الرئيسية / إصدارات / ‘العظام الراكضة’ .. عنف العزلة والتوق للحرية

‘العظام الراكضة’ .. عنف العزلة والتوق للحرية

منير عتيبة

ربما تدرك الكاتبة الصينية “آشه” أن القارئ قد تصدمه الحقيقة العارية التي تقبع في عمق قصص مجموعتها القصصية “العظام الراكضة”، فلا تصدمه بها مباشرة، بل تتوسل بالأسلوب شديد العذوبة في الوصف، تضفر عناصر الكون المحيطة بالشخوص، تملأ قصصها بتعاطف نبيل مع شخصيات القصص وحكاياتهم اليومية البسيطة، ومشاعرهم العميقة، مخاوفهم، إحباطاتهم، محاولة العثور على أمل ما في ظل تخبط في ظلام الحياة الإنسانية حيث يصير كل شيء إلى لا شيء، وحيث تصبح حياتنا في النهاية مجرد “قبض الريح”، لكنها مع ذلك تستحق أن نعيشها بكل ما فيها من فرح وحزن وألم ومعرفة تولد ألما أكبر.

قصص المجموعة الثمانية تجري أحداثها على أطراف المدينة، في الريف، في الغابة، في جزيرة منعزلة، وحتى ما يحدث منها في المدينة يكون في مناطق هامشية، وكأن من يعيشون هناك بعيدا عن النظر هم من يستحقون أن يراهم الكاتب ويتحدث عنهم، أو يمنحهم فرصة الحديث عن أنفسهم، لأنهم بدون ذلك لن يكونوا مرئيين أبدا، فالعزلة المكانية والنفسية ومقابلها محاولة إعادة التفكير في الحياة للانعتاق إلى مزيد من الحرية والإنسانية، أهم مفاتيح قراءة هذه المجموعة، والتي تفعلها الكاتبة ليس فقط على مستوى الموضوع بل على مستوى التقنية أيضا، فالقارئ حاضر دائما في ذهن السارد حتى إنه ليوجه إليه الحديث أحيانا ليورطه في المشاركة ومحاولة الفعل لكسر حاجز العزلة والقفز إلى الحرية.

وتحرص الكاتبة على أن تصف المكان بدقة، وتصف الزمان أيضا بدقة كبيرة، التوقيت واضح في معظم القصص، اليوم، الشهر، السنة، الساعة، لكن ذلك التوظيف للمكان والزمان يهدف إلى التأكيد على إن الإنسان كائن لا يعيش في فراغ، إنه يعيش في مكان وزمان وعلاقات اجتماعية وإنسانية ومشاعر إلخ، وكلها معا تتضافر لتصنع له لحظة من الفرح، وكلها معا تتضافر لتصنع له وجوديا مأساويا في النهاية.

صدرت الطبعة العربية الأولى من مجموعة “العظام الراكضة” عام 2014 عن “الوادي للثقافة والإعلام” بالقاهرة، ترجمتها يارا المصري، وراجعها د. حسانين فهمي حسين.

أما الكاتبة الصينية (آشة) فهي كاتبة مسلمة من مواليد مواليد 1971، من قومية الويغور، والتي توجد في منطقة شنيجاينغ ذاتية الحكم. وهي عضو في اتحاد كتاب نينغشيا وعينت أخيرا نائبة رئيس الاتحاد. وتعمل مديرة تحرير بصحيفة ينتشوان. وقد بدأت آشه الكتابة منذ عام 2003، حيث نشرت العديد من النصوص النثرية في الكثير من الدوريات الصينية المعروفة، مثل مجلة (أدب الأمة)، و(مختارات نثرية)، و(أدب النهر الأصفر) ومجلة (القارئ).

وهي الكاتبة الوحيدة التي حازت على جائزة مجلة (أدب الأمة) لثلاث مرات، فقد حازت في عام 2011 الجائزة عن النص النثري (شبح الجبل)، كما حازت الجائزة ذاتها في عام 2014 عن روايتها (قشرة البيضة)، ثم عن نص نثري آخر بعنوان (الفراشة البيضاء، والفراشة السوداء). ومن أشهر أعمالها: الرواية التاريخية الطويلة (وو تسون)، والمجموعة القصصية (العظام الراكضة).

• العظام الراكضة

في القصة الأولى من المجموعة والتي تحمل المجموعة كلها اسمها ترسل البلدية إخطارا بضرورة نقل المقابر الخاصة بالمجمع السكني لمنجم الفحم، ليست هذه هي المرة الأولى، لكن البلدية مصممة على التنفيذ هذه المرة، والمقبرة التي سيرفض أصحابها نقلها سيتم تسويتها بالأرض حيث سيتم إنشاء طريق جديد، وحتى رئيس المنجم لم يستطع وقف تنفيذ القرار هذه المرة وقام بنقل رفات أبيه، ومن ثم بدأ الآخرون في نقل مقابرهم.

السيدة والدة “بينغ جاو” يصدمها الخبر، فكيف تنقل رفات زوجها من مقبرته وهي تعلم أن المقبرة خالية؟! لحوالي ثلاثين عاما تأتي هي وابنتها إلى المقبرة لزيارة زوجها، ولا تجرؤ أن تخبر ابنتها بالحقيقة، وهي نفسها لا تعرف الحقيقة كاملة، كان زوجها يعمل مهندسا في المنجم، انهار المنجم على العاملين فيه، مات الجميع إلا الطبيب “تشيان” الذي فقد ذراعا وأصيب بعرج في قدمه، فابتعد الناس عنه تشاؤما من ذلك العائد من الموت، فأصبح حارسا للمقابر.

المشكلة أنهم لم يعثروا على جثة والد “بينغ جاو”، وكانت زوجته تصرخ في صاحب المنجم: “إذا كان حيا يجب أن أراه، وإذا كان ميتا يجب أن أرى جثته، هل أرواح الناس لا تساوي شيئا عندكم؟ أعد لي زوجى” ص17.

لكن زوجها لم يعد، وجثته لم تظهر، فاضطرت للرضوخ باعتباره شهيدا تحت الأنقاض حتى تحصل على معاش لها ولابنتها.

ظلت السيدة معذبة بعدم معرفتها هل مات زوجها أم هجرها هي وابنتها واختفى؟ والآن لا تعرف كيف تواجه ابنتها بالحقيقة. السيدة تزور القبر، تتفاعل مع عناصر الطبيعة، تفكر في نفسها، وتتحدث مع “تشيان” عن أفكار الموت والحياة والحقيقة الغامضة وفعل الزمن، تصل إلى حقيقة أنه “لا راحة في العيش، ولا طمأنينة بعد الموت” ص28، وعندما تنقل جارتها السيدة “وانغ” عظام ابنها من قبره تصاب بلوثة تجعلها تعد العظام، ثم تصرخ بأن هناك عظمة ناقصة، وتجري تطاردها في الهواء حتى تمسك بها، فتحلم أم “بينغ جاو” بأنها ترى عظام كل الأموات تركض، وتصحو مطمئنة بأن هذا مآل الجميع، ويتساوى عندها غياب الزوج بالرحيل أو الموت.

تجيد الكاتبة رسم الحالة النفسية القلقة للسيدة أم “بينغ جاو” من خلال رسم ما يعتري جسدها وملامحها والطبيعة من حولها وما يدور بداخلها، فالخارج يؤثر على الداخل؛ كأفكار ومشاعر، والداخل يرتبط بالخارج، والزمن يسير لا يعبأ بالبشر، لكنه في لحظة يمكن أن ينقض حاملا كل الهواجس والآلام التي عرفها الإنسان في عمره كله، ولا طمأنينة إلا في الاستسلام لفكرة وجود قوة أكبر من الجميع تسوق الجميع إلى أقدارهم.

• سجادة رقص ماريا

بشكل ما يمكن اعتبار هذه القصة “ميتا سرد”، فالراوية تدرك أنها تحكي، وتعي حالة الكتابة التي تمارسها، كما إنها تدرك أن وجود حالة كتابة تعني توجه الكاتب إلى قارئ ما بغرض اكتساب تعاطفه، أو كأنه قاضٍ تعترف أمامه لعله يغفر ذنبها، كما إنها تعي ماهية اللغة التي تكتب بها، الراوية تحكي عن ماريا التي كانت طفلة فائقة الجمال تعيش مع والديها الفقراء في عزلة عن القرية، لديها سجادة عندما ترقص عليها تصبح وكأنها إحدى عجائب الطبيعة، الراوية “يوان جين” هي الطفلة الوحيدة التي أصبحت صديقة لماريا، تدخلان كلية الفنون معا، ثم تتفرق بهما السبل، وبعد عشرين عاما تلتقيان، تستعيد “يوان جين” قصة حبها العميق لماريا، وتدخل في صراع ضد زوج ماريا “أى شا” تاجر السجاد المتغطرس، لكن بعد انتهاء معرض السجاد المقام في المدينة التي تسكنها “يوان جين” تغادر ماريا مع زوجها، تكتب “يوان جين” قصتها مع ماريا بوعي يريد أن يتطهر، بلغة اعترافية، لذا كان من المناسب أن تروي القصة بضمبر المتكلم إذ لا يمكن أن يعترف أحد بالنيابة عن آخر “أتمنى أن يحملوا هذا السر إلى كل بلدان العالم ليعرفه الناس، ويغضبوا، ويوبخوني، أو يتعجبوا، مهما كانت ردة الفعل، فستجعلني أشعر بالراحة كحمل ثقيل أزيح عن ظهري.

لكن هذا السر الوحيد الذي لا أجرؤ على إخباره لماريا” ص65، فقد سرقت “يوان جين” سجادة ماريا قبل سفرها في بعثة لأوروبا لاستكمال تعليمها الرقص، وحاولت حرقها، ثم أطفأتها قبل أن تحترق بالكامل واحتفظت بها، وربما هذا ما غير مجرى حياة ماريا وجعلها تبتعد عن الرقص “لم يحزنني شيء أكثر من حزني على فقدان هذه السجادة. لقد نسجتها والدتي بنفسها، وصوف هذه السجادة قد غزلته والدتي بيديها، إنه صوف أربعة خراف، ربيناها لمدة ثلاث سنوات، كان والدي يعتنى بهذه الخراف، ويقطع الكثير من البرسيم لوحده في الخريف حتى يطعمهم، وإلا فسوف لن تكون لهم القدرة على مقاومة برد الشتاء” ص59.

القصة دراسة فنية في الحب العميق الذي يحمل بذرة غيرة وتملك قد تصل في لحظة إلى كراهية مدمرة تتحول بعد ذلك إلى مزيد من الحب مع شعور أعمق بالذنب، والقصة تعتمد في صياغتها على التشبيه والاستعارة التصويرية وتجسيد المشاعر بشكل شعري، فربما كانت هذه هي الطريقة المثلى لوصف المشاعر ذات ألوان الطيف المتباينة، وطبقات الوعي المتعددة، وربما لأن علاقة “يوان جين” بماريا وأهلها جعلها تكتشف ما في اللغة من إمكانات وطاقات لا تعرفها لغة التعبير المعتادة “إن طريقة كلامنا تحول الأشياء إلى قطع صلبة لا يمكن تشكيلها إلى أى شيء آخر مرة أخرى، أما جمل وعبارات والد ماريا فكانت مرتبة منظمة، تجعل الأشياء كورود متفتحة، أو كمتاهة ممتدة على مدى البصر، إن هذا شيء لا يمكن تصوره، ولم يكن في مقدورنا أن نحاكيه، استولت عليّ طريقة سرده كالسُكْر، وانجذبت تماما إلى صوته. كانت اللغة الصينية على لسانه كقطعة طعام ساخنة، يجب أن تتدحرج حتى تصل إلى بلعومه، إنه لأمر شيق وممتع حقا هذه العبارات المرتبة المنظمة، تشبه “التوفو” المقلي يتقافز بمرح داخل فمه “ص42، وكما علاقة الحب يبدو السرد متداخلا بلا ترتيب زمني معتمدا على تداعي المشاعر قبل تداعي الأفكار والمعاني.

• اللؤلؤ

في لحظة يضطر المرء لأن يعيد النظر في حياته وقراراته كلها، خصوصا إذا تقاطعت حياته في تلك اللحظة مع آخر يحمل صفات مختلفة أو مناقضة لصفات شخصيته، لذلك كان من المناسب أن تروى هذه القصة بضمير المتكلم، فالأخت الصغرى تعيد مراجعة كل حياتها بمناسبة زيارة أختها الكبرى لها، أختها القادمة من المدينة والنجاح والثراء لتبحث عن ذاتها، عن الهدوء والسكينة في الجزيرة الصغيرة المنعزلة التي يعمل أهلها بصيد اللؤلؤ، تبدو الجزيرة مكانا هادئا ساكنا راضيا قانعا كالراوية نفسها، لكن مع تقدم السرد نكتشف كم الصراعات الخفية مع الزمن ومع الآخرين، ومع أفكار الراوية التي تعيد تقييمها بينها وبين نفسها.

إنها طوال الوقت تحلل شخصية أختها الكبرى الضيفة، تنتقدها بطرف خفي، وتحاول توجيهها بطريقة أو بأخرى، لكن هذا الفعل ذاته يلقي الضوء على شخصيتها هي، كم هي ضعيفة غير قادرة على اتخاذ قرار مغادرة الجزيرة، وهي من الضعف بحيث لا تواجه نفسها بشكل مباشر بل من خلال هذا التحليل لشخصية أختها، هي تكد وتكدح من أجل اللؤلؤ لكنها في النهاية مثل المحار الذي يحتضن اللؤلؤ فينمو بداخله ثم يغادره من دون أن يقدم له شيئا، وهي تؤمن كباقي أهل الجزيرة، وتخشى الناس الذين تظن إنها تعيش بينهم بأمان “كنت أعتقد أن الأهالى بسطاء عاديون كهذه القرية” ص102.

أما العمة السابعة العجوز التي مات زوجها العم السابع ويبجله أهل الجزيرة بصفته حاميها فإنها الوحيدة التي تكشف خرافاتهم، وهي الوحيدة التي لا تؤمن بتلك الخرافات برغم استفادتها منها، تقول لخيال زوجها العم السابع في الكرسي الخالي الذي يتركونه له على كل الموائد ويضعون أمامه الطعام والخمر كأنه يعيش بينهم: “إنك شخص ميت، لماذا تريد أن تستحوذ على مكان الأحياء؟ إنهم يريدون أن يجلسوا بجانبك، ويصبوا لك الخمر، ويشعلوا لك السجائر، إنهم يمجدونك، ويريدون منك أن تساعدهم في أن يصبحوا أغنياء، وإذا طال الوقت واكتشفوا أنك لن تستطيع مساعدتهم، سيقومون على الأرجح بسبك وشتمك، ويديرون ظهرهم إليك” ص98.

تتغير راوية القصة تدريجيا بإعادة النظر في كل تفاصيل حياتها، وأختها الكبرى تتغير تدريجيا بمعايشتها لحياة عكس الحياة التي عاشتها طوال عمرها، وكأن كلا منهما كانت تحتاج أن ترى الأخرى لتدرك ما ينقصها، وما تحتاجه لتجعل حياتها أكثر اتساقا وإنسانية، لكن الأهم أن القارئ الذي لا يريد أن تنتهى القصة لأنه أصبح واحدا من شخوصها هو نفسه يبدأ في التغير تدريجيا لعمق المشاعر والأفكار التي تعرضها وتحللها القصة، ولأنها تعرضها ببساطة ربة بيت تعيش في جزيرة منعزلة، وتعمل في زراعة اللؤلؤ، وتصف كل شيء متوسلة بما تراه وتلمسه في حياتها اليومية المعتادة كأن تصف أختها وهي غاضبة “كانت أختي تشبه الشعرية المطاطة التي لا تتوقف عن الاستطالة” ص75.

• مناجاة يوسو

معظم هذه القصة يدور في ذهن بطلها “يوسو”، ذكرياته السيئة عن أبيه وقسوته وعنفه معه ومع أمه وإخوته، كراهية كل فرد من أفراد هذه الأسرة للآخر وللحياة، وعدم قدرة أي منهم على التواصل لأنه “في هذا البيت، يعتبر الحديث في معظم الأوقات نوعا من إظهار الضعف” ص127.

زمن القصة لا يستغرق نصف يوم، ويدور الحكي في دائرة زمنية مغلقة تبدأ بوقوف “يوسو” وزوجته وابنه في موقف الأوتوبيس ينتظرونه للذهاب لزيارة والديه، وتنتهى على محطة الأوتوبيس بعد انفجار “يوسو” في أبيه ومغادرته لبيت الأسرة غاضبا، ولحاق أمه به على المحطة. وكأن شكل الدائرة المغلقة التي اختارته الكاتبة للقصة يعبر عن الاجترار الدائم والمغلق والذي لا أمل في كسره لذكريات “يوسو” ومناجاته لنفسه، ويعبر أيضا عن الحياة المغلقة، القمقم الذي أصبح هو “يوسو” نفسه بسبب قسوة وعنف أبيه معه منذ الصغر، حيث إنه بدون أن يدري تحول إلى نسخة أخرى من أبيه، وإن تكن نسخة ذات ضمير ما، فإن كان أبوه يعتبر أمور الأسرة ليست من شأنه فإن “يوسو” مهتم، لكنه يتعامل بعنف مع زوجته وابنه كما كان أبوه يتعامل، وإن يكن بعنف أقل، وبمحاولة حقيقية للسيطرة على النفس.

الأم هي المكافحة التي أفنت حياتها في خدمة هذه الأسرة ثم اكتشفت أنها ربت مجموعة من الوحوش لا يقلون ضراوة عن أبيهم الذي كان دائم الضرب لها، هذه الأم الطيبة هي النور الوحيد في ظلام ذكريات وحياة “يوسو”، حتى إنه يفقد القدرة الفيزيقية على رؤيتها في المواقف المحزنة والمخجلة، مما يجعله يصبح أقل حزنا وخجلا “لعل والدته عندما تختفي تحذره من غضبه، وألمه وخجله، ولا يوجد غير والدته التي تستطيع أن تخبره بسرعة بما يفكر فيه وبما يفعله، وأن تجعله يسيطر على هذا الغضب والألم والخجل” ص126.

ويأتي الحوار بين “يوسو” وأمه في نهاية القصة وكأنه صرخة ودعوة وأمنية في الوقت نفسه، صرخة ضد الاستسلام طوال هذا العمر لهذه الحياة غير الإنسانية، ودعوة للحرية والانعتاق من تلك الحياة البائسة، وأمنية يوجهها “يوسو” لنفسه قبل أن يوجهها لأمه بأن يبدأ حياة جديدة ولا يظل ضائعا في ذكرياته المُرة، وتبرع الكاتبة بأن تترك السطر الأخير بلا إجابة، وكأنها تنتظر ما ستفعله الأم أو “يوسو”، أو ما سيفعله القارئ ذاته “يا أمي هل ذهبت من قبل إلى مكان بعيد؟”

“لم أذهب من قبل، لكن يمكنني الذهاب”

“إذن لماذا لا تذهبين؟”

(…..) ص134

• الخريف القاسي

وعلى عكس القصة السابقة تقدم لنا الكاتبة هنا أسرة فقيرة وبسيطة أيضا لكنها تعيش على الحب العميق بين أفرادها. وهي القصة الوحيدة في المجموعة التي تحكى عن شخصيات مسلمة بوضوح، فمريم الفتاة الجميلة المشهورة في القرية باسم “الفتاة الصالحة” تقرر الذهاب إلى الدراسة خارج القرية في معهد اللغة العربية لتدرس اللغة العربية والقرآن، ولتعود لتعلم فتيات القرية اللائي لم يكملن تعليمهن، فقدت أباها وهي في العاشرة، لكن الأم بصلابتها ومحبتها لمريم ولابنها الأكبر استطاعت أن تعبر بهما إلى شاطيء الأمان، ليلتحق ابنها بكلية الصيدلة التي حلم بها، لكن الفقر والمرض كانا للأسرة بالمرصاد، فتعود مريم قبل أن تكمل دراستها، ويصاب الابن بسرطان الدم، ويعود إلى القرية مريضا يوشك على الموت، لا تملك الأسرة ما تعالجه به سوى الوصفات الشعبية، حتى إن الأم تطحن “جنينا عمره ثلاثة شهور لإحدى الأمهات، وكانت هذه إحدى الوصفات الشعبية التي سعت والدتها لمعرفتها بعد كثير من المشقات حتى تشفى ابنها “ص149، فحتى الحب يمكن أن يكون طريقا إلى القسوة، وحتى تقرر مريم أن تمنح نفسها للشاب الثري سليمان التي لا تحبه، والذي يهابها لأنها أكثر منه تعليما، وذلك لتحصل على المال لتعالج أخاها، فالحياة لا ترحم من يكرهون بعضهم البعض كأسرة “يوسو”، ولا ترحم من يحبون بعضهم البعض كأسرة “مريم”، وكأن على الجميع أن يستسلم للحكمة التي وصلت إليها أم “بينغ جاو” في القصة الأولى “لا راحة في العيش، ولا طمأنينة بعد الموت” ص28.

• أنشودة الجوز

تبدو هذه القصة كأنشودة حب طويلة، أنشودة في حب الطبيعة وعمقها وجمالها والتوحد معها بعيدا عن الناس وأطماعهم وضوضاء حياتهم، لذلك ترويها الكاتبة بضمير المتكلم، فلا يتكلم عن العشق أحد كما العاشق نفسه. فالفتاة الراوية في بدايات الشباب تقول: “دائما ما كنت أعتقد وأنا صغيرة أن هناك شخصا يسكن ثمرة الجوز. والآن أسفل التلة، وخارج منزلنا، تمتد مساحة واسعة من الحشائش البرية، بها بضعة أشجار جوز هرمة” ص156.

تلاحظ هذه الأشجار، وتتأمل تغيرات الطبيعة يوما بعد يوم، وشهرا بعد آخر، وأثرها عليها، أثر ضوء الشمس ودفء الخريف وبرودة الشتاء وقطرات الندى، والفتاة تحاول ألا تغضب والديها، لكنهما في حالة غضب دائم منها، فأصوات الطبيعة تأخذها من حفلات الرقص التي تدفعها إليها أمها لتجد لها زوجا بلا جدوى، وتأخذها من جدول الحسابات التي يضغط عليها أبوها لتحفظه لكي تعمل على الآلة الكاتبة في مصنع الورق، لكنها لا تستطيع حفظه، فهي تكره صخب الحفلات “وانكشف وجه السماء الزرقاء الصافية من بين الغيوم الرمادية، لكنها سرعان ما اختفت، مقارنة بحلبة الرقص المزدحمة، فإن هذا التقلب السحري أنقى وأعمق، جدول الماء المتدفق عبر صخور التلة، يصدر صوت مناجاة أبدية، الطحالب الناعمة التي تتسلق الصخور سنة تلو الأخرى، وتترك آثارًا عميقة لا يمكن لأحد أن يفك شفرتها” ص174.

وتكره مصنع الورق الذي يلوث الطبيعة، ويلوث فطرة من يعلمون به “فهم تعودوا على الرائحة الكريهة التي تنبعث من إحدى منبسطات التلة الخضراء عند هبوب الرياح الشمالية، هذه الرائحة هي المياه السوداء الملوثة التي يصرفها المصنع، وعلى الرغم من أنهم يدركون أن هذه التلة قد تغير لونها، وأصبحت جافة بورا كأحلامهم، إلا أنهم ما زالوا يظهرون تشابها عجيبا، يستخدمون نوعا من الروح المتفائلة، ويعلقون سعادتهم ومستقبلهم على هذه الأوراق البيضاء” ص170-171، وتسخر من مصير الفتيات اللاتي تعملن على الآلة الكاتبة “كل ضاربة على الآلة الكاتبة في الماضي قد حظيت بنهاية سعيدة، فإما أنها تزوجت بابن صاحب المصنع، أو قضت أياما سعيدة مريحة مع أحد المنتجين البارزين، ومهما حدث في المستقبل فلا يمكن لأحد أن يظن أن هذه نوعا من السعادة السطحية المحدودة؛ ذلك لأن جميع الأجيال التي عاشت هنا توالدت وماتت بهذا الشكل” ص171-172.

في الليل تسمع أنشودة صادرة من شجرة الجوز، أنشودة جميلة ساحرة، وتقابل رجلا مشى كثيرا وبحث طويلا عن الأنشودة، هما فقط من يستطيع سماعها، لكنها في لحظة ضيق تطرده حين تشعر أن والديها يضيقان الخناق عليها، وأن أخاها الأصغر يتجسس عليها ليخبرهما بما تفعله في الليل، ثم تعود إلى نفسها، تتسامى، وتسمو بروحها ووحدتها، وتتحد بالطبيعة لتصبح جزءاً منها “بعد أن غادر الشخص الغريب، اضطرب الجو في جميع الأرجاء، سكون الليل، الرياح التي لا أدري في أي وقت هبت، وأصدرت صوت حفيف، كأصوات الخريف المتمايلة. طرقت على باب ثمرة الجوز، وبعد هبوب رياح عنيفة، كان العفريت الصغير قد وثب بهدوء بالفعل داخل حضني، وفي اللحظة نفسها، تصاعد صوت الأنشودة ببطء، وكأنها قادمة من مكان عميق، تأتي من بعيد وتقترب ناحيتي، وتنطبع على جسدى بأكلمه كخيوط الضوء” ص177-178.

• اللعبة

تعيش الراوية المريضة بالارتياب في عالم من صنعها، أكاذيب كثيرة محبوكة تصنع تاريخها وحياتها وعلاقاتها، لكن زوجها المحب لها بشدة “يان مى” يرفض قرار الطبيب المعالج بأن تدخل مستشفى الأمراض العقلية، ويتعارك معه، لكنها تقنع زوجها بأن تدخل مصحة.

في المصحة تجد عالما آخر “كان المرضى ينعمون بالفرحة والبهجة داخل المصحة، ويحترمون بعضهم البعض، ولم أشتَق إلى المنزل على الإطلاق، ولم أشتَق إلى يان مي أيضا” ص183، وذلك في مقابل العالم الخارجي الذي “به من الحوادث الكثيرة التي لا يمكنك تصورها، الناس بعيدون عن بعضهم البعض، ليسوا ودودين، ولا يثقون ببعضهم البعض، وإذا ما أصابك المرض فسيتجنبك الجميع، وسيخافون منك، ولن يرغب أحد بمساعدتك” ص199، لكنها مع الوقت تشعر بالارتياب، فلا يمكن أن يكون كل هذا الجمال والهدوء والمحبة حقيقيا “استبدت بى شكوك وريبة حول المصحة أيضا، في البدء لم ألاحظ كل ذلك، اهتمامها بنا بكل وسيلة ممكنة، وتكتمها الغريب حول ترتيب وتنظيم الغرف، ورائحة حديقتها العطرة التي تسحر المرء، كل ذلك أربك كل مريض، لقد نسينا أحباءنا، ونشعر بالسعادة لدرجة أننا لا نسأل عن شيء، كحملان وديعة مطيعة تقبع في قفص جميل” ص193-194، وعندما تأتيها فرصة المشاركة في مسابقة لعبة الداما والتي لو كسبتها تبقى بقية حياتها في المصحة ترفض الفرصة التي قدمها لها صبي صغير أمضى سبع سنوات في المستشفى ويريد أن يرى العالم الخارجي، يعرض أن يمنحها سر الفوز الذي أبقاه كل هذه المدة ليخسر أمامها ويخرج وتبقى هي، لكنها لا تشارك في المسابقة إذ كانت تسأل سؤالا وجوديا “أهدوء المصحة الحقيقي، أم الهلوسة الحلوة خارج المصحة، أيهما تكمن فيه السعادة الحقيقية؟” ص205، فتأخذ قرارها بالخروج برغم إنها تعرف ما ينتظرها “لا أريد أن أذهب إلى أي جنة أو أرض سعادة، وهذا العالم الخارجي الذي يبعث في المرء شعور الحزن واليأس، وعلى الرغم من أنه يحمل الكثير من الآلام، إلا أنه دائما ما يجعلني ألمس حقيقته وصدقه، ويجعلني أشعر بوجودي” ص206.

إنها قصة التوق للحرية، للحياة الحقيقية بكل ما فيها من جمال وقبح وسعادة وألم وحقيقة وكذب، إلى عالم حقيقي غير مصنوع، عالم يكون الإنسان فيه هو ذاته ولا يفقد إنسانيته مقابل أي شيء حتى ولو كان هذا المقابل الذي يحصل عليها هو راحة وطمأنينة وهدوء أكثر، والكاتبة تعي أن هذه الصرخة لا تخصها وحدها بل تخص كل قارئ، فتوجه الحديث إلى القارئ من وقت لآخر ليكون مشاركا في القصة وليس مجرد متفرج عليها، والقصة التي تبدأ بجملة “حديقة كبيرة هي المصحة” ص179، وتنتهى بجملة “كأنني على وشك الدخول إلى ضياء شاحب” ص207، كأنها تلخص رحلة الإنسان الذي يرفض الجنة ويقتحم عباب الحياة الغامضة فقط ليعثر على جوهر إنسانيته؛ الحرية وإن كانت مضمخة بالألم.

• قصر في الهواء

المخاوف العميقة بداخل النفس الإنسانية هي موضوع هذه القصة، لذا كان مناسبا أن تروي بضمير المتكلم، حيث لا يستطيع التعبير عن عمق وقوة وقسوة تلك المشاعر سوى من يقبض على جمرها بروحه. فالشابة “شياو مى” التي تعيش مع أبيها النجار وحيدين في غابة، ولا تمتلك شجاعة أن تغادر إلى المدينة مع خطيبها، تتجسد لها مخاوفها في قط تسمية العفريت الأسود، لا يكتفي هذا القط/العفريت/ المخاوف بما تعانيه “شياو مى” من وحدة وحزن وفقدان الأمل، بل يأخذها رويدا رويدا لتنكمش وتتقوقع بداخل ذاتها أكثر، وتبتعد حتى عن الغابة وعن أبيها، حيث تقنع أباها بأن يبني لها حجرة في قمة خالية بين شجرتي صنوبر ميتتين، تصبح الحجرة بمثابة المنفى الاختيارى لها، القوقعة التي ينفرد بها فيها العفريت الأسود حتى إنها لا تستطيع أن ترد على أبيها عندما يناديها لتناول الطعام خوفا من العفريت الأسود “ظل أبي أسفل الشجرة ينادي عليّ، وكل نداء منه حاد كالسكين يوخز قلبي، أما أنا فلا أستطيع أن أرد عليه، فالعفريت الأسود لا يسمح لي بذلك، أنا أعرف، إذا ما فتحت الباب، سينقض العفريت الأسود عليّ، ويخدش وجهي، في تلك اللحظة أمسكت رأسى بقوة، وحاولت بكل جهدي أن أعصف بفكرة العفريت الأسود لأنني لا أستطيع أن أضربه أو أنازله على الإطلاق” ص237، لكنها عندما تهدأ تدرك أن تلك المخاوف/ العفريت ليست بالقوة التي تظنها:

“كانت نظرته التي يتطلع بها إليّ مليئة بحزن لا متناهٍ، بائسة، وكأنه شبح وحيد بلا أنيس وسط البراري” ص237، وكأنها لا تصف مخاوفها فقط، بل تصف نفسها وكل حياتها التي بلا جدوى ولا أمل، حيث تصبح في درجة من الضعف تجعلها غير قادرة حتى على مجرد الإشارة إلى إنها يمكن أن تفعل شيئا للخروج من هذه الحالة.

وكأن حالة “شياو مى” هي حالة خاصة تشير إلى حالة عامة يمكن أن يتماس معها القارئ، فالاستسلام للمخاوف الخارجية أو للضعف الداخلي يجعل الأولى تتضخم والثاني يزداد، حتى يقع المرء في قبضة من العنف والقسوة لا فكاك منها، ذلك لأنه استسلم منذ البداية ولم يقاوم كما يجب، وكأنها دعوة غير مباشرة للقارئ الذي يرفض أن يتماهى مع البطلة لكي يفعل ما لم تفعله، يقاوم أي قوى تحاول أن تسلبه روحه أو حريته، وهي الفكرة الأساسية التي تدور حولها كل قصص المجموعة.

ولن أمل الإشارة إلى كثرة الأخطاء الإملائية والنحوية في الكتب المطبوعة بالعربية مثل هذا الكتاب “العظام الراكضة” أو غيره، فرجاء الاهتمام بمزيد من التدقيق والمراجعة.

(ميدل ايست اونلاين)

شاهد أيضاً

عن النصوص الزجاجية في ”مذ لم أمت“ ل ”رامي العاشق“

-نيرمينة الرفاعي-   ”الزجاج محاولة الجدار لإفشاء السر“، يقول العاشق في الصفحة 24، وبنصوص زجاجية تفشي …