فباستثناء دراسة «جوانب من حياة قبيلة اللواتية في سلطنة عمان» لا نعثر على أي مقاربة أخرى حول جمع الذاكرة الشفهية في دول الخليج العربي، على الرغم من وجود جهود غربية ومحلية خليجية كانت قد قدمت في العقود الثلاثة الأخيرة قراءات مهمة لتاريخ بعض مدن الخليج العربي والتحولات التي شهدتها، من خلال الاعتماد على الذاكرة الشفوية لأبنائها؛ كما في أعمال دونالد كول وثريا التركي ومارسيل كوربر شوك وبيتر لاينهاردت وغيرها من الأسماء، وهو الأمر الذي نعثر عليه أيضاً من خلال الإسهامات العميقة لمجلة مثل مجلة «البحرين» للثقافة الشعبية التي تصدر اليوم بأكثر من لغة.
ولذلك كان من المتوقع مثلاً أن تكون هناك مادة حول تجربة مجلة «البحرين»، أو حول تجربة وملاحظات بعض الباحثين (الذين جئنا على ذكرهم) في جمع التراث الشفوي داخل بلدان الخليج.
لكن في كل الأحوال، ورغم هذه الملاحظة يبقى هذا العمل عمــــلاً لا يمكن تصنيفه إلا ضمن الصناعات المعرفية الثقيلة، وهو جهد نرجو أن يستمر ويتوسع في الفترة المقبلة، وأن تكون هذه المجلدات الثلاثة النواة الأولى لمشروع دوري حول التراث الشفوي لمدنـــــنا العربية، التي تشهد بعضها هذه الأيام دماراً وأفولاً على مستوى التراث والنسل وحتى على مستوى وجودها وبقائها المادي.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة