الرئيسية / . / معرض في اسطنبول يرصد حضور القدس في وعي التشكليين العرب

معرض في اسطنبول يرصد حضور القدس في وعي التشكليين العرب

خلود شرف

نظمت دار وغاليري (كلمات) في إسطنبول معرضا مشتركا للفنانين العرب، تحت عنوان «ألوان تشكيلية للقدس والمقدس». يقدم المعرض أعمال فنية بصرية من ثقافات مختلفة، لرؤية حداثية وما بعد حداثية للفن، بأصوات متفردة وبتقنيات متعددة، وتفضي حركة التزاوج والدمج للتعبيرات المختلفة للفنانين العرب في معرض مشترك عن القدس، إلى دمج حالة إنسانية ورؤية شفيفة لعلاقة الفنان مع الحروب والاضطهاد الإنساني، الذي تجاوز الأمكنة ليصير كارثة مأساوية حقيقية. يقدم كل فنان من المشاركين لوحتين من أعماله التي تلامس القضية الإنسانية للقدس، كل حسب أسلوبه ووعيه وتبايناته التقنية، حوار عميق تجسده تجارب فنانين من أعمار ومراحل مختلفة، لتبدو من خلال هذه الأعمال مدى حضور المدينة ودلالاتها في وعي الفنان العربي. جاء افتتاح المعرض في 29 أبريل، ليبدأ جولاته بالمحافظات التركية بعد ذلك.

الذاكرة والهوية

الأمر بالأساس يخص الذاكرة، وهي الحاضرة في مخيلة الفنان أكثر من استمرارية الحاضر والمستقبل لديه، ذاكرة المدينة الأولى في حياته، التي هي معبر لمعرفة هُويته، وهذا ما ظهر على سبيل المثال في لوحة الفنان الفلسطيني «بشار الحروب» لمدينته القدس. كمّ المفردات الموجودة ضمن العمل الفني .. الخط والشخوص والرمزيات، توصل الزمن بحركة تبدأ من المركز وتتسع بحثاً عن هوية ما، إنّ اختزال التضاريس والمخزون الفكري والبصري بكثافة عالية وبدقة تعطي انطباعا سطحيا يتمثل كزخرفات، وانطباع داخلي يتمثل باختزال الرمزية للغة والتعبيرات، وهو ما قدمه الفنان السوري «نصر ورور». ظلّ يهرب من صاحبه ويرحل، اختزال لحظة رحيل لامرأة تحني ظهرها وهي تحمل أمتعة في درب يفضي إلى اللاجدوى. موقف إنساني ورحلة بحث تختزله الفنانة «فاطمة لوتاه»، تبدو أقرب إلى رحلة التهجير التي يعيشها الإنسان العربي، وعاشها من قبل الإنسان الفلسطيني، لكنها متمثلة برحلة شاقة للرمز الأم في دلالية رمادية بين الموت والحياة.

أساطير المدينة

وعن المدينة وكيفية رؤيتها وتأويل وجودها كرمز، نجد محاولات التجديد والابتكار التقني، كدمج السوري «بشر قوشجي» العمارة بالتشكيل، وتجسيد المدن من انطباعات بصرية تختزل الحركة والسكون من خلال لوحته التي تجمع بين الرماديات والأبيض، إيحاءات مشوشة عن مدينة غادرتها الذاكرة وتتسلل إليها من ثقوب كامنة بالحنين. أما التشكيلي السوري «عبد الكريم فرج» فاختزلت لوحته مراحل متعددة من التجريد وبعض من التكعيبية، وتبدو اللوحة إيحاءات شخوص وذاكرة تملأ المكان. ومن خلال شاشة التلفاز القديم يبث «شادي أبو سعدة» احتمالات متعددة للوجوه، كظلال مهمشة، ويسرد من خلالها انطباعات بصرية لشخوص معلقة بين الواقع والحلم، كالملصقات الإعلانية على الحائط. في ما عرض الجزائري «يزيد خلوفي» حرف التيفناغ الأمازيغي محفور على لوح طيني مترجم إلى اللغة العربية بالخط الأندلسي، على ورق قديم يبدو وكأنه ورق البردي، ضمن تقنيات متعددة تعكس عمق التراث وتواصل الحضارات المختلفة. ويأتي الفنان السوري «خيام زيدان» ليقدم عملاً يعتمد على إيحاءات شجرة الحياة ويرصد الارتباط العضوي بين الإنسان وجذع الشجرة، بتقنية الظل والضوء، مختصراً التكوين باللوحة كحالة فلسفية تكوينية لقصة الخلق وأسطرتها.

ناس المدينة

الفنان البحريني «عباس يوسف» يقدم لوحته كتحية للشاعر محمود درويش، فهو يمزج الخط واللون بكيمياء النص القصيدة للشاعر الفلسطيني ليخرج بانطباع بصري يمازج اللوحة بالشعر. كذلك الفنان السوري «إدوارد شهدا» يستحضر الفنان سميح القاسم في المشهد التشكيلي كشاهد عصر وشاهد حياة وشاهد كلمة وأرض «نعم يا شعراء الأرض المحتلة» مزج الكلمة والمقاومة بالنص البصري. ومن شجرة الزيتون وألف كلمة تخطّ السّلام، ومن تراث بألوان شفيفة وحكايات شعبية تُسرد على ظهر الخيال، يرسل الفنان السوري «بطرس المعري» تعبيراته، من خلال لوحته الموشّحة بصوت فيروز ليرسل التحايا «للقدس سلام آت». يسود اللوحة انطباع سلام وتاريخ كامل يختزله الفنان في إطار.

هناك أمل

حالة الأمل هذه عبّرت عنها العديد من الأعمال، منها لوحة السورية «جهيدة بيطار»، التي تصور رجل يسوّف الرحيل إلى المجهول، وعروس تحمل في إحدى يديها همّ روح ٍمغادرة، وتحمل في يدها الأخرى الزهور، اختزال لحظة بصرية تعمل على تزاوج المتناقضات بين اليأس والأمل. وما بين ترنيمة الأطفال واندماج الطبيعة، تبدو لوحة الفنانة اللبنانية «فاطمة الحاج»، هذه الغنائية تظهر وكأنما هي أمام آثار ومدرّج قديم، تشي بقدرة الإنسان على الاستمرار والبقاء، من أجل الجمال. كذلك المفارقة بين الموت والحياة، بين الولادة والمغادرة، وبين توديع شخص واستقبال شخص، مفارقة بين الألم الكامن على وجوه الشخوص وبين الفرح الإنساني الذي قدمه الفنان الغرافيتي السوري «سمعان خوام». وأخيراً وليس آخراً تحضر رمزية القدس من خلال فنانها الكاريكاتيري ناجي العلي وحنظلة الذي امتد ليصير أيقونة للمأساة على المنطقة.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

نيرمينة الرفاعي.. في نص بلا اسم

نيرمينة الرفاعي-   خاص (الجسرة)   أنا حورية البحر الحزينة بعت ذيلي مقابل أقدام لم …