الرئيسية / إضاءات / سمير صنبر عن «الأمم المتحدة»: عالم من دون قادة

سمير صنبر عن «الأمم المتحدة»: عالم من دون قادة

سليم نصار

عندما دعاني المهندس نعمة طعمة الى العشاء في منزله اللندني، لم أكن أتوقع أن أرى أول زميل عرفته أثناء انضمامي الى أسرة «دار الصياد».
وأذكر جيداً أن تلك التجربة الصحافية كانت بمثابة أول معمودية في «مهنة البحث عن المتاعب» بإشراف المغفور له الأستاذ سعيد فريحة… وأن الزميل سمير صنبر سرعان ما تحول الى صديق في عالم المهنة، وفي خارجها حيث تأتي به طموحاته ليستقر مدة 33 سنة في منظمة الأمم المتحدة.
وبسبب تغيبه عن بيروت، واتساع مسافة التواصل، حرصت على أن أكون بين أول الضيوف المرحبين بالصديق سمير. ولكنني فوجئت بتجمع صبايا ارتيريات عند مدخل المنزل، وقد حملن كاميرات تصوير.
وقبل أن أستفسر من تيريز طعمة عن غاية هذا التجمع أخبرتني أن الجالية الارترية في لندن أعربت عن رغبتها في الترحيب بضيفنا، كونه ساهم في تنظيم حملة الإعداد لإقرار إعلان استقرار دولة ارتيريا.
بعد التقاط الصور التذكارية مع سمير، وإعلامه بأن هذه اللقطات ستنشر في صحيفة «البلاد» كعربون شكر ووفاء على ما فعله من أجل إنهاء الانتداب الإثيوبي، ومنح ارتريا الحق في السيادة والاستقلال ضمن حدود جغرافية معينة.
بعد انصرافهن، روى لنا ضيف السهرة بعض الطرائف المتعلقة بدور المرأة في تلك البلاد، وإصرارها على تأكيد شخصيتها الفاعلة في ذلك المجتمع البدائي.
قال إنه كان يتحدث الى شخصية بريطانية في أحد شوارع العاصمة «اسمرا»، عندما تقدمت منهما سيدة مجهولة، وطلبت مقابلته على انفراد.
ويبدو أن البريطاني اغتاظ من جرأتها، بدليل أنه سألها، بلهجة تحقير، عما إذا كانت تعمل خادمة في أحد الفنادق! وعلى الفور أجابته بغضب ونفور: ماذا تقول؟ أنا وزيرة العدل في الحكومة الانتقالية. وعليك أن تتذكرني جيداً لأنني كنت قائدة في «جيش المقاومة الشعبية».
وعلق سمير على هذه الواقعة بالقول: إن الشعب المتشوق لممارسة الحرية والاستقلال ساعده كثيراً على تحقيق مهمته، وذلك من طريق التجاوب مع إرشاداته الإدارية وتنفيذ توصياته.
وذكرت هذه الواقعة عن سمير صنبر الديبلوماسي لأبيّن أهمية دوره كصحافي محترف عرف كيف يخدم القضايا العادلة. وربما منحته خلفيته الفلسطينية رؤية ثاقبة لمعالجة المعاناة التي خبِرها الشعب الذي ينتمي اليه. كذلك ورث عن والده حبيب صنبر ميزة الطبع الهادئ وميزان الاتزان.
وبسبب هذه الصفات، كلفته الخارجية اللبنانية القيام بمهمة القنصل الفخري في مدينة حيفا. ولما نزح حبيب الى بيروت مع عائلته بعد حرب 1948، توجه الى مبنى الخارجية في الأشرفية ليسلم الوزير فيليب تقلا آخر حصيلة معاملات القنصلية. ويقول الوزير تقلا إنه رفض في بداية الأمر استلام المبلغ لأن الحرب في فلسطين قطعت كل وسائل التعامل. ولكن القنصل حبيب صنبر امتنع عن الاحتفاظ بقرش واحد من مال لا يخصه.
وفي ضوء تلك المعايير الأخلاقية، نشأ سمير صنبر ليكون قدوة في «مهنة البحث عن المتاعب».
حمل معه هذه السيرة الحسنة الى «دار الصياد» والى جريدة «الجريدة»، حيث كان يعمل قبل انتقاله الى مكتب الأمم المتحدة في بيروت، ومن ثم الى المكتب المركزي في نيويورك.
ومن المؤكد أن حبه لمهنته فتح أمامه باب الصداقة والثقة من مختلف شرائح المجتمع السياسي اللبناني، وفي طليعتهم تقي الدين بك الصلح ومنح بك (ألف رحمات الله عليهما).
وحدث قبل انتقال الرئيس فؤاد شهاب الى مجلس النواب لإلقاء خطاب القسَم، أن نشر سمير في «الصياد» الفقرة الأولى من الخطاب المعدّ للإلقاء بعد أسبوع. وغضب فؤاد شهاب، ثم طلب من رئيس غرفة الرئاسة الجنرال أحمد الحاج إجراء تحقيق مع سمير بغرض اكتشاف الشخصية التي زودته بهذه المعلومة.
وعلى امتداد ساعة كاملة، رفض سمير إفشاء السر، الأمر الذي اضطر الرئيس شهاب الى استبدال مقدمة خطابه بمقدمة أخرى.
رويت هذه الطرائف عن شخصية سمير صنبر بحيث يدرك القارئ شيئاً عن ماضيه المهني، وكيف كان ينظر الى الأمور من الأعلى. وقد ساعدته هذه الأناقة الإعلامية – إن كان في مكتب الأمم المتحدة في بيروت أم في نيويورك – على كسب صداقة شخصيات عالمية من طراز: رئيس وزراء كندا بيار ترودو، وصاحب الحنجرة الذهبية بافاروتي، إضافة الى خمسة أمناء عامين تعاملوا معه بكثير من الثقة والاحترام هم: يو ثانت، وكورت فالدهايم، وخافير ديكويلار وبطرس غالي وكوفي انان.
وتدليلاً على أهمية المكتب الإعلامي الذي كان يشغله سمير صنبر كمساعد للأمين العام، نذكر أن بطرس غالي استقبل الزعيم الأسطورة نيلسون مانديلا في الأمم المتحدة. وقبل أن يلقي خطابه أمام الجمعية العامة حرص غالي على تقديمه الى سمير في مكتبه، مع إضافة عبارة تقدير خلاصتها: من هذا المكتب انطلقت حملة محاربة النظام العنصري في دولة جنوب افريقيا «ابارتهيد». وصافحه مانديلا شاكراً على التعاون الذي أنتج السلام والاستقرار، باعتبارهما الميزتين اللتين أنشئت منظمة الأمم المتحدة من أجلهما.
ولكن، هل نجحت آلية هذه المنظمة في منع الحروب، وتطوير دول العالم الثالث، وخلق عالم أفضل من العالم الذي حكمته قوانين عصبة الأمم؟
على هذه الأسئلة وسواها يجيب المؤلف سمير صنبر، في كتابه الصادر بالانكليزية تحت عنوان: «داخل الأمم المتحدة… عالم من دون قادة.» وهو كتاب موسوعي يقع في 475 صفحة، تولت طباعته شركة امازون. ويعمل المؤلف حالياً على إصداره باللغة العربية.

(الحياة)

شاهد أيضاً

فكتور هوجو .. الفرنسي الذي وجد الجمال في كل شيء

خاص   (الجسرة)   أديب وشاعر وروائي فرنسي (1802-1885)، ولد في بيسانسون في إقليم دوبس شرقي …