الرئيسية / حوارات / كنانة عفاش: أنا عشبة بدوية عطشى لأمطار ممتنعة

كنانة عفاش: أنا عشبة بدوية عطشى لأمطار ممتنعة

بسام الطعان

قاصة وشاعرة سورية من مدينة دمشق، تكتب بأسلوب شيق، وما يخطه قلمها يبقى في ذاكرة من يقرأه، أصدرت حتى الآن مجموعة قصصية واحدة بعنوان “على حافة الضوء” تنشر نتاجها في الصحف والدوريات المحلية والعربية.

قالت عن نفسها: من الصعوبة بمكان أن تقدم نفسك اذ قلما ننجو من طغيان الأنا ونرجسيتها أو محاولة التشدد في التواضع وكلا الحالين لا يفصح عنا بل بين بين وفي الحالين ينبغي التحايل على التقديم بحنكة.

كنانة عفاش كشاعرة وقاصة لا تنفصل عن كنانة الانسانة التي تحاول ان تحيك بكلماتها ما يجول في دخيلتها من مشاعر وأحاسيس ملونة متشاجرة أحيانا ومتصالحة بأحيان أخرى.

ما نقوله خلال القصيدة هو ما يفرضه واقع القصيدة نفسها ولا ننكر ان القصدية في كتابة القصيدة تتباين من نص للآخر نحن نقول ما يعتمل من مشاعر مكبوتة تتسرب من وجداننا الى سطح الكتابة كموقف ازاء أحداث الحياة، وبرأيي الكتابة فعل بقاء في مواجهة العدم.

فعندما تكتب لا تفكر بمقولة محددة بعينها، أنت تكتب النص بكل ما فيه من فجوات الخوف بتقلباته، بمناخاته وحماقاته ولهذا لا تنتظر من رؤاك العميقة أن تحدد منهجية معينة وتسيرها حسب ما تريد. الكتابة لا تخضع لخطط منهجية وقوانين معينة وإن كانت ملتزمة بمراعاة قواعد بعينها.

لا نستطيع إنكار مجهود الكتابة في إحداث التغيير وتلك ميزة الكتابة العظمى، قدرتها على تحريك جميع خيوط الأحداث بأصابع خفية غير مرئية الأمر أشبه بصرخة في بئر عميقة. طبعا الأمر يتفاوت من نص لآخر. ثمة نصوص هزيلة تشوه في تصوير الوقائع حسب ضيق الرؤيا وانعدامية الأفق. وبهذا يكون النص عبئا على الواقع أكثر من كونه ملما بزوايا المشهد، وهناك الكثير من النصوص التي تجيد استعمال مفاتيح معينة لأقفال بعينها، وبهذا تفتح الأبواب على مصراعيها لتدفق اللغة. كمن يستعمل كاميرا عالية الدقة والالتقاط مع محسناته الخاصة التي تتمايز من نص لآخر.

السؤال هل الأدب قادر على التغيير؟ نعم بل هو أقدر أنواع الفنون على التغيير وإلا لما كانت حتى الآن. اللغة هي المحرض الأساسي والمحرك المهم في لمس مفاصل الواقع وتصويرها برؤية أكثر انسانية.

وأضافت: باختصار نحن نكتب لنوثّق لحياة أجمل حياة داخل بنية اللغة، تفيض بالوجدان البشري وتبشر بالجمال، لا نستطيع القول بأننا نعيش عصرا غنيا للشعر، هناك تآكل واضح المعالم في المشهد العام لصورة الشعر، المسوغات لهذا الأمر كثيرة من عوائق طارئة، هناك حالة الضياع والتخبط الذاتي للشاعر نفسه وحالة عدم تنازل المتلقي وأخذه بعين الاعتبار الظروف المحيطة بالشاعر. طبعا من حق المتلقي أن يقرأ نصا بحيادية عن حالة تشرذم الشاعر، ولكن هذا لا ينكر التأثير السلبي لما يحدث على أي نوع من أنواع الفنون .

والعلاقة بيني وبين القصيادة أستطيع أن أقول إنها: مناخية تتفاوت بتفاوت مد وجزر الحالات المزاجية للقصيدة.

القصيدة تستطيع شم رائحة الجمال قبل أن نراه، تستطيع دس أصابعها في جمجمة التشوهات الخلقية للواقع قبل أن تشير إليه عيوننا المجردة، القصيدة أنثى تجمل الحياة.

وترى الشاعرة السورية كنانة عفاش أنه ربما أهم مفتاح من مفاتيح قيامة نص شعري هو التلقائية، ولهذا أجمل النصوص التي لا تضرب معك موعدا، التي لا تعطيك الوقت الكافي لأخذ الأنفاس، النص الفجائي أشبه بجلطة محمودة النتائج والخواتيم.

وتعترف بأن الشعر حالة أكثر من كونه شكلا، حالة ترصد الوجع بشكل مختلف، تجيب عن الأسئلة بطريقة استفهامية فتكون استفهاماتها جوابا .

تبقى حنكة المتلقي في كيفية التلقي، وبهذا يكون النص حالة والتلقي شكل، كلاهما يجيب على طريقته .

وهي ترى أنه بالرغم من أن الجديد لم يأخذ حيزا كافيا لتوسيع رقعة وجوده على أرضية ثابتة إلا أننا نستطيع أن نقول بأنه في طور المحاولة التي بدأت بإعطاء نتائج مثمرة إلى حد ما، بالرغم من اتساع قنوات التواصل في كافة المجالات وسلاسة انتقالية النص في دقائق معدودة إلا أن الصعوبات التي تواجه الجيل الجديد أكثر صعوبة الأمر يعود إلى ضيق الحيز الذي يتفرد فيه النص، طبعا النص المتفرد سيجد مكانه في ازدحام الأسماء، ما يؤثر أيضا هو ضبابية المعالم، هناك أسماء غائمة تحتاج إلى وضوح الخارطة .

وعن قصيدة النثر تقول كنانة عفاش: طبعا لكل نوع أدبي محاربيه، الأدب النثري بدأ يعترف به من قبل القراء، ولكن النقاد مازالوا غير قادرين على الاعتراف به كحالة شعرية مهمة رغم كل الأسماء اللامعة التي خاضت هذا المجال وأبدعت به، لكل أذن ما تستسيغه والنص هو من يفرض نفسه بعيدا عن شكله ونوعه كلمة الفصل لقدرته على البوح.

وتؤكد في الوقت نفسها أن الحالة المرضية ليست هي القاعدة، النص غير الناضج الذي يحمل هوية ليست هويته هو نص يقوم بتفريغ جيوب اللغة تحت مسميات ملونة هذا لا يمثل أي نوع من الاكتناز والثراء الابداعي لا للحداثة ولا للغة، حتما هذا واقع يشوه في شكل القصيدة حتى أن الأمر بات مرتبطا ارتباطا وثيقا بين حالة وحالة فيقال هو نص غير مفهوم التراكيب ومتناسق الكلمات إذا هو نص حداثي وهذا ظلم جائر بحق النص الحداثي.

طبعا النص الحداثي له أعلامه وله نصوصه التي نكون في قمة الغبن وخلط الأوراق بطريقة عشوائية حين لا نعترف به كنص له مفاصله الجمالية ونكهاته الخاصة التي لا لن نجدها في نص غير حداثي.

وتنخاز الشاعرة السورية كنانة عفاش إلى الشعر بغض النظر عن الشكل الذي هو الوعاء الحامل، ولكل مرحلة عمرية قراءاتها الخاصة، النوع الشعري الذي كنت أقرؤه من سنوات قد لا أستسيغه الآن، الأمر يتعلق بطبيعة قاموسك اللغوي ومزاجيتك في التلقي. أنا أكثر ميلا في مرحلتي هذه إلى قصيدة النثر لأنني أراها أكثر تمكنا في جعل التدفق اللغوي انسيابيا أكثر من أي نوع أدبي آخر. أراها لها مناخها المتقلب بجماليته وشخوصها غير وأثاثها الذي إذا ما نقلناه إلى مكان آخر سيبدو مشوها غير متناغم في الألوان ولا في الشكل .

وعن المرأة وإبداعها تقول: مظلومية المرأة حديث لن ينتهي حتى وإن نالت المرأة جميع مطالبها ليس لأنه حديث كل عصر بل لأن المرأة مازالت وحتى الآن رغم مساحة الانفتاح التي حصلت عليها غير قادرة على أن تسوس حريتها بطريقة حكيمة.

المشكلة ليست عند المجتمع وبأنه لم ينصف المرأة، المشكلة الحقيقية هي عند المرأة نفسها وبأنها لم تنصف المرأة، يجب أن تكون المرأة طبيبة نفسها، نعم هناك حالات أسرية مازالت تقوقع المرأة وتزجها تحت مسميات جاهزة ومريحة كالتقاليد والاعراف والشرائع وغيرها، ولكن هذه الحالات ما تنامت وأصبحت شبحا إلا لأن المرأة الأم والمرأة الأخت والمرأة الزوجة مازالت تجمل صورة المرأة التي يأكل القط عشاءها.

هناك الكثير من الحقوق التي أنصفت المرأة من خلال القوانين ومن خلال الشرائع ولكن تبقى المشكلة في كيفية ذكاء المرأة في استعمال هذه الحقوق، الأمر أولا وأخيرا يحتاج إلى ضوابط وإن كانت المرأة تريد حرية بدون ضوابط سيؤدي هذا إلى فوضى حتمية، طريقة فهمنا لحرية المرأة كنساء بحاجة إلى تنوير لمفهوم حرية المرأة، ومن هنا نبدأ بادراك ماهية وشكل وعقبات الحرية التي نريد، ومن ثم نطالب بها كي نكون على دراية كاملة بنتاج ما نطالب به.

وترى كنانة عفاش أن الإعلام هو الواجهة التي تقوم بإضاءة أو تعتيم أسماء معينة والحقيقة هذا الدور يمارسه الاعلام ومازال يمارسه رغم كل الانتقادات اللاذعة بحقه، دور الاعلام أولا وأخيرا هو ابراز النص الجميل لأنه الأحق بلمعة الضوء، تهميش نص متميز على حساب نص أعرج أحد أشكال الظلم التي يمارسها الاعلام، هذا الشكل للاعلام هو الذي فرض على المتلقي الاستعانة بأشكال أخرى للتعرف على الجو الثقافي العام وهو الذي فرض على القلم الجميل تنحيه من تحت الأضواء .

وترى كنانة عفاش أن حال الشعر السوري الآن أشبه بالوقوف على رمال متحركة لا تستطيع تفنيد أسماء أو مواقف أو معطيات معينة، نحن بحاجة إلى توازن الصورة لنصبح أكثر قدرة على رؤية المشهد.

حين تهدأ عاصفة الحرب في سوريا سنكون أقدر على فتح صناديق كنوز ما أنتجته الحرب، لكن كرؤيا عامة للمشهد نلاحظ أن ثمة أسماء أنجبتها كارثة الحرب وأخرجتها عن صمتها لتكون اسما لامعا مرتبطا بجو الشعر العام.

إن عزلة الشاعر ونرجسيته سابقا كانت موقفا ضد السائد وأحيانا خرابه الداخلي هو المحرض الأساسي للإبداع، وفي مقابلة ما يحدث من خراب الوجود الحاصل أحدث فجوة ما فصار لزاما أخذ موقف ضد الخراب.

الشعر متحيز للجمال وضد الخراب والدم، والكاتب الذي يتملص من انسانيته دون أن ينخرط بوجع الانسان العام لا نستطيع أن ننسبه إلى أي شكل من أشكال الابداع. الكاتب الذي لا تستثيره إلا وردة المفتوحة، لأن يرصد لون وشكل وحالة الدم ليس كاتبا وانفتاح قريحة قلمه في حالة السلم ستكون أشبه بالنفخ في قربة مثقوبة.

(ميدل ايست اونلاين)

شاهد أيضاً

”خلاص الكائن البشري يقع خلف ظهره“ .. الروائي ”ماوريتسيو طيروني“ محاورًا ”أحمد لوغليمي“

* أجرى الحوار وترجمه عن الإيطالية: أحمد لوغليمي     ماوريتسيو طيروني [1967] قاص، روائي …