الرئيسية / . / العرض المسرحي «قواعد العشق الأربعون»: إما أن تُحِب أو تخسر روحك

العرض المسرحي «قواعد العشق الأربعون»: إما أن تُحِب أو تخسر روحك

محمد عبد الرحيم

«إن تحت سقوف الحانات وغيرها من أماكن اللهو قلوب عامرة بالمحبة والإيمان، ربما أكثر من تلك التي تحت سقوف دور العبادة». اعتقادك امتلاك الحقيقة وأن تستمد قداسة مُعتقدك من الاتفاق حول ما أصبح مقدساً، وأن تقسّم العالم ما بين مؤمن وكافر، وتصدر أحكامك على الآخرين، بأن مصيرهم النار لمجرد اختلافهم معك، هكذا تصبح رحلتك الخائبة في الحياة، لكن الأمر ليس كما يبدو، بل هو أعمق وأرق.
رحلة البحث عن اليقين هذه، لا تتحقق إلا بالسعي إلى المحبة، محبة النفس أولاً، وكل المخلوقات التي قدّر الله لها الوجود، هذه الرحلة الشاقة والمحفوفة بمخاطر الفقد، التي لا يستطيع السير في دروبها إلا مَن رحمه الله برحمته الواسعة. وفق هذه المفاهيم وغيرها من محاولات السمو الروحي في عالم مضطرب، تأتي الرواية الشهيرة «قواعد العشق الأربعون» للتركية إليف شافاق، التي أصبحت في الآونة الأخيرة من أكثر الروايات شعبية في العـــــالم العــــربي، بعد ترجمتها إلى العربية، ومن خلال العرض المسرحي الذي استمد من الرواية موضوعه، والذي جاء بالاسم نفسه ــ أقيم العرض على مسرح الســــلام في القــــاهرة ــ تأتي محاولات تجسيد الأفكار الأساسية للرواية من خلال المسرح، ليحاول تسليط الضوء على لحظة متشابهة نحياها الآن، وزمن الرواية ومناخ التعصب الذي كان يحــــياه كل من جلال الدين الرومي وشمس التبريزي، وقد انتصرا على هذا الوباء بحالة الحب التي أصبحت مثالاً دالاً على وجودهما. رغم انتهاء الحكاية بمقتل التبريزي وتحول الرومي إلى أهم شاعر صوفي في تاريخ الإسلام.
العرض أداء.. بهاء ثروت، عزت زين، فوزية محمد، أميرة أبو زيد، دينا أحمد، هاني عبد الحي، إيهاب بكير، تامر الكاشف، محمد عبد الرشيد، أحمد عزت، ياسر أبو العينين، هشام علي وهدى عبد العزيز. ديكور مصطفى حامد، إضاءة إبراهيم الفرن، أزياء مها عبد الرحمن، موسيقى محمد حسني، غناء سمير عزمي وفرقة المولوية العربية للتراث الصوفي، إعداد رشا عبد المنعم، ومن إخراج عادل حسان.
حاول النص المسرحي التركيز على العلاقات الأساسية في الرواية، وأن يقيم المقارنة بين ما كان في القرن الثالث عشر وما يحدث اليوم، حيث الجمود الفكري والتعصب وإنكار الآخر، في مناخ من الصراعات المذهبية واليقين الضال. لذا لم يلتزم النص المسرحي حرفياً بأحداث الرواية، خاصة في الجزء الأقل جمالية منها، والذي يمثل العصر الحاضر ــ علاقة الناقدة والمحررة الأدبية بمؤلف الرواية ــ كمحاولة لانعكاس حال الرواية على حياتها ــ هذا الخط الدرامي الواهي مقارنة بحكاية جلال الرومي وشمس التبريزي. من جهة أخرى لم يعتمد النص على حدود هذه العلاقة بأن يدور حولها ويغرق في تفاصيلها، بل جعلها مجرد إطار تتم من خلاله مناقشة قضايا وأحوال تتماس مع ما نعيشه اليوم. فجاء التأكيد على مواقف بعينها تنفي حالة التعصب والتكفير، لكنها أيضاً تحتاج إلى روح قوية لا تأبه إلا بالصدق مع النفس، وأن تكون هناك شخصية يبدو جمالها في مدى انفلاتها عن كل ما هو تقليدي وشائع، كـ(شمس الدين) حتى إن ضاق به الجميع، لتصبح روحه قرباناً لانفلاته وبصيرته.
فما بين العاشق والفقيه تبدو المسافات الشاسعة، وليلقي الفقيه بكل ما تعلمه ليتخفف من ثقل روحه، فالعقل والمنطق مجرد وسيلة، وإن وقفا حائلاً، فلابد من نفيهما تماماً، هكذا أصبح (جلال الدين) متعاطفاً مع مأساة أحد السكارى، ويحتضنه محاولاً مواساته، بعد ذهابه إلى الحانة ليشتري الخمر، وأن يسمح لبائعة هوى بأن تقيم في بيته، دون أي اعتبارات للوم أو سُمعة توارثها عن عائلته. هكذا تبدو المجاهدة والمخاطرة بكل ما هو موروث. المخاطرة الأخرى التي جاءت حسب عبارات التبريزي، تكمن في الطريقة التي نسلك، والتي تبدو فيها أزمة المتصوفة وإشراقاتهم ورؤاهم حول قواعد الشريعة ومدى الالتزام بها، وهي من وجهة نظرهم مجرد قواعد وضعها آخرون، فهي سقف يحد من التواصل والوصول إلى روح الله. «إذا أردت أن تغير الطريقة التى يعاملك بها الناس، فعليك أولاً أن تغير الطريقة التي تعامل بها نفسك، فالطريقة التي نرى بها الله هي الطريقة التي نرى بها أنفسنا».
حاول العرض أن يُجسد هذه الأفكار من خلال الديكور والإضاءة والموسيقى والغناء، وأداء الممثلين بالطبع، خاصة بهاء ثروت/شمس الدين التبريزي، ومدى الاستخفاف والتأسي بما يحيطه، وعزت زين/جلال الدين الرومي وحال القلق والبحث عن يقين آخر حي، بخلاف ما توارثه من أفكار واعتقادات داخل الكتب والنصوص.
من ناحية أخرى تم تقسيم المسرح إلى أدوار، عوضاً عن المستويات المعهودة، فالجميع يظهرون في غرف متراصة أشبه بغرف التكايا المعهودة، ضيوف راحلون في أي وقت، هكذا الحياة.
الدور العلوي الذي يقيم به جلال الدين ومكتبته المقدسة، وحجرته التي تعلم فيها على يد شمس الدين التبريزي، كذلك شيخ الطريقة الذي أصبح يعلق على الأحداث، هذه الدرجة هي أعلى الدرجات، بينما الانشغالات الحياتية يمثلها الدور الأسفل، حيث الأحداث والمناقشات الجدالية ما بين جلال الدين وولديه أو زوجته، لتصبح أرض المسرح هي البديل عن الخارج ــ خارج البيت ــ وفيها يبدو المسجد وخطبة الجمعة على اليمين، والخمارة وبيت الهوى على اليسار، وهو العُرف المعهود ما بين القـــــداسة والدنس، لكن الشخصيات والأحداث تكشــــف غير ذلك، فالسكــــير يعرف الله، وفتـــاة الهوى التائبة تعرفه أيضاً، بينما رجل الشرطة الذي يستمع إلى خطبة الجمعة أو يتصنع التقوى، يشتهي المرأة التي تنكرت في زي رجل لتستمع إلى كلمات جلال الدين، فالمكان لا يستـــمد قداسته إلا بأرواح ساكنيه.
وبما أن العمل يدور حول شخصيتين من أشهر المتصوفة، فكان غناء العديد من المقطوعات المعروفة من الشعر الصوفي، حيث أصبحت المقطوعات المُغناة بديلاً عن النقلات الزمنية من جهة، أو على تبدل حال جلال الدين بعد معرفته التبريزي، أو التدليل على حال الشخصيات، زوجة جلال الدين على سبيل المثال، إضافة إلى رقصات الدراويش الأتراك المعهودة ــ رقصة الدراويش التي ابتدعها الرومي بإلهام من شمس الدين ــ فهناك حالة من التناغم أصر العرض على تأكيدها، ما بين الحب الإلهي والرقص والغناء. فالطرق عديدة والمحاولات لا تحصى، ولا يوجد صواب من خطأ، إلا من خلال الروح ومدى صدقها بالأساس، فالله ليس حكراً على أحد، ولم يفوّض أحدا للتحدث بلسانه، ليصبح قوله هو الحق الأوحد.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

جبين يابس.. ل -لبنى دهيسات-

-لبنى دهيسات-   المستقبل ما هو إلا القشة التي نسير إليها.. نحن الغارقون في الأرض …