إضاءات

تداعيات نقدية!

خيري منصور

قبل رحيله بنصف قرن كتب الشاعر أنسي الحاج مقالة بعنوان «بين النقد والأثر» نشرت في مجلة حوار عدد حزيران/يونيو عام 1966، وثمة سببان للعودة الى تلك المقالة إضافة الى أهمية كاتبها هما الوعي المبكر الذي يصاحب المبدع ويحرره من وهم المعصومية والاكتمال والمسافة شبه الأبدية بين الإبداع والنقد، رغم ان النقد العربي في تلك الآونة من عقد الستينيات كان في ذروة نشاطه واستجابته لتحدي التجريب والريادة الثانية في موجة الشعر العربي الحديث.
ومساءلة الحاج للناقد حول جدواه ودوره تذكرنا بعبارة شهيرة لغراهام هيو، وهي ان النقد يتعامل مع حصى النهر المترسب في القاع اكثر مما يتعامل مع تيار النهر، وكذلك بما قاله عن عدم وجود تمثال واحد للناقد في عواصم العالم! فهل هي الغربة المزمنة بين النص ومستويات تلقيه؟ ام ان هذا التعميم تفسده استثناءات خلاقة، كان النقد فيها موازياً للابداع؟ وما يقوله انسي الحاج وهو ذاته نموذج له يجزم بأن الشعراء هم النقاد الحقيقيون في ذروة التطبيق، وهذا ما قاله ت . س . اليوت حين تحدث عن مسوداته الشعرية وقال ان الشاعر هو الناقد من الداخل وعملية الحذف والاضافة واخيراً الانتقاء هي النقد بمعناه الدقيق لهذا اصبحت مسودة قصيدته الشهيرة الارض اليباب بعد ان تجول بين سطورها قلم ازرا باوند مثالاً لما يمارسه الشاعر بصفته ناقداً، وقد يكون اهداء اليوت قصيدته الى من اطلق عليه صفة الصانع الامهر تعبيراً عن كون الشعر صناعة اضافة الى الموهبة، وهذا ما قصد اليه ناقد عربي قديم في كتابه عن الصناعتين.
جيل أنسي الحاج على اختلاف الاتجاهات والتفاوت في منسوب الشعرية عانى من النقد مرتين، مرة لتجنبه استقراء ما انجز من تجريب في تلك الاونة الحافلة، ومرة اخرى لاستغراق بعض النقاد في المناهج الاتباعية، وتوثين الماضي باعتباره المجال الزمني لاكتمال نماذج تقاس عليه ولا تقاس هي الا على نفسها!
والمثال الذي يستحضره انسي الحاج هو عن موقف النقد السائد من شعر سان بول رو، حيث انصرف النقاد الى البحث عما لم يقله في قصائده، وذلك تهرباً من الأشياء التي قالها ! ولعلّ ما حدث في القرن التاسع عشر من سطوة النقد الحكمي ساهم في تدهور النقد وتنحيه عن اهم ما يناط به، ومن امثلة ذلك الاستخفاف ببودلير والتنكر لبلزاك وعدم اكتشاف رامبو، لكن ما حدث في القرن التاسع عشر تكرر في القرن العشرين، وإن على نحو مغاير، وقد يتضاعف في هذا القرن، ونذكر للمثال ان بواكير الشعر العربي الحديث في اواخر الاربعينيات من القرن الماضي تعرضت لإنكار ونعت الشعراء الرواد بالعقوق لاسلافهم وتراثهم ومنع الشاعران المصريان احمد عبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور من المشاركة في مهرجان شعري في دمشق، اضافة الى التخوين والتشكيك بصفاء العرق والهوية ممن تصوروا انهم الاوصياء على الثقافة وسدنتها، ولم يسلم من ذلك حتى شعراء لم ينجزوا من الحداثة غير بعثرة العمود الشعري وبقيت رؤاهم رومانسية تعيش على ما ترسب في الذاكرة من ديوان العرب في الحقبتين الاموية والعباسية.
وأخيراً ينتهي انسي الحاج قبل نصف قرن من رحيله الى مساءلة النقد قائلا من حقنا ان نتساءل لمذا النقد ومن حقنا ان نقف منه موقفه فنكون بالنسبة اليه غرباء خارجين، مسبقين ومتحيزين وخونة! فهل يكون تجاوز المبدع للسائد النقدي خيانة عليه الاعتذار عنها، ام ان النقد القاصر والداجن على هوامش المتون القديمة هو المطالب بالاعتذار عن التقصير وعدم سلامة الادوات.
ما كتبه انسي الحاج أعادني بعد نصف قرن الى ما قبل أكثر من ألف عام، حين عاقب امرؤ القيس زوجته ام جندب لأنها فاضلت بين قصيدته وقصيدة لعلقمة الفحل لصالح الفحل، فالنقد افراز حضاري بامتياز وشروطه اقصى بكثير من متطلبات الابداع الذي قد يكون فطرياً في بعض الأحيان.
وما كان يشكو منه النقد قبل نصف قرن تضاعف الآن، بسبب التطور المتسارع في الحفريات المعرفية والافادة من منجزات علوم النفس والاجتماع والإناسة، وما نراه من تأنق نظري في النقد ما هو حيلة لاخفاء القصور في مجال التطبيق لأن الناقد ما ان يترجل عن منصة التنظير الجمالي ليشتبك مع النصّ بعد تهشيمه وتفكيك عناصره بحيث يصبح شرحاً على هوامش المتون.
ان ما كتبه انسي الحاج قبل نصف قرن من رحيله وحين كان في بواكير رحلته الشعرية يجزم باتساع الهوة بين ثلاثة اجيال على الاقل، فالشاعر كان في تلك المرحلة اقل انخداعاً بما تعكسه المرايا النرجسية، والنقد رغم الشكوى منه كان يخوض معركته الثقافية ويخطئ ويصيب، لكنه لم يكن اسير حالة من الاستنقاع كما هو الان، فالنقد الان تليق به صرخة فيكتور هوجو التي اطلقها ذات يوم في وجوه نقاد عصره، وهي هل هذا العمل جيد ام رديء، وهل هو جديد أم قديم أعيد انتاجه؟ وما يبذله النقد الآن من جهد لتجنب الاجابة عن سؤال هوجو هو إضعاف ما يبذله في الكشف والاجتراح!!

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة