الرئيسية / . / «آرتي» الثقافية تحتفي بتجربة جان رينوان السينمائية وتعرض أفلامه

«آرتي» الثقافية تحتفي بتجربة جان رينوان السينمائية وتعرض أفلامه

سليم البيك

تحتفي قناة «آرتي» الثقافية، الفرنسية الألمانية، بأحد أهم السينمائيين في العالم، وهو الفرنسي جان رينوار (1894-1979)، السينمائي بالمعنى الشامل، الكتابة والمونتاج والتصوير والتمثيل، وقد بدأ بصناعة الأفلام الصامتة قبل أن يَدخل الصوت إلى السينما، ممتداً بتجربته إلى الأفلام الملوّنة. معطياً تجربة شاملة زمنياً كذلك، جعلته أحد أبرز أساتذة نقّاد ومخرجي «الموجة الجديدة» في فرنسا (غودار وتروفو ورفاقهما) والتي ظهرت ارتداداتها على موجات جديدة عدّة في بلدان أخرى. وهو، رينوار، من بين الأسماء الأولى التي تخطر إلى الذهن كلّما تحدثنا عن سينما المؤلّف.
يشمل الاحتفاء عرض فيلم الرائع «قانون اللعبة»، والوثائقي «عندما جان يصير رينوار» الذي يتناول حياته بادئاً بعائلته وتحديداً أبيه، أحد أهم فنّاني الانطباعية، الرسام أوغست رينوار، ماراً برحلة جان إلى السينما والإخراج، وذهابه إلى أميركا وعدم انسجامه مع حقيقة أن صانع الفيلم والمتحكّم به هناك هي شركة الإنتاج وليس مخرجه، ليعود بعد انقطاع عن صناعة الأفلام هناك، إلى فرنسا ويكمل سيرته الفيلمية.

«قانون اللعبة»، البرجوازية الفرنسية عشيّة الحرب العالمية الثانية

هو الفيلم الرابع ضمن لائحة مجلة «سايت و ساوند» لأعظم مائة فيلم، اللائحة الأكثر وثوقيّة. يُعتبر، مع أفلام قليلة غيره، من أهم الكلاسيكيات في السينما العاليمة. أُنجز عشيّة الحرب العالمية الثانية، ويحكي عن المجتمع البرجوازي آنذاك والنفاق الاجتماعي فيه، ما أعطاه قيمة تاريخية إضافة إلى قيمته السينماتوغرافيّة. لكنه، ككثير من كلاسيكيات السينما الآن، لم يلقَ ترحيباً حين خرج إلى الصالات.
والفيلم الذي يبدأ ككوميديا وينتهي كتراجيديا، يتضمّن عدة «جانرات» في مَشاهده: كوميديا السلوك، كوميديا شابلنيّة، هيبوكريسي البرجوازية الفرنسية، حب وخيانات، موسيقى ومسرح، غيرة وجريمة، وغيرها دون أي إشارة مباشرة إلى التوتّرات السياسية التي سبقت الحرب، لكن مركّزاً على التوترات الاجتماعية، الفروقات بين البرجوازية (العالية حيث القصر والماركيز) والفقراء في الفيلم (خدم وعاملون لديه)، ممايزاً بينهم بشكل أدى أخيراً إلى أن يقتل أحد الفقراء فقيراً آخر، في حديقة البيت الأشبه بالقصر، لينهي صاحبه، الغني، المسألة بكلمتين كأن شيئاً لم يكن، ويدعو ضيوفه، الأغنياء، للدخول إلى القصر بسبب البرد، قائلاً بأن المسألة ستُحل غداً صباحاً.
كأنّ رينوار، وبخلفيّته اليسارية، أراد إحالة الحرب إلى التمايز الاجتماعي/الطبقي حيث يُقتل الفقراء أو يُشرّدون، كما في الفيلم، ويبقى الأغنياء حيث هم، كما هم، مستأنفين حياتهم العادية. لكن الغالب في الفيلم هو كوميديا السلوك، السخرية من حياة البرجوازية وتعدّد العلاقات ضمنها، في القصر ذاته، بين المدعوّين إلى حفلة وأصحاب الحفلة، الزوجة تصادق عشيقة زوجها، والزوج يصادق عيشق زوجته، وتبادلات تحصل بين العشّاق والصداقات. تعرّض الفيلم للقص فور خروجه إلى الصالات عام 1939، ثمّ تعرّضت نسخته الأصلية للتخريب أثناء الحرب، فأعيد ترميمها عام 1959، وهي النسخة التي بحوذتنا الآن، وقد احتاج الفيلم ليبتعد سنوات طويلة عن الحرب العالمية الثانية ليدرك المشاهدون والنقّاد صوابيّة الفيلم وأهميته التنبّئية كما الرمزيّة، عدا عن الفنّية. آندريه، طيّار من طبقة وسطى/فقيرة، يصل بعد أن قطع الأطلسي ويتلقّى احتفاء الجمهور والصحافة التي يعبّر لها عن حزنه لأن حبيبته كريستين لم تأت لاستقباله. يصير بطلاً وطنياً وحبيبته البرجوازية غير آبهة به وقد تزوّجت من الماركيز وأمّنت حياتها. يحاول الانتحار لاستحالة عودتها إليه. صديقه أوكتاف (جان رينوار نفسه) يقنع كريستين، وهي مثل أخته كما يقول قبل أن نكتشف انجذابهما لبعضهما، بدعوة آندريه إلى الحفلة التي يحضّرون لها. أثناءها، في القصر، تتداخل العلاقات والملاحقات وندخل أكثر إلى عوالم البرجوازيّة الفرنسية في ثلاثينيات القرن الماضي، لكن زوج كريستين، مدركاً ما يحصل، لا يتصرّف إلا على أساس أن لا تحدث فضيحة في قصره، غير عابئ بزوجته وعلاقاتها، ولاحقاً لا بالقاتل ولا القتيل. قد تلخّص إحدى عبارات أوكتاف في نهاية الفيلم الأجواء في حينها، إذ يقول لكريستين لحظات قبل أن يعترفا بانجذابهما لبعضهما إنهما «في زمن الكل فيه يكذب، الحكومة والصحف والراديو والسينما… لمَ لا يكذب الآخرون، ونحن كذلك؟» محاولاً أن يهوّن عليها طبيعة الحياة الاجتماعية للبرجوازية التي دخلت إليها بزواجها الماركيز.
يُعتبر الفيلم ريادياً فيما يخص التصوير والمونتاج، حيث الكاميرا ثابتة في بعض المشاهد وتدور حولها مصوّرة ما يحصل، بعينٍ موضوعيّة، الصور البعيدة في صالات القصر والمتّخذة لزوايا معيّنة فيها، التصوير الأقرب للوثائقي في الحقول، أثناء ملاحقة الأرانب تحديداً، العتمة والإضاءات الخفيفة، وغيرها، كانت كلّها، إضافة لمضمون الفيلم، ميزة بصرية له جعلته مرجعاً شاملاً للفيلم الكلاسيكي.
ماتزال قناة «آرتي» تعرض هذه الأيام أفلاماً لرينوار وعنه، ضمن احتفاء مستمر يشمل مواد مكتوبة منشورة، كذلك، في موقع القناة على الإنترنت.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

نيرمينة الرفاعي.. في نص بلا اسم

نيرمينة الرفاعي-   خاص (الجسرة)   أنا حورية البحر الحزينة بعت ذيلي مقابل أقدام لم …