الرئيسية / مقالات / والأرض تورثُ كاللغة

والأرض تورثُ كاللغة

كاميليا سليمان

عندما يُناقش الشأن الفلسطيني، كثيراً ما يتم التغاضي عن البعد اللغوي، خاصةً ما يحدث بالنسبة لعرب الداخل، الذين يشكلّون حوالي 20٪ من مواطني إسرائيل في حدود 1949. ولكن اللغة العربية والحيز الذي تشغله، أو قد لا تشغله، لا يقل أهمية عن الصراع حول الأرض، إذ أقر الكنيست الإسرائيلي في القراءة الأولى مشروع قانون يشدد على أهمية إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية، في أيار/مايو هذه السنة.
أحد بنود هذا القانون هو إلغاء اللغة العربية كلغة رسمية في البلاد. اللغة العربية هي لغة رسمية منذ سنة 1922، أي منذ زمن الانتداب البريطاني على فلسطين. عملت الحكومة الإسرائيلية على إبقاء هذا القانون عقب النكبة، إذ أصبحت اللغتان العبرية والعربية اللغتين الرسميتين للبلاد، طبعاً مع أولوية اللغة العبرية.
في التسعينيات من القرن المنصرم، ومع الانفتاح النسبي للمجتمع الإسرائيلي بما يتعلق بموضوع النكبة (حسب أقوال المؤرخ إيلان بابه)، طلبت المنظمة الحقوقية «عدالة» من المحكمة العليا في إسرائيل أن تقر بوجوب وضع اللغة العربية على لافتات الطرق الرئيسية في البلاد، وفي المدن المختلطة. المحكمة العليا برئاسة القاضي إبراهام باراك وافقت على الطلب. لكن هذا القاضي اليساري لم يوافق عليه من منطلق الاعتراف بفلسطينيي الداخل كأقلية قومية، إنما من منطلق حقوق الإنسان، التي تنبع من كون الدولة يهودية وديمقراطية في آن. هذا القاضي لم يقر بقرار مشابه بالنسبه للغة الروسية، التي يشكل متحدثوها تقريباً عدد المتحدثين باللغة العربية، بحجة أن اللغة العربية هي لغة أصلية في البلاد (لتوضيح أهمية هذين القرارين، إقرأ مقالة أيلي صابان ومحمد أمارة 2002 حيث يشرح الباحثان هذه النقاط بإسهاب، بل يحذران من المصير القاتم الذي ينتظر مستقبل اللغة العربية، لأن رسميتها تأتي فقط من قانون عادي وليس من أي دستور كان).
غني عن القول إن الغالبية العظمى لعرب الداخل تتقن اللغة العبرية، لأن الدراسات الجامعية وسوق العمل يعتمدان بشكل كلي على اللغة العبرية. نتيجة لذلك يفضل الشباب العرب الابتعاد عن أي تخصص باللغة العربية، منذ المرحلة الثانوية (مع أن لغة التدريس في المدارس الحكومية للعرب هي اللغة العربية، وأما اللغتان العبرية والإنكليزية فهما تدرسان كلغتين أجنبيتين).
في واقع الأمر عندما يُطلب من الطالب العربي أن يُعرّف الحيز الذي تشغله هاتان اللغتان، يجيب بأن اللغة العبرية هي لغة ثانية وليست لغة أجنبية (حسب استطلاعات رأي قام بها الباحثان محمد أمارة وبرنارد سبولسكي، منذ التسعينيات).
في كتابي الذي صدر مؤخراً من قبل دار نشر جامعة أدنبرة حول السياسة اللغوية العربية في إسرائيل وتحليلاتها الاجتماعية، تطرقت إلى عملية اضمحلال حيز اللغة العربية، حتى بالنسبة لأبنائها من عرب الداخل. الكتاب يتطرق إلى هذه المواضيع: فلسطين ما قبل النكبة ودورها في النهضة العربية، الاستشراق الإسرائيلي وتأثيرة على النظرة الاجتماعية والسياسية للغة العربية، مشروع عزمي بشارة الفكري وأسباب فشله، قراءة في الحيز العام للغة العربية، تأثير العبرية والإنكليزية على اللهجة الفلسطينية لعرب الداخل وتأثير العولمة والنيوليبرالية، قراءة في كتابات ساسون سوميخ، أنطون شماس وسيد قشوع، وتحليل الأسباب الاجتماعية والسياسية التي أدت بهم، كلا على حدة، إلى أن يختار اللغة العبرية كلغة تعبير أدبي، وتفضيلها على العربية، رغم كونها اللغة الأم للكتاب الثلاثة، وأخيراً اختتم الكتاب بمقارنة لوضع العربية في إسرائيل، مع وضعها في الضفة وقطاع غزة والأردن، بما أنها اللغة الرسمية في الأردن وللسلطة الفلسطينية. ناهيك عن ابتعاد الشباب الفلسطيني في الداخل عن أيام النكبة وما قبل النكبة، والحياة التي كان يمثلها المجتمع الفلسطيني بأمثاله الشعبية المرتبطة بأسماء أماكن ليست موجودة الآن، وبايقاع حياة مرتبط بالأرض وما تنبت، كما أنها مرتبطة بفصول السنة. وكنت قد تناولت هذا الموضوع في ورقة علمية قدمتها مؤخرأ حول اندثار المثل الشعبي الفلسطيني والحكمة الشعبية.
الصورة التي انطبعت في ذهني بعد إنهاء أبحاثي هي، أن اللغة العربية في مأزق لا يقل في صعوبته عن المأزق الفلسطيني بحد ذاته، وأن تراجعها سريع على أرض كانت تتحدث العربية منذ أقل بقليل من سبعين سنة.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

عن النصوص الزجاجية في ”مذ لم أمت“ ل ”رامي العاشق“

-نيرمينة الرفاعي-   ”الزجاج محاولة الجدار لإفشاء السر“، يقول العاشق في الصفحة 24، وبنصوص زجاجية تفشي …