لمحات ثقافية

رحلة القصص

أعادت مآسي اللاجئين فييت تان نْغويين الى طفولة هرب فيها مذعوراً من بلاده. تركت أسرته شمال فييتنام الى جنوبها في خمسينات القرن العشرين، ثم نادتها بداية جديدة من الصفر في الولايات المتحدة عند سقوط سايغون في أيدي الفييتكونغ منتصف السبعينات. كان في الرابعة وعاش في مخيم للاجئين في بنسلفانيا، ثم استقرّ مع أسرته في كاليفورنيا. طفله في العمر نفسه اليوم، وهو يتساءل ما إذا كان سيعرف مثله الشعور بأنه الآخر. يودّ أن يدرك الجميع، لا ابنه وحده، معنى أن يكون المرء هامشياً لأن ذلك ما يجعله متعاطفاً. بعد نيله بوليتزر قبل عامين عن روايته الوحيدة «المتعاطف» عاد الى القصة، ومجموعته «اللاجئون» الصادرة عن «كورسير» في بريطانيا تسترجع جراح النزوح وندوبها من أول الحرب الى آخر الحياة.
فييت (46 عاماً) بروفسور الأدب الإنكليزي والدراسات الأميركية والعرقية في جامعة جنوب كاليفورنيا، ويكتب عن الشعور بالدَين والذنب لدى المحظوظين الناجين من الحرب والانسلاخ عن أرضهم. يصرّ على اسم مدينته الأصلي، سايغون، الذي استبدله الشيوعيون بهو شي مِن. في «المرأة ذات العينين السوداوين» تعمل امرأة فييتنامية أميركية كاتبة- شبحاً، وتدوّن سيرة الناجين مثلها من الكوارث بأسمائهم. تفكر والدتها الهاجسة بمصير الكُتّاب في بلدها الأول أن الأمر الإيجابي الوحيد في عمل الابنة كون اسمها لا يظهر على الكتب. تظن الشابة أن أمها أصيبت بالخرف حين تقول أنها تشاهد شبح ابنها الغريق. لكنه يظهر لها ليلاً فتشم رائحة البحر المالح على جلده، وتلمس جروحه. يقابل فييت بين عناد الشبح الذي سبح ربع قرن ليلتقي أسرته، وبقاء الكاتبة مشلولة، أسيرة رحلة البحر التي ضحى شقيقها بنفسه فيها لكي ينقذها. لماذا عاشت في حين توفّي، تسأله، فيجيب أنها ميتة هي أيضاً لكنها تجهل ذلك.
بطل «أودّك أن تريدني» بروفسور يصاب بالخرف بعد أربعين عاماً من الزواج، ويعتقد أن زوجته صديقة سابقة له. تشعر أن وحشة اغترابها تغلق عليها. لا تكفيها غرابة الحياة في كاليفورنيا، وضياع هويّة الأسرة ومتانتها هناك. ابنها قصد لاس فيغاس سراً ليتزوج، واتصل بها ليحاضر عن الحب، وها زوجها يظنها امرأة أخرى. باتت تنتمي الى أسرة من الغرباء، ولئن أحبّت ابنها تشعر الآن أنها لا تستلطفه كثيراً. لا يزال جيلها يعيش في ماضٍ قلق فيما يملك الأولاد امتياز الخيار الحر في حاضر لا تسبقه المآسي.
في «الرجل الآخر» يستضيف مثليان في سان فرنسيسكو لييم اللاجئ من فييتنام الذي وصل وهو يحاول أن ينسى مواطنيه الذين تمسّكوا بالهواء وهم يغرقون في النهر. أصيب بعضهم في ظهره برصاص الجنود الشيوعيين الذين احتلوا سايغون، ولم يبالِ لييم بأحد حين كانت حياته في خطر. حدّق في الأرض كأنه يبحث عن نقود، ومنعه الضغط في أذنيه من فهم ما سمعه من مكبّر الصوت. قيل له إن سكان سان فرنسيسكو «فريدون» ولم يفهم ذلك، وحين اكتشف أن باريش وماركوس عشيقان أحس أن قنبلة سقطت عليه، وبثّت رعشة عصبية في أحشائه. وقف الشعر على ذراعيه ورقبته كما فعل حين لامسه فتى بمرفقه يوماً عمداً أو لا.
«الأميركيان» عن أزمة الهوية وازدواجيتها لدى طيار حربي أميركي من أصل فييتنامي. يزور وزوجته هو شي مِن للمرة الأولى ليلتقيا ابنتهما التي قاطعت الأسرة وعملت مدرّسة للإنكليزية هناك. يشعر بالضيق حين يتذكّر القنابل التي ألقاها على المدينة ولم يرها تنفجر، أو يهتم بالتفكير بالأرواح التي حصدتها. في «أرض الآباء» تعود فيفيان الى سايغون لتزور والدها الذي تركته أمها الى حياة أفضل في الولايات المتحدة. تفاجأ بأن والدها دعا أولاده من زوجته الثانية بأسماء أولئك من زواجه الأول كأنه ينكر الخسارة ويعوضّها. تجد فيفيان، الراوية الفييتنامية، أختها الأميركية جميلة، أنيقة، لكنها بَنت ذاتها على الأكاذيب التي يرويها المغتربون لأنفسهم: أن ظاهرهم هو حقيقتهم، وحياتهم ستكون أفضل بعيداً من الفقر والجوع وفقدان الأرض الأولى. في «المرأة ذات العينين السوداوين» تقول الكاتبة – الشبح: «في بلاد تعتبر المقتنيات كل شيء لم يكن لدينا سوى القصص».

اصطاد نفسه

> هل من جديد يقال عن الكاتب الصحافي، الصياد، الجاسوس، المراسل الحربي والعاشق الدائم؟ هل ابتلي كاتب آخر بهذا التلصص اللجوج؟ كُتبت سيرة إرنست همنغواي مراراً وتكراراً، وامتدّت إحداها خمسة أجزاء. كانت هناك كتب أيضاً عن علاقته بكل من سكوت فتزجيرالد، وليم فوكنر، غرترود شتاين وجون دوس باسوس. مذكرات لأفراد عائلته وأولاده ومدير منزله في كوبا. كتب عن أماكنه المفضلة في فرنسا، إسبانيا، كوبا، أميركا وكندا. عن مغامرات الصيد في كوبا، التجسّس في الصين في الحرب العالمية الثانية. ثمة كتاب عن بنادقه التي انتحر بإحداها، وثانٍ عن زورقه، وثالث بالصور عن هرره. العام الماضي نشر جيمس هتشيسن «إرنست همنغواي: سيرة جديدة»، وأوائل السنة صدر «كاتب، بحار، جندي، جاسوس» لنيكولاس رينولدز الذي تناول جهود همنغواي لإقناع الشاكين بأهميته جاسوساً. الشهر الماضي كانت ماري ديربورن المرأة الأولى التي تتناول حياة الكاتب الأميركي في «إرنست همنغواي: سيرة» الصادر عن «كنوبف».
تقول ديربورن إنها لا تريد تلميع الأسطورة ولا التشكيك في تركة همنغواي الأدبية. ولكن كيف يمكنها الحفاظ على اهتمام القارئ بكتاب من 750 صفحة عن متنمّر مصاب بالكذب القهري ازداد لؤماً مع تقدّمه في السن؟ أُعجب بنفسه، ولم يطق النقاد. لكَم أحدهم، وتشاجر مع آخر شبّه أسلوبه بشَعر صِدرٍ مزيف. اشتدّت قسوته على من ساعدوه بمن فيهم الكُتّاب سكوت فتزجيرالد، غرترود شتاين وجون دوس باسوس. هارولد لوب أقنع ناشراً بإصدار كتابه المختلف «في زمننا» فكافأه همنغواي بالسخرية منه في «الشمس تشرق أيضاً». تعترف ديربورن بصعوبة معرفة الحقيقة وسط الروايات المختلفة والكثيرة عن الحدث نفسه. ابتكر همنغواي حياته وهو يعيشها، وغيّر الحقيقة برواية تلائمه. في الحرب العالمية الأولى تبرّع بقيادة سيارة إسعاف في إيطاليا، وأصيب بشظية صغيرة تحولت رصاصات عدة أصابته وهو يهجم على العدو مع النخبة العسكرية أرديتي في جبل غرابا.
تُسقِط ديربورن أحياناً الأدب على الحياة، وتستند الى مشاعر هاري وحدها في «ثلوج كيليمنجارو» لتقول إن همنغواي عانى من قلق الانفصال حين غطى الحرب التركية- اليونانية، على رغم معارضة زوجته الأولى هادلي. على أن قلقه لم يتعلق بزوجته بل بحبيبته الأولى أغنِس فون كوروسكي، الممرضة التي اعتنت به في إيطاليا. في القصة نفسها يقول هاري إنه عهّر طوال إقامته في القسطنطينية، ويصف ليلة مع بائعة هوى أرمينية كادت تحرقه حين التصقت به. تصعب معرفة الحقيقة، تقول ديربورن، والوصف الحيوي لا يؤكد وجود المرأة أو ينفيه. لكنّ هاري ليس همنغواي بالضرورة، ولئن قلّد الأدب الحياة فإنه لا ينسخها بأمانة بل يتصرّف بتفاصيلها.
ديربورن أكثر تعاطفاً مع النساء في حياة همنغواي من كُتّاب سيرته الرجال. تزوج أربع مرات، وخان زوجته الراهنة دائماً مع تلك اللاحقة. لم تعطه حياته ما أراده منها، وساهمت الكحول والكآبة في تدمير سعادته وإيذاء القريبين منه. على أنه أبدى قسوة مجانية منذ صغره. في الخامسة عشرة كان يسير في مستنقع مع شقيقته سوني حين شاهد مالك الحزين الأزرق وأرداه ببندقيته. في شبابه اصطاد يوماً مع رفاق بعيداً عن الشاطئ ولاحظ أن الثلج لا يكفي لحفظ الصيد. اتجه رجلان الى الشاطئ للإتيان بالثلج لكنهما واجها مشاكل في قاربهما وتأخرا في العودة. فسد السمك وغضب همنغواي، وأطلق النار على كل الطيور التي اقتربت من القارب. في رحلة صيد أخرى قتل مع رفاقه ثمانية عشر دولفيناً من قطيع أحاط بهم في خمس دقائق، واستخدم لحمها سماداً لأحواض الزهور في بيته.

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …