الرئيسية / . / مهرجان كان الـ70: إلى من ستذهب ‘السعفة الذهبية’

مهرجان كان الـ70: إلى من ستذهب ‘السعفة الذهبية’

أمير العمري

ما يمكن ملاحظته قبل يوم من اختتام مهرجان كان السينمائي الدولي في دورته السبعين، غياب التحفة السينمائية التي تبقى في أذهان عشاق السينما بعد أن ينفضّ الجمع الكبير عن الـ19 فيلما المشاركة في المسابقة الرئيسية، على العكس مما ميز دورات أخرى سابقة عندما فاز بالسعفة الذهبية على سبيل المثال فيلم “شجرة الحياة” (2011) لتيرنس ماليك، أو “حب” لمايكل هانيكه (2013) وكلاهما بلا شك من التحف السينمائية النادرة التي يحسب لمهرجان كان الفضل في الكشف عنها.

فالفيلم الجديد الذي عاد به هانيكه إلى كان وهو فيلم “يوم سعيد” رغم جماله الفني وجرأته وموضوعه المثير، إلا أنه يعد أقل من مستوى معظم أفلام مخرجه السابقة، ولا يقدم فيلم “رودان” الفرنسي للمخرج جاك دوايون جديدا يثير الاهتمام عن حياة النحات الكبير، ويعتمد على الحوار المكثف الذي يدور داخل غرف العمل المغلقة، ولا يساهم في سبر أغوار العلاقة المعقدة بين رودان وكامي كلوديل، بل يهمل تماما الجانب الإبداعي في شخصية كلوديل ويجعلها مجرد دمية أو ألعوبة جنسية لتسلية رودان يلهو بها كما يشاء رغم أنها تحاول التمرد على ذلك.

أما الفيلم الأميركي “المغويات” أو “الفاتنات” The Beguild للمخرجة صوفيا كوبولا، فهو عمل متكامل محكم البناء والسرد، ينجح في جذب المتفرجين بموضوعه الغريب ومعالجته الدقيقة، إلا أنه لا يتجاوز الفيلم التقليدي في الشكل، كما أنه يروي قصة سبق أن تناولتها السينما من قبل، بل إنه إعادة إنتاج لفيلم أميركي قديم بالعنوان نفسه من إخراج دون سيغل عام 1971.
ضعف المشاركة الآسيوية

لم يبق حتى كتابة هذه السطور غير أربعة من أفلام المسابقة لا نعول كثيرا عليها في الكشف عن تحفة فنية جديدة، وإن كان أهمها الفيلم الجديد للمخرج التركي- الألماني فاتح أكين “في الظلام” الذي يمكن أن يشكل مفاجأة ما.

وبوجه عام تعتبر الأفلام الفرنسية الأربعة المشاركة في المسابقة أقل في مستواها من مثيلتها في السنوات القليلة السابقة. وجاء الفيلم الياباني “الشعاع” للمخرجة ناووي كواسي مخيبا للآمال كما كان متوقعا، مما دفع أعدادا كبيرة من الجمهور إلى مغادرة قاعة العرض، ولكن كواسي مخرجة سعيدة الحظ، فدائما تجد لها مكانا في مسابقة كان، وهو تفضيل نرى أنه يحول دون اكتشاف غيرها من المخرجين اليابانيين الشباب الجدد وتسليط الأضواء على أفلامهم، فسينما بحجم السينما اليابانية لا تعدم أفلاما جيدة متنوعة الاهتمامات، لكن من عيوب مهرجان كان أنه يلتصق بأسماء معينة من المخرجين وقد يقبل أفلامهم بضمان اسم المخرج وبغض النظر عن مستوى الفيلم نفسه.

وتعتبر المشاركة الآسيوية في المسابقة (مع فيلم “اليوم التالي” للمخرج الكوري هانغ سانغسو) من أضعف المشاركات السينمائية الآسيوية مقارنة بالسنوات القليلة الماضية، ومع غياب واضح للسينما الصينية.
120 دقة قلب

تصدر خلال المهرجان عدة مطبوعات منها “سكرين انترناشيونال” البريطانية، و”الفيلم الفرنسي” الفرنسية، والمجلتان تخصصان استطلاعا يوميا لعدد مختار من النقاد السينمائيين يمنحون الأفلام علامات تقديرية. والملاحظ أن نقاد المجلة الفرنسية يتحمسون كثيرا للفيلم الفرنسي “120 دقة قلب في الدقيقة” للمخرج روبين كامبيللو، الذي يصور حملة تنظمها وتقودها مجموعة من الشباب المثليين المصابين بمرض فقدان المناعة المكتسبة (الإيدز) ضد إحدى الشركات العملاقة لإنتاج الأدوية، بسبب تقاعسها في الكشف عمّا قطعته من خطوات حتى الآن من أجل التوصل إلى علاج ناجع للمرض الخطير.
ومع ذلك، يعاني هذا الفيلم من التكرار والترهل والفراغ في المعالجة الدرامية، مع غلبة الحوارات التي لا تتوقف ثانية واحدة، وبروز الشكل الدعائي الفظ، وتجريد الشخصيات من الطابع الإنساني، بحيث أننا لا نستطيع التعاطف معها، كما يستغرق طويلا في تصوير مشاهد الجنس المثلي بين اثنين من الشباب المصابين بالمرض ليدلل على توفر الإرادة لديهما، والقدرة على مقاومة المرض بالحب حتى اللحظة الأخيرة، حسب ما يريد الفيلم أن يقول، ولكنه يقول هذا عن طريق جرأة في التصوير تصل حد الصدمة، وإفراط بلا معنى في تصوير الجانب الحسي.

ورغم الدعاية المحيطة بالفيلم، فقد انشق حوله النقاد، بل وحتى نقاد مجلة “الفيلم الفرنسي” أنفسهم، فمنحه بعضهم نقطة واحدة أو ثلاث نقاط، لكن هناك ستة من بين 15 ناقدا منحوه السعفة الذهبية، وظل بالتالي في صدارة التوقعات بالفوز بهذه الجائزة، خاصة مع وجود المخرج الإسباني ألمودوفار في رئاسة لجنة التحكيم، وهو معروف بمثليته الجنسية وتعاطفه المحتمل مع موضوع الفيلم.

والحقيقة أن هذا فيلم من أفلام الموضوع بالدرجة الأساسية، أي أن ما يلفت الأنظار إليه هو موضوعه الذي يصور على نحو صادم معاناة مرضى الإيدز وتقاعس المؤسسة الرسمية في السعي للتوصل إلى علاج له.

وهناك اهتمام مشابه قد أولته الصحافة الفرنسية أثناء دورة عام 2013، للفيلم الفرنسي “الأزرق أكثر الألوان دفئا” (أو “حياة أديل”) للمخرج التونسي الأصل عبداللطيف كشيش، الذي كان يتناول بشكل مكشوف وصادم موضوع المثلية الجنسية بين فتاتين، وانتهى الأمر بفوزه بالسعفة الذهبية في حين أنه لم يكن الفيلم الأفضل، فقط من أجل لفت الأنظار إلى أهمية الموضوع الذي كان مطروحا وقتها للنقاش في أوساط الرأي العام الفرنسي مع مطالبة الكثيرين بضرورة إصدار تشريع يمنح حقوقا واضحة للفتيات المثليات، لذلك ليس مستبعدا أن ينال “120 دقة قلب” السعفة الذهبية، رغم كونه ليس أفضل الأفلام.
أفضل الأفلام

أما أفضل الأفلام بين كل ما شاهدته شخصيا حتى هذه اللحظة، فهو أولا الفيلم الروسي “من دون حب” Loveless وهو عمل كبير ربما لا يصل إلى مستوى التحفة السينمائية، لكنه دليل واضح جديد يؤكد بلاغة مخرجه وتمكنه من جميع عناصر الفيلم السينمائي، وقد سبق أن نشرت تحليلا له قبل أيام في هذه الصفحة، وبالمناسبة هذا الفيلم يتربع على قمة ترشيحات نقاد مجلة “سكرين انترناشيونال” بعد حصوله على أعلى النقاط.

ويأتي بعده، أو بالأحرى بموازاته في رأيي، الفيلم البريطاني “قتل غزال مقدس” للمخرج اليوناني يورغوس لانثيموس الذي نشرنا عنه على هذه الصفحة قبل يوم (عدد الجمعة). ولكن يمكن بالطبع أن تخرج السعفة الذهبية عن الفيلمين لتذهب إلى الفيلم السويدي “المربع” The Square الذي وجدته شخصيا ثقيل الوطأة، مفكك البناء، فهو عبارة عن اسكتشات ساخرة عبثية، كما يعاني أيضا من غلبة الحوار وغياب الخيال، لكن طرافة الموضوع لها جاذبيتها بالتأكيد، ولن ندهش إذا ما فاز هذا الفيلم بجائزة لجنة التحكيم.

ربما لا تكون الصورة قد اكتملت تماما مع كتابة هذا المقال، وربما وقعت مفاجأة ما في اليومين الأخيرين، ولكننا نستبعد وجود “التحفة السينمائية” الأمر الذي ربما يعكس أزمة في الخيال أو تقاعسا في البحث عن الاكتشافات الجديدة بعيدا عن الأسماء الشهيرة.

ولا بد في النهاية أيضا من التساؤل عن ذلك الغياب الملحوظ للفيلم العربي باستثناء الفيلم التونسي “على كف عفريت” الذي شارك في قسم “نظرة ما” وفيلم آخر رديء منسوب للجزائر، هو “حتى تعود الطيور”، فهل التقصير من جانب السينمائيين العرب أم من جانب المهرجان؟

ومشاهدة الفيلم المنسوب للجزائر “حتى تعود الطيور” (والحقيقة أنه من الإنتاج الفرنسي) في قسم “نظرة ما” أيضا، يؤكد فكرتنا عن سوء الاختيار، فهذا الفيلم بمستواه الضعيف لا يصلح للعرض في أي مهرجان عالمي، ولكنه يدرج في المهرجان فقط في إطار السياسة الثقافية الفرنسية التي تميل إلى تقديم كل ما ينتمي إلى “توابعها” الثقافية والسينمائية، وهي معضلة مزمنة من معضلات هذا المهرجان.

(العرب)

شاهد أيضاً

نيرمينة الرفاعي.. في نص بلا اسم

نيرمينة الرفاعي-   خاص (الجسرة)   أنا حورية البحر الحزينة بعت ذيلي مقابل أقدام لم …