الرئيسية / إصدارات / أكرم قطريب يكتب مرثية السوريّ «الغريق»

أكرم قطريب يكتب مرثية السوريّ «الغريق»

عمر شبانة

يواصل الشاعر أكرم قطريب رثاء «الحالة السوريّة» من زاويته الخاصة، الضيّقة كما تبدو لوهلة، لكنّها تكثيف لحال المأساة التي تعيشها سورية منذ سنوات، من خلال مرآة قادرة على إظهار تفاصيل حيويّة شديدة الخصوصيّة في حياة الشاعر.
فبعد ديوانه «بلاد ســـرية» (2013)، الذي قال فيه «سأحكي عن شعبي الطيّب/ الذي يعـــيش في زنزانة منـــفردة/ ويتـــحدث مع الأشباح آخر الليل»، يأتي الكتاب الجديد ديوانه الجديد «كتاب الغريق» (دار مخطوطات- هولندا 2016)، الذي يهديه إلى الإعلامي السوريّ ناجي الجرف الذي جرى اغتياله في تركيا العام الماضي، بمثابة «ألبوم» لأوجاع عاشها ابن القرية السورية، قبل «الحدث» الراهن أساساً.
ومع أن كتاب الغريق هذا، يبدو امتداداً لتلك البلاد السرية، في جوانب كثيرة تتعلق بذاكرة المكان والزمان، إلا أنه هنا يذهب إلى زمن الأساطير ومكانها، فيمتزج لديه الحاضر بالماضي. نحن هنا أمام مزيج من التذكّر والخيال، تذكّر للماضي القريب والبعيد، وللتاريخ والميثولوجيا حتّى، وإعادة بنائها جميعاً، بما يلائم روح الشاعر و «يهدهدها» في منفاها (الأميركيّ)، حتى ولو أنه منفى اختياريّ، وقبل الثورة. تختلط في هذا الـ «كتاب»- التاريخ عناصر عدة، من حيوات بشرية متعدّدة، هي من مكوّنات هذا التاريخ وهذه الحياة وهؤلاء البشر.
ومن مناخاته الأسطورية، يخرج السوريّون من عوالم مختلفة في التاريخ، فهنا مثلاً ثمّة حياة وبشر وحكايات تعيش في المتاحف، ثمة «سفن ينزل منها أناس غامضون/ يدخلون بيتكِ ولا يخرجون/ يتركون فوق سريرك نوتة آشورية…/ بينما يدوّن المؤرّخون تاريخ العناق الذي لم تعرفه المدينة/ رأوا تمثالكِ العاري وراء الزجاج في اللوفر».
فنحن هنا حيال امرأة أو آلهة آشورية وموسيقى وآثار حضارة بائدة، حيناً، وحيال محتويات ذاكرة قريبة للصبا، وتصوير لمشهدية لا تزال طرية «نسرق العنب من شفتك المصكوكة على العملات القديمة»، فهل هي الأسطورة، أم التاريخ إذ يؤول إلى الكتب والمتاحف وخزانة الذاكرة؟!
تتكثّف حالة استعادة الماضي البعيد في نَصّ «آثار ومتاحف»، حيث يحضر ذلك الماضي عبر ذكريات قريبة، فهنا لا تزال «الأدراج التي لم يكتشفها أحد/ الحوليّات النائمة تحت الجلد»، وهنا استحضار لتاريخ من المآسي، إذ نرى تشخيصاً عميقاً «لقدرة شخص واحد أن يحوّل شعباً، إلى جالية مرميّة في صحراء»، هي حالة تتكرر عبر مرايا الذات الفردية والجمعية في آن، وتبرز صورة من صور التعددية والتنوّع عبر هذا الإيجاز البلاغي الواقعيّ «لسانُك كثير اللهجات».
ويبدو الشاعر شديد البراعة في اختراق الأزمنة، وجعل التاريخ يتمثّل في صورة الرّاهن، أو العكس، لنرى كيف يغدو العالم حين يغدو «الكهنة مصدرَ الحُكم/ الجهلة يطغون على المثقفين/ طُغاة من العهود القديمة/ قل سنذهب إلى الجحيم حتماً»، هذا رغم أن «البلد ليست بئر غاز/ ليست هيلانة الإغريق/ ولا طروادة المدن/ أيتها الحرية كأنك طير من عصور ما قبل التاريخ».
ولعلّ حدساً أو هاجساً ما يدفعني إلى قراءة «كتاب الغريق» بالأفق «العريق»، لأرى ذلك التاريخ من الحضارات، وتلك السلسلة من الأساطير والملاحم، وفي هذه وتلك أرى الراهن الدمويّ، مكاناً وزمناً حاضرين بقوة، المكان لأنه «موطن قديم يتهالك»، وفق وصف الشاعر له، والزمن هو في صورة ما تلك «التمتمات المنقوشة على الحجر».
وهو بمقدار ما يستدعي مآلات البشر «الجسد المملوء بالندوب»، و «طفل يقفز على قدم واحدة»، فهو يستحضر الكائنات الطبيعية «حقل الذرة يختفي/ شجرة التوت ستصير سلّماً مرميّاً على سطح البيت»، من دون أن ينسى ربط ذلك بذكرياته، ذاكرة الطفل وآلامه «علّقني أبي على حبل الغسيل مرّة/ لم أحسّ بأيّ طفولة… مرّت من جانبي ولم أرها».
وللأمكنة حين تحضر في القصيدة، في قصائد القطريب عموماً، وجهان اثنان مترابطان ومتداخلان، ففي ما يخص «الجزيرة الشمالية» مثلاً، نجد مكاناً ذا وجه قديم بعيد، أسطوريّ، فهو له «نهران كانت تستحمّ فيهما الآلهة القديمة»، ووجه آخر قريب يرتبط بأشخاص عايشناهم، ويذكّروننا بالأمكنة المألوفة لدينا، وهذه حال استحضار أحد الشعراء السوريّين الجدد، فها هو صديقنا من «مقهى الروضة» ويوميّاته «ينام على أحد جنباتها، إلى الأبد، صديقي عبداللطيف خطّاب»، وخطّاب شاعر ذو سمات مأسويّة، عايشناه عن كثب، لكنه رحل عن الحياة مبكراً… وكذلك ثمة حضور لأسماء مثل «لمى التي لا أعرف أين هي الآن»، وغيرها.
أما ما يسمّيه الشاعر «الإلياذة السورية»، فهو يتجسّد في كل ما مرّ من تفاصيل المشهد السوريّ، قديماً وراهناً. ويظهر أكثر ما يظهر في مدى الاحتفاء الذي يلاقيه الإنسان السوريّ من «شعوب العالم»، في مقابل ما يجده في بلده من غياب الإنسان، ويظهر ذلك في المواجهة مع «موظف المطار في الوطن». وعلى هذا النــحو من العالم «النثريّ» البسيط والعفويّ، ولكن العميق، تتحدّد العلاقة بالوطن.
وأخيراً، تبدو الصورة شديدة القسوة والقتامة في تناول الشاعر المدينة التي ينتمي إليها، إنها مدينة «سَلَميّة»، حين يخـــاطبها بما يشــبه الرثــاء تــقريباً «كل من رآك أراد أن يستبدل اسمكِ بالليل/ اسمك الروماني القديم». فكـــتاب الغريق هو كتاب الشاعر، وكتاب الشام كلّها، قديماً وحديثاً.

(الحياة)

شاهد أيضاً

عن النصوص الزجاجية في ”مذ لم أمت“ ل ”رامي العاشق“

-نيرمينة الرفاعي-   ”الزجاج محاولة الجدار لإفشاء السر“، يقول العاشق في الصفحة 24، وبنصوص زجاجية تفشي …