.

ثلاثية مسرحية تسائل الفرنسيين عن الهجرة والمنفى

أبو بكر العيادي

هي ثلاثية عنوانها “واحد، اثنان، ثلاثة” لماني سليمانلو الذي هجر إيران في مطلع الثمانينات ولجأ إلى كندا، حيث ظل يتنقل بين شطريها الفرنكفوني والأنكلوفوني، حتى استقر به المقام في كيبيك.

“واحد” كان مونولوغا سيرذاتيا حاول فيه سليمانلو الإمساك بجذوره وبلده الأصلي الذي غادره طفلا، رغما عنه، ليحل بباريس، ومنها إلى تورنتو، ثم أوتاوا ومونريال، دون أن تنسيه كل تلك المنافي مرابع طفولته. ولكن بمرور الزمن، صهرته الغربة، فلما اندلعت انتفاضة 2009، أحس فداحة البون الذي يفصله عمن يناضلون في طهران وقم وإصفهان وشيراز، لأجل حريتهم.

وكان ذلك في نطاق تجربة وضعها مسرح “أربعة قروش” بمونريال لاكتشاف فنانين من وسط مهاجر، فتحدث عن نفسه أكثر مما تحدث عن بلد المنشأ، وكذلك عن الهجرة والهوية، ليس في مونريال وحدها بل في شتى المدن حتى في يوكان بأقصى الشمال.

“اثنان” كان حوارا مع فنان أصيل كيبيك هو إمانويل شوارتز، للوقوف على ما يمكن أن يقرّب أو يبعد بين الأصيل والوافد، على خلفية الجدل القائم حول الهجرة كخطر على الهوية، فجاء أقرب إلى رأي معاكس لما ورد في الجزء الأول، وكأن الرجلين أرادا أن يطرحا الرأي الآخر، غير المرحب بالمهاجرين، على طاولة النقاش.

ثم وسّع سليمانلو الحقل في “ثلاثة” لمجموعة من المتدخلين، بعد أن استعر الجدل في كندا عند سنّ “ميثاق العلمانية” دون أن يكون ثمة موجب لذلك، فلما دُعي إلى فرنسا، وكانت قد تعرضت لعدة أعمال إرهابية اقترفها نفر من المهاجرين أو من أبنائهم، ما جعل مسألة الهوية أكثر إلحاحا، ولكي يقدم صورة عن الذين يشكلون فرنسا، انتخب سليمانلو ثمانية وثلاثين متدخلا من أصول مختلفة، ثم أرسل إلى كل واحد منهم “استجوابا عن الهوية”: أين تسكن؟ أين ولدت؟ هل تمارس إحدى الديانات؟ كيف تتصور الجمهورية السادسة؟..

واستنادا إلى إجاباتهم، صاغ المسرحية والدراماتورجيا، فكان الممثلون طوال ثلاثة أسابيع يتناوبون على التدرب عليها، مع هامش للارتجال يخص تساؤلاتهم حول المجتمع الذي يعيشون بين ظهرانيه يوميا، ووضع النساء في عيون الإسلام الراديكالي، وانعزال الفرد مع هاتفه أو “سمارتفونه”، في محاولة لفهم مجريات الأحداث بعد العمليات الإرهابية.

ومن خضم تلك المجموعة نتأت أصوات بتجارب مخصوصة، هذا قدم إلى فرنسا صغيرا، يحس أنه فرنسي، ولكن المجتمع يرده دائما إلى أصوله التونسية، وثانٍ يروي صعوبة اندماجه في المدرسة، منذ الصغر، وما انجر عن ذلك من بَعد من مشاكل، وأخرى مولودة في باريس من أصول كورسيكية، ولكن رفاقها ورفيقاتها عادة ما يسألونها هل هي من بلد مغاربي؟ وآخر يتساءل هل أن بشرته صفراء بما يكفي كي يكون صينيا؟ وأخرى لا تعتقد أن حكايتها جديرة بأن تروى لكونها ذات بشرة ناصعة البياض.

وفي رأي المخرج أن عرض أشخاص من كل الأجناس ضروري لتقديم صورة صادقة عن المجتمع الفرنسي، إذ لا بد من فرنسيين من أصول مغاربية، وآخرين من أصول أفريقية أو آسيوية، إضافة إلى سكان البلاد الأصليين.

“لا يمكن عرض عمل يتحدث عن الهوية، وعن الآخر والهجرة بركح أبيض صرف”، يقول سليمانلو مسترسلا “ولا أن نستغني عن البيض تماما، بل أن نخلق نوعا من التوازن أقرب ما يكون إلى الواقع”.

والحق أن الممثلين الذين يقفون أمام قاعة مسرح “شايو” هم أشبه بمرآة تعكس واقع المجتمع الفرنسي الراهن وتنوعه، يطرحون معا مسألة الهوية، وقبول الآخر في المجتمع الفرنسي، ولذلك يؤكد سليمانلو على أن ما يقوم به ليس مسرحا وثائقيا، ولا مسرح سيرة ذاتية، بقدر ما هو إطلالة على المجتمع في لحظة ما من تاريخه، والإمساك بما يجعل الحياة داخله جديرة بأن تعاش معا، رغم اختلاف المشارب والملل، ومن ثَمّ اختار أن يعالج المسألة عن طريق تنويع المشاهد الكوميدية والتركيز على ممثل من أصول توغولية لا ينفك يطلق الأحكام والأمثال الأفريقية طوال المسرحية.

في تلك الدينامية التي يُقطع فيها الكلام أحيانا، ويعكس تنافرُ الأصوات التعددَ والتنوع، يقوم الظرف كوسيلة لخلع الصبغة الدرامية عن أسئلة الهوية التي لا حصر لها، وكان لا بدّ لماني سليمانلو من وضع نصيب من السخرية، ولو سخرية الأشخاص من أنفسهم ومن بعضهم بعضا، لكتابة نص يصيب المرمى.

وإذا كان الجزآن الأولان يدوران في نطاق ضيّق، ويطرحان مسألة الهوية من زاوية محدودة، فإن الجزء الثالث، بما يزخر به من تعدد أصوات، وتنوع أجناس، يكاد يفصح عن الواقع في أدق تجلياته، ومن ثم حيّى النقاد سليمانلو على هذه المسرحية ذات الفوائد الإنسانية العاجلة.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة