.

‘هنا والآن’ رسائل بول أوستر وجي إم كويتزي

هيثم حسين

ولّد لقاء الروائيّين العالميين الشهيرين؛ الأميركي بول أوستر (1947)، والجنوب أفريقي جون ماكسويل كويتزي (كيب تاون 1940) الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 2003، اتفاقاً على الحرص على المراسلة بينهما، ويأتي كتابهما المشترك “هنا والآن” ثمرة رسائلهما المتبادلة بين سنوات 2008 – 2011، يبثّان فيه شجونهما، ويقاربان شؤون الحياة والكتابة من زوايا مختلفة.

تشتمل الرسائل (الكتاب خان، ترجمة أحمد شافعي، القاهرة 2016) على الكثير من المواضيع والتفاصيل، سواء كانت تلك المتعلّقة بالأدب ونظرتهما للقضايا الأدبية والفنيّة أو تلك المتعلّقة بحياتهما الشخصيّة، وحكاياتهما وانطباعاتهما إزاءها. كما تنفتح على عوالمهما الداخليّة، ذلك أنّ البوح يكون سمة بارزة في الرسائل، يكون حديث الصديق للصديق، مقارعة بين أديبين كبيرين في ميادين الفكر والأدب والحياة، لذا يكون التعامل بانتقائية مع الرسائل لسعتها وثرائها وصعوبة تطويق مواضيعها المتشعّبة.
عن الصداقة والرياضة والمال

يحكي أحدهما للآخر حكايات شخصية تؤثّر فيه، يجعل من نفسه نموذج اختبار للصور والأفكار، يتحدثان عن قضايا كثيرة من بينها القضية الفلسطينية والسلام في الشرق الأوسط، يكتبان انطباعاتهما عن الكثير من الأماكن؛ جنوب أفريقيا وأميركا والهند وكندا وإنكلترا وفرنسا وإسبانيا وأستراليا وفلسطين وإسرائيل، كما يتحدثان عن أدباء ومفكرين راحلين كصموئيل بيكيت وسيغموند فرويد، جاك دريدا ونعوم تشومسكي، فرانتز كافكا، إدوارد سعيد بورخيس، نابوكوف، وغيرهم، وبعض أفكارهم وممارساتهم وتأويلاتهم في حقول الأدب والحياة.

يستهلّ جي إم كويتزي رسالته المؤرّخة في 14 و15 يوليو 2008 إلى بول أوستر بالحديث عن الصداقة وتشعّباتها، يفصل في نظرته لمفهومها وتأثيراتها على حياة الإنسان، وكيف يتغيّر تصوّره حيالها من مرحلة إلى أخرى. ويكون ردّ بول بدوره مساجلا ومناقشا ومقاربا الصداقة من وجهة نظره ويذكّر ببعض أعماله التي عالج فيها جوانب من الصداقة ونظرته لها في عالم اليوم.

في رسالة لبول أوستر إلى كويتزي يردّ عليه ويخبره عن تصوره للأرقام والمال، ويثني على فكرته بتأليف مجموعة جديدة من الأرقام لتحلّ محلّ الأرقام التي قامت بترقيم العالم بصيغة ما. كما يخبره عن قدرة الخيال على التأثير في الواقع، ويعترف له بأنّ الخيال الجليل في عالمنا هو المال. يتساءل: ما النقود بجانب كونها أوراقا تافهة؟ ويعبّر عن تصوره بأنّه لو اكتسبت تلك الأوراق قيمة، فما ذلك لأنّ أعدادا هائلة من البشر رأت أن تهبها القيمة.

ويجد أنّ “النظام يقوم على الإيمان. فلا حقّ ولا حقيقة، إن هو إلّا الإيمان الجمعيّ”. يذكر أوستر أنّ الأرقام التي يشير إليها صديقه هي ابنة هذا الإيمان. وأنّ الأرقام تمثّل الورق، وفي المعاملات المالية الكبرى اختفى الورق وتحوّل إلى أرقام. “الأرقام تكلّم الأرقام، ويُلقى بنا إلى عالم من التجريد المحض”. ويصف الأرقام كذلك بأنّها الظلال المرتعشة على الجدار. ويشير إلى الذعر الذي يجتاح الأسواق ويسكن الناس جراء تغيّر الأرقام وتزعزع قيمتها المالية. ويتحدّث عن جوانب من الأزمة الائتمانية والذعر الذي تخلّفه.

يبوحان لبعضهما بعضا بأفكارهما وتصوّراتهما عن الرياضة وعن لذّة المنافسة والبطولة وتداعياتها الحياتية المثيرة، فهذا أوستر يؤكّد لصديقه أنّ في الرياضة مكوّنا سرديّا قويّا. يقول إنّنا نتابع التفافات الصراع وانعطافاته لنعرف النتيجة النهائية. وحين يقارنها بقراءة كتاب، يقول إنها ليست بالضبط كقراءة كتاب، على الأقل كتبهما، لكنها قد تكون على علاقة وثيقة ببعض أنواع الأدب. يشير إلى أنّ الجانب السرديّ هو الذي يبقي المتابع حتى اللعبة الأخيرة، حتى دقة الساعة الأخيرة، ويخبره أنّه بصفة عامة يميل إلى النظر للرياضة بوصفها نوعا من الفنّ الأدائيّ.

يبحر كويتزي في ميدان جمالي آخر حين يردّ على أوستر بخصوص الرياضة ودورها في العالم الحديث، يقول له إنّ الظاهر بأنّه يتعامل مع الرياضة بوصفها مسألة جمالية، ومع متع مشاهدة الرياضة بوصفها متعا جمالية بالأساس. ويصرّح له عن شكوكه التي تراوده إزاء هذا النهج، يتساءل “لماذا تكون كرة القدم تجارة ضخمة في حين لا بد للباليه – وهو ذو جاذبية جمالية أرقى بالتأكيد – من الدعم؟ لماذا تبقى المنافسة ‘الرياضية’ بين الروبوتات شيئا بغير أهمية؟ لماذا النساء أقل اهتماما بالرياضة من الرجال؟”.
فانتازيا طفولية

يستطرد كويتزي في تأويله عن الرياضة مشيرا إلى أنّ ما يتجاهله النهج الجماليّ هو الاحتياج إلى الأبطال، ذلك الاحتياج الذي تشبعه الرياضة، والذي يقول إنّه يكون أمسّ ما يكون لدى الصبية الصغار فينشئ فيهم حياة فانتازية منتعشة، ويعبّر عن شكّه في أن تكون بقايا تلك الفانتازيا الطفوليّة هي التي تضرم في الكبار ارتباطهم بالرياضة. ويصف الأمر بالعبثيّ، مبرّرا أنّ أكثر الرياضات الاحترافية الحديثة لا يبالي بالأخلاق، إنّما يستجيب لتوق الإنسان إلى البطولة لا أكثر.
يذكر كويتزي أنه لا يحب من الرياضات ما تحمل نفسها على محاكاة الحرب، فيكون المهمّ فيها هو الفوز، ويكون الفوز مسألة حياة أو موت، ويجد أنّ تلك الرياضات التي تخلو من الجمال، مثلما تخلو الحرب من الجمال، وأنّه في أعماق عقله، رؤية مثالية، وينوّه إلى أنّها ربّما تكون ملفّقة لليابان، حيث شخص يحجم عن إلحاق الهزيمة بخصمه لأنّ ثمّة عارا في الهزيمة وعارا في إلحاق الهزيمة.

يناجي أوستر صديقه مفصحا له عن أنّه عاش لشهور حالة من الكآبة والحزن، في موسم موت وجنازات وخطابات عزاءات، يحدّثه عن الخسائر الشخصية وتأثيرها الذي يكون أعمق من اضطرابات العالم الأكبر المضطرم. يتحدّث كويتزي في رسالة له عن اللغة وتأثيرها في حياة الإنسان وبلورتها لشخصيته، ويقول مثلما يتساءل دريدا: كيف يمكن لامرئ أن يرى لغة لغته؟ يجيب أنّه قد لا تكون الإنكليزية في نهاية المطاف ملكية إنكليز إنكلترا، ولكن من المؤكّد أنّها ليست ملكيّته. ويجد أنّ اللغة دائما لغة الآخر، والمضي إلى لغة هو دائما انتهاك. يقول “ما أسوأ أن تبلغ براعتك في اللغة أن تسمع في كلّ عبارة تسقط من قلمك أصداء استعمالات أسبق تذكّرك بمن امتلك العبارة من قبلك”.

كما يجهر لصديقه بخيبة انطباعاته الأولى التي يكوّنها عن البلدان التي يزورها، يحكي له أنّه يبدو مبتلى بنوع خاص من العمى. لا يصف الأمر باللامبالاة، بل يؤكّد على مبالاته بكلّ التفاصيل، وأنّ عينيه في كلّ مكان يذهب إليه تكونان مفتوحتين على اتساعهما، ويكون منتبها للعلامات. ويستدرك أنّ العلامات التي يلتقطها لا تبدو ذات معنى عام. وأنّ قابلية الخاص للتعميم هي جوهر الواقعية. كما يصف الواقعية بأنّها وسيلة لرؤية العالم وتسجيله على نحو تبدو معه الخصوصيات ذات معنى، أو منتمية إلى نظام متماسك.

يعترف أوستر لكويتزي أنه في الروايات يجد نفسه يقاوم. يتساءل عن أهمّية القراءة ودورها في تنمية الشخصية: أليست القراءة هي فنّ رؤية الأشياء بنفسك، والتأليف بين الصور في رأسك؟ أليس جمال القراءة كلّه يكمن في الصمت الذي يحيط بك وأنت تغوص في القصّة، رنين صوت الكاتب يتردّد بداخلك مقصيا كلّ صوت سواه؟ ويتبدّى في ذلك حريصا على الاستمرار في نهجه في الأدب والحياة، ويشاركه صديقه رأيه ويثني عليه.

يشكّل كتاب “هنا والآن” مدخلا مهمّا للإبحار في عوالم روائيّين كبيرين لهما حضور بارز في الرواية العالمية الحديثة، كما يكون كاشفا لجوانب كثيرة من شخصيتيهما العادية، وكيف أنّ لديهما اهتمامات وهواجس ومخاوف تجاه الكثير من الأمور والأشياء والقضايا المعاصرة، ولا يدعيان أيّ تعال على تفاصيل بسيطة تساهم بتأثيث لوحة حياة الكاتب وتركيب الصورة الشاملة التي يظهر عليها.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة