الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / أيمن الغندور في بلد ‘ما لهوش كبير’

أيمن الغندور في بلد ‘ما لهوش كبير’

محمد محمد السنباطي
عن مكتبة جزيرة الورد بالقاهرة صدر عام 2013 مجموعة “يا بلد مالكيش كبير” للدكتور أيمن الغندور مدرس الإدب الفرنسي بكلية التربية جامعة طنطا والحاصل على دكتوراه الفلسفة في الآداب من قسم اللغة الفرنسية وآدابها وموضوعها “الأسطورة والحقيقة في روايات أناتول فرانس” عام 2004 والذي صدر له قبل هذه المجموعة الشعرية بعام “قاموس العامية الفرنسية (فرنسي عربي) وسيصدر له بعد تلك المجموعة بعام مجموعة أخرى بعنوان “تحيا مصر”.

الغلاف الخارجي للمجموعة محل الدراسة لوحة معبرة عن شكل من أشكال الجحيم الأرضي؛ حيث النار والدم والدخان، ومع ذلك فعلم مصر مرفوع في الريح يقاوم الانحناء وإن كان لم يسلم من سواد تلك اللوحة القاتمة التي قام بتشكيلها ووقع باسمه عليها الفنان هاني صالح، بينما تتجلى “يا بلد مالكيش كبير” بخط واضح تمامًا أكبر بونط فيه تتمتع به كلمة “كبير”.

خط العنوان من النوع الحر، ربما ليتوافق مع الحرية المنشودة، أما اسم الشاعر فقد جاء كمضاف إليه تسبقه كلمة أشعار كمضاف. نحن إذن إزاء أشعار لم يتم تحديدها بأنها كتبت بالعامية المصرية مثلا وكأنما أريد بهذا أن يقال إن الشعر هو الشعر بأية لغة كتب وبأية لهجة دُبِّج.

ننتقل بعد ذلك إلى عتبة الإهداء؛ حيث اختار الشاعر أن يقدم عمله هذا إلى الفنان “علي الحجار”، وهذا ليس غريبًا لأن شاعرنا له قصائد مغناة. يقول في إهدائه:

“يا عم علي قول وانجلي الله عليك

صوتك أدان فيه الأمان تسلم عينيك”

بعفوية شديدة يخاطب الشاعرُ المغنيَ بقوله يا عم علي، وكأنما ليضعه في مرتبة الأخوة مع الأب فصار الشقيق للوالد والقريب من القلب، وكثير من شعراء العامية المصرية ينادون الأبنودي أو فؤاد حداد يا خال جاعلين منه أخا للأم، وكلا النداءين يجعل من قرابة الشعر قرابة دم ووراثة محببة، يتبع شاعرنا نداءه الحميم هذا بطلب جميل: “قول وانجلي” إنه طلب قريب من الأمر وما هو بالأمر، أو قل إنه بأمر العشم، “قول وانجلي” ثم يتبعه بالاستحسان المحبب والدعاء العفوي التلقائي “الله عليك”.

فإذا بالسطر الأول يجمع في كلمات قليلة بين ثلاث: النداء الحميم، والطلب الجميل الشبيه بالأمر، والدعاء الصادق.

ثم في البيت الثاني يصف الشاعر صوت المغني بأنه الأذان “صوتك أدان”، وكأنما يلخص الشاعر أغاني علي الحجار بهذا الرمز الديني وما فيه من روحانيات يؤكدها الشاعر بقوله “فيه الأمان” بمعنى أن هذا الصوت يأتي بالسكينة والطمأنينة إلى النفوس القلقة فيمسح عنها قلقها ويخلصها من توترها ليجيء الدعاء مرة ثانية كخاتمة لهذا البيت: تسلم عينيك!

لكن من حقنا أن نتساءل: ما الذي جاء بالعينين إلى هنا؟ الرغبة في الدعاء؟ كان من الأحرى أن يقال “تسلم حنجرتك” أو “يسلم صوتك” لأن الحنجرة هي المختصة بالصوت الذي هو هنا محور البث، لكن الشاعر لم يجد الكلمتين مناسبتين نغما أو قافية فاستعاض عنهما بالدعاء للعينين ببساطة لأن الأمر يتطلب الدعاء للمغني بأي شكل من الأشكال، وكان الشاعر مُصرًّا على الدعاء له فأسعفته العينان ولم تسعفه الحنجرة ولا الصوت.

ندلف بعد ذلك إلى القصيدة الأولى وعنوانها “التتار” وفيها يحذر الشاعر من خطر المغول الجدد الذين عادوا تحت مسمى آخر هو “اسرائيل”، هؤلاء القتلة الذين يجب علينا أن نصحو من غفوتنا قبل فوات الأوان كما يحذرنا الشاعر لنجابه أخطارهم. وواضح أن شاعرنا يرى أن التمسك بالدين هو الوسيلة المثلى للوقوف في وجه هؤلاء الذين لا يتكلمون إلا بالبارود على حد قوله.

“يا بلال رتل قرآن علِّي صوت الأدان”

وليس أدل على ذلك الحس الديني من عنوان القصيدة الثانية “ولما بلال يدن”، وفيها يذكر جهاد صلاح الدين ويقول في نهايتها:

لازم عندك سلاح

ولما بلال يدن

حي على الفلاح”

لكن شاعرنا في القصيدة الثالثة كأنما يستدرك شيئا مُهما غاب عنه في قصيدتيه السابقتين فيقول على لسان مصر:

“بزرع طيبة وحنين

عيدين أصغر وأضحى

قداس أجراس ورنين

لكل المصريين

لأحمد وعلي وصالحة

وليام وإيفون وإيلين”

ولا يزال حب الوطن يأخذنا من قصيدة لقصيدة ومن صفحة لصفحة، ويزداد الحب كلما ازداد القلق على الوطن الموجوع:

“دي مصر هي الوطن

حرام تموت حرام

وطن مكتوم حسه

والكل هامه نفسه

أصوات الحق خرصوا

والشر مالوش جدود”

وها هو القصيد تنقلنا إلى عنوان المجموعة “يا بلد مالكيش كبير” ليقوم الشاعر باستعراض ألوان الفساد التي أدت إلى إزهاق أرواح العديد من المصريين:

“فيكي الفساد جبروت

كم واحد مات يا خسارة

ف العياط والعبارة

مُذَكرا باندلاع النيران في القطار المتجه إلى أسوان، وغرق عبارة “السلام” قبل أن ينتقل إلى ما جرى في ستاد بورسعيد من مآسي.

مكررًا: فيكي الفساد جبروت

وكلما تذكر الشاعر واقعة فاجعة ذكرها ثم كرر:

يا بلد مالكيش كبير

فيكي الفساد جبروت

وفي القصيدة التالية ترتفع صرخة الشاعر:

يا وطن مجروح

يا بدن بلا روح

ومع ذلك فشاعرنا مبهور بصبر شعب مصر وطيبة قلبه وسعة صدره فكأنما يغني له:

مليون سلام وبوسة

لشعب قلبه كبير

شعب مصر المفروسة

برغم خيرها الكتير

وكلُّ الشاعر ثقة بأن في آخر النفق ضوء، وفي نهاية المطاف انتصار:

الفجر والله راجع

ينور من جديد

ويا أدان طالع

رنين جرس حديد

والشعب صوته طالع

جامد واصل بعيد

رافض يكون خاضع

رافض يكون عبيد

مدركٌ تمامًا شاعرُنا ضرورة تلاحم أبناء الوطن الواحد وضرورة إصرار المواطنين جميعا على أن يطلع الفجر من خلف التلال مشرقا بنوره على بلادنا الحبيبة. الأذان من المساجد والأجراس تحن في الكنائس، والشعب يردد أناشيد الحرية. وإن كان وصف الجرس بأنه من الحديد بينما على حد علمي أجراس الكنائس من النحاس الذي يؤهل لها رنينها الثقيل الجميل، ويبدو أن القافية هي التي حكمت بذلك.

ما أسعدك شاعرنا بالربيع العربي في تباشيره الأولى، كنت ترجي فيه الآمال الكبار وكنا نحلم جميعا بغد أفضل. وها هي زجليتك الموسومة “ربيع العرب” تؤكد ذلك وهي زجلية تشبه الأراجيز التي كانت قديما تستخدم في حداء الإبل، السطر منها شطر من بيت، وهي مكونة هنا من ثلاثة عشر سطرًا تبدأ بـ “الأوله تونس ثورة الياسمين” وتنتهي بـ “يا ربيع العرب ليك مشتاقين”.

لتنقلنا كلمة مشتاقين إلى الجزء الثاني من المجموعة وعنوانه “كلام في الحب” بعد أن كان عنوان الجزء الأول “كلام في البوليتيكا”.

وفي هذا الجزء يؤكد شاعرنا تطلعه ليصبح شاعرا “غنائيا” بمعنى “مؤلف أغانٍ” فهذه الكلمات صيغت من أجل أن تغنى، من أجل أن تلبس فستان الموسيقى الأبيض وتزف إلى عشاق الأغاني فيحفظونها عن ظهر قلب. أغنية “بتحكي” أغنية “تكسبي” أغنية “بحب خجل خدك” والتي يتجلى فيها الوطن على هيئة الحبيبة المقيمة بأغوار القلب المتربعة على عرش الروح، وهذه الأخيرة سأقتطف منها:

“بحب خجل خدك

واعشق لون عيونك

بسأل مين قدك

بالقى الكل دونك

منتي الدار والضلة

وانتي الضحكة الطالّة

وانتي الشمس الهالـّه

نورك زاين كونك

بحب خجل خدك

واعشق لون عيونك

أغنية “حبك سهاني”، أغنية “حبيبي حس بيا”، أغنية “ألف سلامة”، وهكذا وهكذا….

وبعد أن يطوف بنا الشاعر في القسم الثالث المعنون بـ “كلام في كل حاجة” ينقلنا إلى القسم الرابع وعنوانه “كلام على لسان الحيوان”، وربما كان لدراسة الشاعر وثقافته الفرنسية أثر ما هنا حيث خرافات لافونتين التي من المؤكد أن شاعرنا قرأها وتعمق فيها. لكن لي ملاحظة على العنوان؛ فهذه القصائد الأربعة ليست على لسان الحيوان كما يؤكد العنوان، لكنها على أي حال تتخذ من الحيوانات موضوعا لها.

ومن خلال القصائد يلقي الشاعر بإسقاطات على الحياة والناس وهذا مثال:

الديك ماله جاله برد

والبقر بقى مجنون

الأسد غضبان واحتد

واستدعى الحكيم ميمون

قام القرد بكلمة رد

قاله في مخلوق فرعون

شره أصبح مالوش حد

لعب في جينات الكون

إنها روح النقد وإظهار الواقع تحت عين الميكرسكوب استهدافا لكشف حقيقته وأملا في إصلاحه.

وفي الجزء الرابع من المجموعة يكون لنا “كلام رباعيات”، وينهي الشاعر كل رباعية من رباعياته بتعبير “وياللعجب” كما كان صلاح جاهين ينهي رباعياته بكلمة “عجبي”.

ومن أمثلة هذه الرباعيات:

الدنيا لو خير كانت تنتهي

الدنيا لو شر كانت تنتهي

الخير اتخلق والشر جنب منه

ولكل منهم تلقى ناس تشتهي

وياللعجب

ولي ملاحظتان هنا، أولاهما أن كلمة “وياللعجب” ثقيلة إلى حد ما، وكان يمكن الاستغناء عنها. أما وقد كتبت فهي تعني المفارقة والتناقض بين أمرين، فإذا لم يكن ثمة مفارقة فما جدوى الكلمة؟

بعض الرباعيات فيها المفارقة واضحة جلية والأخرى مفارقتها هشة مثل هذه الرباعية:

باغزل تاني نفس الخيوط

مهما أعاني مش راح أموت

مهما أتألم صعب أسلم

راح أتكلم بأعلى صوت

وياللعجب

والرباعية لو تأملنا فيها سنجد أنفسنا أمام شخص مصاب بما يسميه علماء النفس “عصاب القدر” والمريض به يقع في نفس المشكلات مرات ومرات رغم قدرته على تجنبها. مرات يجد نفسه يغزل نفس الخيوط، مهما عانى فلن يموت، وسيظل يعاني، يتألم لكنه لن يستسلم. ماذا سيفعل إذن؟ سيتكلم بأعلى صوت، وكأن الصوت العالي علاج لما هو فيه من بؤس!

الشاعر هنا طبعا لا يتحدث عن نفسه وإنما يتقمص شخصيات متنوعة ليثري بها تجربته الشعرية بدون شك.

وقبل أن ننتهي من قراءة المجموعة لنا أن نتساءل: هل ثمة تأثير لدراسة الشاعر وتعمقه في الأدب الفرنسي لما كتب في المجموعة من أزجال شعرية؟

لا أكاد ألحظ ذلك، اللهم إلا في قصيدة “عشت وبقالك بيت في باريس”، والتي كتبها الشاعر أثناء إقامته في Ivry sur Seine قبل نشر هذه المجموعة بخمسة أعوام تقريبا، وفيها نرى الشاب القادم من الريف المصري يفرض حصارا حول ذاته خشية أن تأخذه الحضارة الفرنسية الغريبة عن حضارة بلده:

اوعى في يوم تصحى من النوم

تعمل اسمك مسيو موريس

واياك تاخد واحده منهم

وفيها يعدد أشكال الخطر الداهم!:

ايه ضمنك لو جالك بنت

تمشي عِدِل من غير ما تشت

ماتجيش تقول بالعري آمنت

سترك يا رب دانت المغيث

عشت وبقالك بيت في باريس.

واضحٌ تمام الوضوح إيمانُ الشاعر بحضارته التي درج عليها وأسكنها تحت جلده لا يحيد عنها ولا يتملص منها وبها يتمسك حتى ولو قبض على الجمر خوفا على هويته وإيمانا بها.

لكن السؤال المتبقي هو: هل سيظل شاعرنا الجميل د. أيمن الغندور متمسكا بالشكل الزجلي في أشعاره اقتداء ببيرم التونسي مثلا أم إنه سيسبح في بحار الشعر العامي الأكثر تحررًا فيما يخص القوافي وعدد التفعيلات والذي يبدو أكثر عمقا وأكثر استدعاء للتأمل وأبعد ما يكون عن المباشرة؟ هذا ما سنبحث عنه في أعماله التالية.

(ميدل ايست أونلاين)

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …