متابعات ثقافية و فنية

«مكتبة الأسرة» تتعثّر والقارئ المصري يخسر

الآء عثمان

تحت شعار «القراءة للجميع»، انطلق مشروع «مكتبة الأسرة» عام 1994، تحت إشراف «الهيئة العامة للكتاب» (التابعة لوزارة الثقافة المصرية)، وبدعم رسمي على أعلى مستوى بغية تقديم الكتب بسعر زهيد. وفي إطار هذا المشروع الذي لا يبغي الربح، صدرت ملايين النسخ من كتب في مختلف فروع المعرفة، لكنّ تمويله الذي كان مرتبطاً بالسيدة سوزان مبارك، تعثّر عقب ثورة 2011، وإطاحة نظام الرئيس حسني مبارك. وقد ترتب عليه انحسار الإصدارات في شكل ملحوظ، منذ نحو عام على الأقل.
قبل هذا الانحسار، كانت هناك محاولات للاستمرار بموازنة محدودة توفرها «الهيئة العامة للكتاب»، ومعها وزارة التخطيط، من خلال لجنة يرأسها الكاتب الراحل إبراهيم أصلان. وعقب وفاة أصلان في بداية عام 2012 تولى الناقد محمد بدوي رئاسة اللجنة ذاتها، التي وضعت خطة تستهدف إصدار 150 عنواناً سنوياً، على أن تطبع من كل عنوان 5 آلاف نسخة. ومع تولّي جابر عصفور، وزارة الثقافة، في تموز (يوليو) عام 2014، قام بتشكيل لجنة جديدة، برئاسة فوزي فهمي، وصدر في ذلك العام 61 عنواناً، وارتفعت المحصلة إلى 146 عنواناً في العام التالي، بكلفة وصلت إلى نحو أربعة ملايين جنيه (الدولار يساوي 18 جنيهاً).
إعلان

وفي هذا السياق، خاطب عصفور الوزارات التي توقفت عن دعم المشروع، وقال في تصريحه إلى «الحياة»: «كرستُ جهدي من أجل توفير الإمكانات المالية اللازمة، بغية زيادة الموازنة إلى 20 مليون جنيه. حصلت على استجابة وزارات التربية والتعليم، والتخطيط، والسياحة. وبعدما وافقت وزارة السياحة على دعم المشروع بخمسة ملايين جنيه، تسلَّمنا منها مليوني جنيه قبل أن أترك المنصب بأيام، وبالتالي لم أستطع معرفة مدى استفادة المشروع من ذلك الدعم».

مشكلة مالية
لم يستفد المشروع من دعم وزارة السياحة لأن الإدارة المالية في «الهيئة العامة للكتاب»، وضعت المبلغ- من طريق الخطأ أثناء تسوية موازنة عام 2015- ضمن إيراداتها التي تذهب إلى وزارة المال. ولم يُكتشف الخطأ إلا عندما طالبت وزارة السياحة بإفادتها بما تم إنفاقه من المبلغ الذي صرفته للمشروع، حتى يتسنى لها صرف بقية الخمسة ملايين جنيه. شُكلت لجنة قامت بتحويل المشكلة إلى النيابة الإدارية والنيابة المالية، وأوصت بضرورة مخاطبة وزارة المال لإعادة المبلغ الذي وصلها بالخطأ. لكن وزارة السياحة قررت وقف دعم المشروع، حتى ينتهي التحقيق.
ووفق وزارة التخطيط، تبلغ الاستثمارات المستهدفة في الخطة للعام المالي 2016- 2017، نحو 15 مليون جنيه لتطوير مطبعة ومبنى ومكتبات هيئة الكتاب، و «مكتبة الأسرة». ويرفض مسؤولو وزارة الثقافة الإفصاح عن موازنة المشروع للعام الأخير، بل يرفضون تفسير تعثّر نشاط يعتبر الداعم الأكبر لصناعة النشر في مصر، لكنّ الأكيد أن وزير الثقافة حلمي النمنم قرّر تخفيض عدد النسخ المطبوعة لكل عنوان إلى 3 آلاف بدل 5 آلاف، ما عدا كتب الأطفال. فصدر عن المشروع طبقاً لخطة العام المالي الحالي 56 عنواناً مع حلول 29 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، بكلفة 1،8 مليون جنيه تقريباً، بالإضافة إلى 6 عناوين أخرى حتى نهاية آذار (مارس) 2017.
لكنّ تراجع مطبوعات العام 2016، أعطى مؤشرات على أن المشروع الثقافي الذي كان دوماً محل فخر المصريين، بات في طريقه إلى الأفول التام. وكي نتأكّد من صدقية هذا التصور، كان يلزم التعرف الى آلية عمل المشروع الذي ينقسم إلى أكثر من شق، مثل إعادة طباعة بعض عناوين مؤسسات وزارة الثقافة ذاتها، أو التعاقد مع دور النشر الخاصة، لإعادة طباعة بعض عناوينها، على أن تقوم الدار بطباعة عناوينها المختارة، وتسلمها إلى الهيئة في موعد أقصاه شهر من تاريخ العقد.
وتبيَّن لـ «الحياة» أن المشروع منذ أكثر من عام بات قاصراً عن إعادة طباعة كتب مؤسسات وزارة الثقافة، وأنه انصرف عن دعم دور النشر الخاصة، وأوقف التعامل معها، نتيجة وقوع «تجاوزات» مالية وإدارية، يجرى التحقيق فيها بمعرفة السلطات القضائية المختصة. وتتعلق تلك «التجاوزات» بما يُعرف بـ «المقايسات»، أي اختلاف أسعار «ملازم الورق» بين ما ينفقه الناشر، وبين القيمة المالية التي تحددها الهيئة العامة للكتاب. وبينما يتحمل الناشر سعراً مرتفعاً للملزمة بعد تعويم سعر الصرف، وارتفاع الدولار مقابل الجنيه، التزمت الهيئة العامة للكتاب بسعرٍ لا يضع في الاعتبار ذلك التطور. يقول الناشر وائل الملا، صاحب دار «مصر العربية»: «المسؤولون في الهيئة العامة للكتاب يتعاملون مع الناشر بالأسعار نفسها منذ عشر سنوات، مع زيادة طفيفة سنوياً، لم تعد تلائم أسعار الورق والطباعة، في ظل تعويم سعر الصرف، ولذلك لم أورد عناوين للهيئة منذ عامين تقريبا. حاولتُ كثيراً مع الوكيل الأجنبي لتقديم كتاب «صلاة تشرنوبل» للكاتبة النوبلية سفتيلانا أليكسفيتش، بشرط وضع بند في العقد يعطيني الحق في إدخاله ضمن «مكتبة الأسرة»، لكنني تيقنت الآن أنني غير قادر على نشره لأنني أعلم مسبقاً حجم الخسارة التي سأتحملها».
وباقتراح حلّ للمشكلة، عبر إعطاء الهيئة حقّ طباعة الكتب في مطابعها، قال الملا: «في النهاية ستتعامل معي على أنها طباعة تجارية، وستحملني التكاليف ذاتها، وسنجد أنفسنا في الأزمة ذاتها»، لذا يرى أن الحل يكمن في زيادة الموازنة المخصصة للتعامل مع دور النشر الخاصة، ووضع زيادة أسعار الورق، في الاعتبار.
وعما إذا كان الكتاب المطبوع ضمن «مكتبة الأسرة» يمثل تهديداً لكتابه، قال: «هو يمثل منافسة قوية داخل مصر وخارجها، فالهيئة أحياناً تشارك بكتب المشروع في معارض دولية، في وقت أن هدفه هو دعم القارئ المصري فقط، بالإضافة إلى أنها تعقد أحياناً صفقات تجارية مع عملاء عرب أثناء معرض القاهرة للكتاب، فتبيع لهم كميات ضخمة من كتب المشروع، ليعود الناشر العربي ويبيعها مجدداً في بلاده».
أمّا محمد رشاد، صاحب «الدار المصرية اللبنانية» ورئيس اتحاد الناشرين العرب، فرفض تنفيذ أربعة كتب ضمن المشروع من قبل، نظراً إلى عدم تقديرها مادياً، في شكل مقبول. وعن سؤاله عما إذا كان حلّ المشكلة يتمثل في إعطاء الهيئة العامة للكتاب حق طباعة الكتب في مطابعها، باعتبارها تمتلك الإمكانات اللازمة لذلك، قال رشاد: «أحرص على إصدار الكتاب في الشكل اللائق، ولا أضمن أن تحقق الهيئة ذلك». ويرى رشاد، أن دعم المشروع هو من واجبات الدولة المصرية، عبر توفير الموازنة اللازمة لاستمراره، باعتباره من أهم أدوات التنمية الثقافية.
في حين يتوقف المشروع عن طبع كتب دور النشر الخاصة المرتفعة الثمن، والاكتفاء بإعادة طباعة عناوين مؤسسات الوزارة التي هي أصلا رخيصة، يحق التساؤل: هل فقد المشروع أحد أهدافه الرئيسة؟ عن هذا السؤال تجيب الكاتبة فاطمة المعدول، وهي من أعضاء لجنة تسيير المشروع بالقول: «حين تتوجه مكتبة الأسرة إلى دعم المدعوم وطباعة كتب الوزارة، والانصراف عن دعم الكتب الغالية الثمن، والتوقف عن دعم الناشر، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها صناعة النشر في مصر، نعم، يفقد المشروع هدفه الأساسي. والخاسر هو القارئ المصري».
هل يحدث تنافس بين قطاعات الوزارة، بخاصة المركز القومي للترجمة كونه يتكلف دفع حقوق ملكية فكرية لدور النشر الأجنبية؟ يؤكد أنور مغيث، مدير المركز المصري للترجمة، عضو لجنة إدارة مشروع «مكتبة الأسرة»، أن «المسألة تتم بطريقة قانونية تماماً، فإذا اختارت اللجنة بعض العناوين التي لها حقوق ملكية فكرية، أخاطب الناشر لشراء حق الملكية، على أن تدفع الهيئة المبلغ المحدد من موازنة المشروع. وأما إذا كانت اللجنة اختارت عناوين قد نفدت من المركز أو ليس لها حقوق ملكية فكرية، فأوافق على إعادة نشرها فوراً، لكنّ الحالة التي أرفض فيها ذلك هي أن تكون العناوين ما زالت متوفرة في المركز ولم تنفد بعد، منعاً للتنافس».

مطالبة ثقافية
ويرى وزير الثقافة المصري الأسبق محمد صابر عرب، الذي أشرف على المشروع لفترة قصيرة كان يتولى خلالها تسيير أعمال الهيئة المصرية العامة للكتاب، أن «مكتبة الأسرة» هو مشروع قومي ناجح في مختلف مجالات الثقافة، وأن تراجعه الآن عما حققه من نجاح في السابق، شيء يدعو للأسف. ودعا عرب وزارة الثقافة، والحكومة المصرية إلى وضع حلول عاجلة ليعود المشروع كما كان. ووصف إصدارات «مكتبة الأسرة»، بأنها «عيون الأدب والثقافة والمعرفة، وعلى الدولة دعمها بقوة كي تزدهر مجدداً».
يصف الشاعر حسن طِلب، عضو لجنة «مكتبة الأسرة» سابقاً، المشروع بأنه «استنارة حقيقة تؤسس إلى الوعي الفكري والفلسفي»، مطالباً وزارة الثقافة بتكثيف جهودها، «ليعود إلى المشروع تألقه السابق، ويعيد نشر الأعمال التي تساهم في النهوض بالعقل المصري».
ويرد رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، هيثم الحاج علي، حول إشكاليات التعاون مع دور النشر الخاصة، بقوله: «لم نوقف التعامل معها. ولكن كنا نتعامل وفق قانون «المقايسات» بمعنى أنّ الدار تطبع الكتب خارجاً، ثم توردها إلينا كي نقوم بمقايسة مشتريات. وبعدما وجدنا تفاوتاً في الأسعار (عن سعر الطباعة في الهيئة، وأحياناً في السوق)، تقرّر تحويل الأمر إلى التحقيق من أجل ضبطه. هذا الإجراء القانوني تطلَّب وقف العمل، إلى حين الانتهاء من التحقيق، وإيجاد حلول تبعاً لاستراتيجيات المشروع». وأشار الحاج علي إلى أن هناك بحثاً عن صيغة أخرى للتعامل مع دور النشر، غير نظام المقايسات، كأن يتم دفع مقابل لحقوق النشر، في إطار منضبط، وحتى يكون هناك معيار واضح في التعامل».

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة