.

الحياة مرتين في معرض تونس للكتاب

فيصل دراج

يلتفت زائر المعرض التونسي للكتاب، الذي امتد من الرابع والعشرين من الشهر الماضي حتى الثاني من نيسان، إلى ظواهر، ليست مألوفة، كثيراً في معارض الكتب العربية. فلا يبدو هذا المعرض، الذي أُفرد له مكان خارج المدينة، منفصلاً عنها، بل له جمهور واسع أقرب إلى الازدحام، يشارك فيه الإنسان العادي وطلبة المدارس ومؤسسات ثقافية متعددة، كما لو أن جزءاً من المدينة آثر الاحتفاء بالكتب، أو كان في المعرض إرادة الحوار مع المدينة.
وهذا الأمر ظهر جلياً في شعار المعرض الذي وزّع على أكثر من مكان: «نحن نقرأ لنعيش مرتين». وهو يرى في عدم القراءة حياة ناقصة، أحادية البعد، تبدّد زمناً ثميناً. وإلى جانب الشعار رسم يوناني الملامح، يربط بين البشر وتحصيل الحكمة، في إشارة إلى حياة عاقلة كونية الأبعاد، تمتد إلى زمن قديم. وللكتاب تاريخه، الذي رعته عقول جميلة، وأمدّته بهيبة، تدعو إلى الحوار جديرة بالاحترام.
يتكشّف الحوار الواسع، أو المجزوء، بين المدينة والمعرض، في صفوف التلميذات والتلاميذ، المحتشدين، ليس في أيام العطل فقط، يرافقهم معلّمون: ينظمون حركتهم ويمنعون الفوضى والتدافع، مؤكدين أن معرض الكتب معلّم من نوع خاص، له قامة واسعة تحتفي بالهدوء. ولمداخل المعرض موظفوها الرسميون المنضبطون، لا يتساهلون مع الفوضى والتدافع، في انتظار الدخول إلى قاعة الكتب الواسعة، في علاماتها المتعددة، التي تشير إلى الجهات وبوابات الخروج وأماكن المحاضرات. وهذا النظام في وجهيه يرضي الزائر الفضولي، قبل أن يندفع إلى عناوين الكتب، العربي منها والتونسي بخاصة، والفرنسي الموزّع على أكثر من مكان، حيث تبرز أسماء أدبية فرنسية، ليس آخرها دو موباسان وألبير كامو ودار غاليمار الشهيرة، وصولاً إلى كتب باللغة الإنكليزية، تتراءى بينها رواية جون شتاينبك «رجال وفئران».
وفوق قاعة الكتب، بكتبها الفنية والأدبية والعلمية والدينية، تقوم قاعات المحاضرات، المحددة الأسماء والمواقيت، والتي تستكمل فضول الزائر بمواضيعها متنوعة، وبحضور نوعي، لا فرق إن كان الموضوع رائجاً، حال «الأدب والمنفى»، أو ارتبط بمناسبة كثيرة الشجون (المثقفون العرب والاتحاد السوفياتي)، أو كان موضوعاً تقنياً مثل «دور المحرر الأدبي»، الذي على رغم سمته التقنية يجد جمهوراً يسأل ويجيب ويوضح ما تقدّم به المحاضرون. ربما كان «روح الحوار»، المرتبط بمناخ سياسي لا يزال يتكوّن، ما يهمّش كلمة «المحاضر»، الذي يفرد أمامه أوراقه، وما يجعل من الحضور المتسائل جمهوراً واسعاً من المحاضرين، بعيداً من مشهد عربي متوقع سمته القلة الحاضرة والكثير من التثاؤب.
ومع أن زائر المعرض يقصد ما شاء من دور النشر العربية واللبنانية - وكان لبنان ضيف المعرض – فإن بعض الزائرين، الذين لهم ذاكرة ثقافية «قديمة»، يقعون في بداية المعرض، على اسم الدارة التونسية، «دار الجنوب»، بحيث يرى أحد مؤسسيها المربي والأستاذ الشهير توفيق بكّار، وهو عجوز في بداية تسعيناته، يحدّق في الفضاء، أو يبدو كذلك، بشعره الأبيض القليل، وعلى وجهه المتغضّن ابتسامة كريمة، لا يمر به أحد إلا ويلقي عليه تحية عامرة بالإجلال. والأستاذ بكّار لمن لا يعرفه، من رموز استقلال تونس السياسية والثقافية، من أربعينات القرن العشرين، فاض حضوره على الجامعة والجامعيين وامتد إلى حياة تونس الثقافية كلها، فهو الناقد القارئ الحصيف، صاحب الأسلوب الأدبي المتميّز، له سلسلة أدبية عنوانها «عيون المعاصرة» يشرف عليها منذ عقود، اختار لها النصوص الروائية العربية الأفضل، مع تقديم نافذ طويل، بدءاً من «حدث أبو هريرة قال» للتونسي محمد المسعدي، وصولاً إلى جمال الغيطاني وإميل حبيبي، وعبدالرحمن منيف، والروائي التونسي الأنيق سلوكاً وكتابة: حبيب السالمي. وفي عمل الأستاذ توفيق ما ينطوي على جهد جماعي، ذلك أنه أشرك في كتابة مقدمات «عيون المعاصرة» مجموعة من النقّاد العرب والتونسيين.
بدا معرض الكتاب في تونس امتداداً لشخصية بكّار المثقف «الحيّ» القديم، الذي يوزّع وقته على تونس وباريس، المنظم في عمله ومتابعاته، والتنويري المثابر الذي لم يرهقه مكر الأزمنة، وهو العروبي الذي يرى في القومية التزاماً عقلانياً بلا إضافة، والفلسطيني- التونسي الذي يختصر الطرفين في خيار شغوف بالحرية.
وإذا كان الحديث قد مرّ على «هيئة معرض»، يقنع بعض العرب «بعودة القراءة»، أو بعدم «رحيلها» أصلاً، فإن على ذلك المرور الذي صافح في طريقه، سعيداً، توفيق بكّار، أن يقدم شذرات عن مدير المعرض شكري المبخوت. فهذا الأستاذ الجامعي ناقد أدبي، مختص باللغويات، شارك في تقديم «عيون المعاصرة»، وله أكثر من كتاب جدير بالقراءة. غير أن الأساسي في الإشارة إليه ماثل في أمور ثلاثة: انصهاره الكلي بعمله، بحيث أعطى معرض الكتاب في تونس حياة جديدة، كما يقول العارضون، وهو المنظم والمقترح والمشارك و«القائد الثقافي»، يأتي إلى المعرض قبل غيره ويغادره بعد غيره، وله حضوره داخل المحاضرات وخارجها، وله الذاكرة المنظمة التي تتابع شؤون أصحاب العلاقة. والصفات هذه لا تأتي من «مدير المعرض»، بل تمليها ضرورة المقارنة، التي تفصل بين «استثمار اللقب» والاستعراض الإعلامي وواجبات العقل الفاعل.
في تونس ما يدعو إلى مراقبة «الثورة» وما تبقى منها، ما يتراءى واضحاً وما يتزاول، وفيها أطياف «بن عاشور»، الذي وضع اسمه على بناء بسيط قديم يعنى بالفنون والفنانين، ودعا مبكراً إلى تحرّر المرأة، معتمداً قراءة عقلانية للدين الإسلامي، وفي تونس العاصمة شارع الحبيب بورقيبة، الذي يتوسط المدينة، وفيه نصب تذكاري لذلك الحاكم القديم الذي كان، ذات مرة رمزاً للاستقلال. والأبسط من معالم تونس وأكثرها «شهرة» اسم أبو القاسم الشابي، الذي تبقى قصديته عن «إرادة الحياة» صالحة للأزمنة جميعها، ويعرفه العرب الذين يقرأون والذين لا يقرأون.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة