الرئيسية / إضاءات / جدليّة السُّيف والكلمة

جدليّة السُّيف والكلمة

خيري منصور

ذا صحّ ما قيل عن طرد أفلاطون للشعراء من جمهوريته الفاضلة، فإن سبب ذلك يعود إلى خشيته من كونهم يحلمون، ويعزفون عن التأقلم مع الواقع. وحكاية إقصاء الشعراء من المدن الفاضلة لم تتوقف عند أفلاطون، فهم غالبا ما وصفوا بالادعاء والقطيعة بين المقول والمفعول، ولم يكن نفي الإمبراطور الروماني للشاعر أوفيد بعيدا عن ذلك، لأن من كتب مسخ الكائنات وفن الهوى خرج عن السرب، ولعله كما يقول بودلير لمح ريش جناحه الأبيض في سحابة من الغربان، ورغم أن أطروحة المثقف والسلطة اقترنت بحادثة درايفوس الشهيرة في فرنسا، إلا أن هذه العلاقة الإشكالية كانت منذ البدء من صميم التاريخ، ومن صلب الجدلية الخالدة بين المتحقق والممكن وبين الواقع والحلم، لهذا ضاقت الدولة عبر التاريخ بالثقافة، وحاولت بمختلف الأساليب تدجينها، سواء من خلال إلحاقها بالإعلام، أو تهميشها، بحيث تبدو رفاهية لا متسع لها في عالم الضرورة وإشباع الغرائز.
والأمثلة عديدة، بدءا من حوارية ديوجين مع الإمبراطور، حين طلب منه أن يبتعد عنه، كي لا يحجب الشمس. وأبوقراط الذي رفض هدايا الإمبراطور الفارسي قائلا له، إن من تعاليم الإغريق الوطنية، أن لا يعالجوا غزاتهم. وليس انتهاء بما تعرض له كتاب وأدباء من تعذيب وإقصاء في مختلف الثقافات. ويكفي أن نتذكر مصائر الحلاج والسهروردي وابن المقفع وابن رشد وغيرهم ممن كانوا ضحية مزدوجة للسلطة وثقافة الهيمنة والوشاية، وفي العقود الأولى من القرن العشرين حوكم وعوقب مثقفون من طراز طه حسين وعلي عبد الرازق وسلامة موسى والعقاد، لأنهم اقتربوا من المسكوت عنه والمحظور، وتكرر المشهد مع صادق العظم ونصر أبوزيد وآخرين، في نهايات القرن الماضي، ويبدو أن هذه المتوالية التراجيدية لا نهاية لها.
إن ثنائية سلطة المثقف وثقافة السلطة تعرضت لاختزالات مخلّة في عالمنا العربي، حين تناولها أشباه مثقفين أرادوا أن يظفروا بالسلطتين معا، لكنهم في النهاية فقدوا المشيتين، كما حدث للغراب الذي حاول الهديل ومحاكاة الحمامة.
وحين نستذكر ظواهر كالمكارثية والجدانوفية والغوبلزية، نجد أنها لم تغادر هذا العالم، بل أعيد إنتاجها في طبعات جديدة وتحت عناوين مُضلّلة، وهناك فترة في تاريخنا العربي الحديث اختلط فيها مصطلحا الالتزام والإلزام، وكان شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة هو المثال، لهذا غطى الطبل الأجوف بضجيجه وصخبه على الناي الشجي، وهناك بلدان انتحر فيها شعراء ومثقفون كما حدث لسيرجي يسنين وفلاديمير ماياكوفسكي، لأنهم لم يخضعوا لاستراتيجية القطعنة وثقافة الامتثال، وهناك أيضا من كان انتحارهم عقليا، من خلال الهجرة إلى داخل الذات والانقطاع عن العالم، أو من خلال الصمت والإقلاع عن الكتابة والنشر.
ويقال إن الرقيب النازي غوبلز تعرف ذات يوم على أسلوب الروائي ريمارك، رغم انه كان ينشر روايته باسم مستعار، فالرقيب من هذا الطراز له حاسة شم كلبية، تمّ تدريبها وتأهيلها، لكن ليس لكشف الجرائم أو ضبط المخدرات، بل لكشف رائحة الحبر النظيف واللغة غير المرتهنة. لقد سجن عباس العقاد لمجرد أنه دافع عن الدستور، عندما كان نائبا في البرلمان، وقال يومئذ إن أصوات ناخبيه أمانة في عنقه. ورغم سطوة نابليون الإمبراطورية، إلا أن الكاتب سانت بيف صاح في وجهه مدافعا عن حقه في النقد، ما دفع الإمبراطور إلى الاعتراف بأن التاريخ إذا كان له نصفان فأحدهما السيف والآخر الكلمة.
ويروى عن إمبراطور آسيوي أن طلب من حاشيته ذات يوم أن تدله على الشعراء الذين لم يسبّحوا بحمده، فلم يجدوا إلا واحدا،عندئذ استدعاه الإمبراطور وأمر بإعدامه في ساحة عامة تعج بالناس، لكنه ما أن رأى السياف يشهر سيفه حتى صاح به قائلا: أتركه واترك لهذه البلاد رجُلها الوحيد، لأنها من بعده ستصبح أرملة. وهناك شاعر قديم في آسيا سأله الإمبراطور، كم أساوي في نظرك؟ فقال خمسة وعشرون ألف دينار، فقال له الإمبراطور إن حزامي المرصّع بالجواهر يساوي هذا المبلغ، عندئذ سمع ما لم يكن يتوقعه على الإطلاق وهو ما قاله الشاعر: وهل أنت سيدي غير حزامك.
المثقف في التاريخ، وعبر مختلف عصوره اجترح طريقه وعبّده، ولم يجد طريقا جاهزا يسير فيه، لهذا فهو لا ينتظر أن يُناط به دور، لكن التحالف غير المقدس بين الأيديولوجيا والحزب وشهوة السلطة، تحولت إلى أقانيم شبه مقدسة، في عصر همّشت فيه الثقافة وأصبحت مطالبة بأن تكون مجرد واجهات للعرض، وبطالة مدفوعة الأجر.
إن ما كتب حتى الآن عن تعذيب وإقصاء مثقفين في التاريخ، ليس سوى جولة أو سياحة أفقية، لأنه اقتصر على المشاهير، أما هؤلاء الذين قضوا في صمت وكظموا الغيظ حتى ناءت قلوبهم بحمولته، فهم بحاجة إلى كشف، ونبش مقابر، واستدعاء قرائن لكي يعاد إليهم الاعتبار. وقد تكون عبارة السهروردي المقتول: أرى قدمي أراق دمي، أيقونة هؤلاء الذين ذهبوا إلى مصائرهم ببسالة بدءا من سقراط الذي تجرع السم حتى آخر مثقف شحُ الأوكسجين في زنزانته.
أخيرا هل كان السيّف أصدق إنباء من الكتب؟

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

فكتور هوجو .. الفرنسي الذي وجد الجمال في كل شيء

خاص   (الجسرة)   أديب وشاعر وروائي فرنسي (1802-1885)، ولد في بيسانسون في إقليم دوبس شرقي …