متابعات ثقافية و فنية

«فوتوغرافيتي» ناصر ناصر… جدران مصر بوصفها صحف الثورة

محمد حنون

على مر التاريخ، وفي كل ثورة شعبية في أي بقعة في العالم، شكلت الجدران ملاذا للثوار وللمنتفضين وللشعوب المقهورة؛ للتعبير عما يدور في خلدهم وما يعتمل في أرواحهم ضد الأنظمة التي تقمعهم وتصادر حقوقهم، وضد الكيانات التي تحتل أوطانهم.
كانت الجدران صحفهم حين لم يستطيعوا أن يجدوا لهم صحفا تعبر عن قضاياهم ورؤيتهم للذي يحدث، الجدران التي سجلوا عليها ثورتهم وشعاراتهم وأشعارهم وهمومهم وإداناتهم للحكام والجنرالات، وكذلك سجلوا عليها أخبار الثورة وأسماء وصور الشهداء، الذين قضوا في سبيل ثورة الشعب وحراكهم التحرري وفي سبيل إحقاق مطالبهم.
خلال الثورة المصرية وما بعدها، سجل الشعب المصري؛ على يد شباب وشابات الثورة المصرية من خلال ما عرف بـ«رابطة فناني الثورة» التي أبدع الأعضاء فيها لوحات جدارية في أنحاء القاهرة بشكل رئيسي، خصوصا على جدران شارع محمد محمود، وكذلك على بعض الجدران بالقرب من ميدان التحرير، لرفع صوت الثورة والثوار، وحتى بعد نجاح الثورة في إسقاط حكم حسني مبارك، استمر الفنانون الشباب في استخدام الجدران لتوثيق ما يحدث ما بعد الثورة، ولم تتوقف حتما بعد سقوط النظام، ظلت الجدران تشكل صحيفة الشارع المصري بكل إرهاصاته وتحولاته، إلا أن قرارا اتخذته السلطات التي تلت نجاح ثورة يناير/كانون الثاني؛ بمسح وإزالة كل الأعمال الفنية السياسية التاريخية التي أبدعها شباب وشابات الثورة؛ التي كانت بمثابة تأريخ للحراك الشعبي ومنجزاته وتوثيق لأحداث الثورة ومن كان معها ومن كان ضدها. كانت إزالة هذه الرسومات الغرافيتية خسارة كبيرة، فبالإضافة لقيمتها الفنية؛ فإن لها قيمة سياسية شعبية تأريخية، فهي تمثل وجدان الشعب والثوار.
يحتوي كتاب المصور الفوتوغرافي الفلسطيني الأردني ناصر ناصر، على ما يقارب الـ200 صورة تحت عنوان «فوتوغرافيتي: صحيفة ثورة مصر»، الذي يوثق فيه جزءا كبيرا جدا من الجداريات الغرافيتية التي رسمت على جدران القاهرة أثناء ثورة يناير وما بعد ذلك.
في كتابه «فوتوغرافيتي»، يستخدم ناصر ناصر على الغلاف صورة لرسم غرافيتي لأحد فناني أو فنانات الثورة المصرية، (أغلبية هذه اللوحات لم يعرف الشخص تحديدا الذي قام أو قامت برسمها للحماية من الملاحقة الأمنية)، حيث تظهر الملكة نفرتيتي المصرية الفرعونية وهي ترتدي قناع غاز، وقد كان اختيار هذه الصورة من قبل ناصر موفقا، فالرسمة الغرافيتية تمثل بكل معطياتها البصرية ما يمكن قوله وما هو كامن في فكرتها، فأي شيء قد يعبر عن مصر أكثر من ملكتها الأكثر شهرة «نفرتيتي، إضافة إلى ذلك أن تكون هذه الملكة ترتدي قناع الغاز، وهو ما شكل معاني بصرية تعني الكثير؛ منها أن مصر هي التي يتم الاعتداء عليها، وأن هناك قمعا أمنيا قائما.
تأتي أهمية كتاب ناصر ناصر بقيمته التوثيقية الفوتوغرافية لهذه الأعمال الغرافيتية، التي تم محوها وإزالتها عن الجدران في القاهرة، كما أسلفت، فالمصور الفوتوغرافي ناصر ناصر من المصورين الذين عايشوا الثورة المصرية منذ بداياتها وإرهاصاتها الأولى، حيث وثق المواجهات الأولى؛ والمظاهرات واعتصامات الشعب التي طالب فيها المتظاهرون بتنحي حسني مبارك وإنهاء نظامه السياسي.
وهو المصور الذي عاش الحياة القاهرية ما قبل الثورة لسنوات، كونه كان مقيما فيها ويعمل لوكالة الأسوشييتد برس الأمريكية. وعلى الرغم من إصابة المصور ناصر في أول أيام الثورة، وكانت إصابته خطيرة في الوجه؛ إلا أنها لم تثنه عن مواصلة العمل بعد عودته من العلاج، وقد فاته انتصار إرادة الشعب المصري في إسقاط نظام حسني مبارك، إلا أنه تابع بعد ذلك تصوير الأحداث وتطوراتها ما بعد ثورة يناير.
في كتاب ناصر تبرز اللوحة الغرافيتية بالدرجة الأولى، اللوحة التي رسمها الفنان أو رسمتها الفنانة المصرية، وهو الهدف الأول من الكتاب، حفظ هذه الذاكرة الفنية للثورة المصرية، ولكن ناصر قدّم كذلك بعض الصور التي تبرز فيها مهاراته الفوتوغرافية في توثيق العمل الغرافيتي الفني على جدران القاهرة، في سياق توثيق الحدث فوتوغرافيا وصحافيا.
في واحدة من الصور، يستخدم ناصر ناصر تقنية فوتوغرافية تُعرف بالـ«سيليويت» وهي تقنية تصوير البٌعد الأول بسرعة غالق عالية وفتحة عدسة ضيقة، حين تكون الخلفية مضاءة والموضوع الأقرب أو البُعد الأول يقبع في منطقة أقل إضاءة؛ فيظهر عندئذ البُعد الأول معتما، مضفيا على الصورة عمقا بصريا وجماليا، ناهيك عما يمكن لهذه التقنية الفنية أن تثيره من مفردات رمزية ومفاهيمية بصرية عند المتلقي في بعض المواضيع، فلقد كانت الصورة لرجل عجوز مصري يسير في منطقة أقل إضاءة، في ما هو يمر من أمام لوحة غرافيتية مضاءة في الخلفية بضوء الشمس؛ وقد كانت اللوحة لطفلة تقوم بتفتيش جندي وهو يرفع ذراعيه ومواجها الجدار، وهي لوحة لفنان أو فنانة مصرية على جدران القاهرة، نقلا عن اللوحة الشهيرة التي رسمها في مدينة بيت لحم فنان الغرافيتي العالمي بانكسي في فلسطين المحتلة عام 2007، الذي يعرف أن مقر تحركه وإقامته هو مدينة «لندن» ولكن لا يعرف يقينا ما هي جنسيته أو اسمه الحقيقي.
في صور أخرى، كان ناصر يتحرى التقاط الصورة الصحافية السريعة واللحظية للمواجهات والمظاهرات؛ مراعيا فيها إظهار الخلفية في المشهد، فبرزت في هذه الصور تلك الخلفيات التي تظهر جدرانا ممتلئة بالغرافيتي لشعارات ورسومات تؤرخ للثورة ولمطالب الثوار والثائرات، وهو ما حقق عدة أمور في الصورة، أهمها إبراز المعطيات «الزمكانية» للحدث، وكذلك تحقيق ذلك التناغم ما بين المعنى والمبنى، أي ما بين الحدث وخبره في الصورة بوصفها نصا بصريا؛ وبين البناء البصري للصورة، من حيث زاوية التصوير والتكوينات البشرية وصولا للخلفية التي حملت كذلك نصوصا ورسومات فعلية على الجدران تعبر عن هذا الحدث ومكانه وزمانه.
في هذا الكتاب وجدان شعب عظيم وعريق، أحلامه، ذاكرته، همومه، انتصاراته وهزائمه، أفراحه وأحزانه، حسه الفكاهي في أحلك الأوقات، وقلقه من المقبل في عز انتصاراته الشعبية في ميدان التحرير القاهري، وفي مدن وقرى مصر قاطبة. في هذا الكتاب جدران تعكس روح شعب تاق للحرية، وبحث عنها في شوارع مصر وحواريها، وهو الكتاب الذي يعد وثيقة فوتوغرافية، حُفظت فيه هذه الذاكرة الفنية والشعبية من الغياب والفقد، ولتبقى هذه اللوحات الغرافيتية شاهدة على ملحمة ثورية أبدعها شباب وشابات مصر، على الرغم من ذلك الواقع والإحساس الذي برز أيضا على الجدران أثناء وما بعد الثورة، وهو الإحساس بالخذلان لما آلت إليه الأمور في بعض جوانب ثورتهم التاريخية، حيث تسلق الكثيرون عليها وخطفت من بين أيديهم، إلا أنها حققت الخطوة الأولى في ترسيخ مفاهيم جديدة قد تعيد إنتاج نفسها في يوم ما

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق