الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / ترجمة عربية لرسائل السجين العاشق أنطونيو غرامشي

ترجمة عربية لرسائل السجين العاشق أنطونيو غرامشي

حسونة المصباحي

صدرت العام الماضي ترجمة لرسائل أخرى كان المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1937) قد بعث بها إلى زوجته وأفراد عائلته من داخل السجن الذي أمضى فيه سنوات طويلة ولا جريمة له سوى إيمانه الصلب بالاشتراكية الماركسية. وإلى جانب الرسائل التي حملت عنوان “شجرة القنفذ والرسائل الجديدة”، قام المترجم بنقل قصيدة الشاعر والفنان بيار باولو بازوليني بعنوان “رماد غرامشي” إلى اللغة العربية، ليأتي الكتاب مثيرا للاهتمام، وعاكسا لجوانب مشرفة من الحياة النضالية لهذا المفكر الذي لا تزال نظرياته بشأن مكانة المثقف في المجتمع تثير جدلا ساخنا لا في بلاده وحدها، وإنما في جميع أنحاء العالم.
رسائل طريفة

كان أنطونيو غرامشي الذي ينتمي إلى عائلة متوسطة الحال من جزيرة سردينيا، قد أظهر حماسا مبكرا للماركسية، مبديا إعجابا شديدا بالثورة البلشفية التي أطاحت بالنظام القيصري عام 1917. وفي سنوات شبابه، نشر العديد من المقالات في الصحف والمجلات الاشتراكية والتقدمية للدفاع عن أفكاره ومواقفه بشأن العديد من القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية والفلسفية وغيرها. كما أنه ساهم في بعث لجان اشتراكية في جميع أنحاء إيطاليا.

كان غرامشي يؤكد دائما على أن تكون الثقافة حاضرة في التكوين السياسي والأيديولوجي. وبعد أن استولى الفاشيون على السلطة بزعامة موسيليني، وذلك عام 1922، شارك غرامشي في المؤتمر الرابع للشيوعية العالمية الذي ركز على القضية الإيطالية. وكان لا يزال في موسكو لما اعتدت الميليشيات الفاشية بالعنف على المشاركين في جنازة أخيه في مدينة تورينو، كما قامت باعتقال البعض من قادة الحزب الشيوعي.

وفي عام 1927 تم القبض عليه وأودع السجن. ورغم الأمراض التي تكالبت عليه، ورغم أن السلطات الفاشية سعت لحرمانه من الكتب ومن الوثائق التي كان في حاجة إليها، لم ينقطع غرامشي عن الكتابة حول القضايا التي كانت تشغله. وكان يحرص على أن تكون الرسائل التي يبعث بها إلى أصدقائه، ورفاقه، وأفراد عائلته عاكسة لأفكاره وآرائه ومواقفه السياسية والفلسفية.

تكشف الرسائل، الصادرة في نسختها العربية عن دار”التكوين” بدمشق، جوانب طريفة من حياة غرامشي في مرحلة الطفولة والمراهقة والشباب، كما تكشف عن ميوله الفكرية والأدبية في المراحل المذكورة لتظهر انجذابه الشديد لقراءة الروايات الشهيرة والكتب الفلسفية والتاريخية.

إلى الزوجة والأبناء

في رسالة بعث بها إلى تانيا، يشير غرامشي إلى أنه لما كان في الثامنة من عمره كتب موضوعا إنشائيا مجيبا عن سؤال “ما أنتم فاعلون في حياتكم؟” فيه عبر عن ميله إلى أن يكون سائقا لعربة التحميل. وسبب اختياره لهذه المهنة الشاقة يعود إلى أنه كان يعتبر الشخص الذي يقوم بهذه المهنة “يجمع في شخصه كلّ صفات الإفادة والإمتاع. وهو يستعمل السوط ويقود الجياد، وفي نفس الوقت يرفعُ قدرَ الإنسان ويعطيه خبزه كفافَ يومه”.

وفي رسالة أخرى لتانيا يتحدث عن إعجابه بالطيور، مشيرا إلى أنه حرص على أن يكون عصفور الدوري رفيقه في الزنزانة. وهذا العصفور ينفر من أن تلمسه يد إنسان. وكلما حاول هو أن يفعل ذلك، اشتد غضب العصفور، ونشر جناحيه، ونقر يده بـ”شكيمة كبيرة”.

في رسالة أخرى إلى دليو، يتحدث غرامشي عن جولة قام بها برفقة صديق له في حقل تفاح ذات ليلة مقمرة. فجأة خرجت القنافذ من جحورها، واندفعت وكأنها “صفّ من الهنود” تلتهم التفاح بنهم. وعندما بدأت القنافذ تستعد للعودة إلى جحورها، قز هو ورفيقه لجمعها في الكيس. وعلى مدى شهور طويلة، ظلت تلك القنافذ طليقة في حوش البيت، وكفت عن التكور على أنفسها في حضور البشر.

ويطلب غرامشي في رسالة من ابنه الصغير جوليانو أن يكتب له انطباعاته عن أول مرة رأى فيها البحر، ويكتب له قائلا بحميمية طفولية “هل تجرّعت الكثير من الماء المالح وأنت تسبح؟ هل تعلمت السباحة؟ هل تصيّدت أسماكا صغيرة وسلعطونات؟”. وفي رسالة أخرى إلى جوليانو، يكتب غرامشي قائلا “في عمرك كنت فوضويا جدا، أمضي ساعات طويلة مُتسكعا في الحقول، لكني كنت أدرس جيّدا كذلك. وكانت ذاكرتي قوية جدا، وحاضرة ولم يكن يفوتني شيء مما هو ضروري للمدرسة”.
ويضيف غرامشي قائلا إنه كان “ماكرا ويعرف كيف يتدبر أمره مع المصاعب حتى في تلك الأوقات التي لم يكن يبذل فيها جهدا كبيرا في الدراسة”. وفي رسالة إلى جوليانو يتحدث غرامشي عن الكاتب البريطاني ويلز مشيرا إلى أنه لا يعجبه كثيرا. وككاتب قصص خيالية، هو يبدو له “مُغرقا في الحشو وفي التقنية”. أما كمؤرخ فتعوزه “المبادئ الفكرية، والتنظيم والتفكير المنهجي”. ويختم غرامشي رسالة بعث بها إلى ابنه الآخر دليو بهذه الفقرة البديعة “ههنا لم يبرد الطقس كثيرا بعد. ثمة على الدوام زهور متفتحة. وليس عندي أيّ طائر. لكنني أرى في الفسحة دائما زوجين من الشحارير وقططا لتنقض عليهما. ويبدو لي أن الشحارير لا تعبأ بالقطط وهي دائما مغتبطة ورشيقة في حركاتها وتنقلاتها”.

وفي رسالة أخرى إلى دليو، يعبر غرامشي عن حزنه لرحيل الكاتب الروسي الكبير مكسيم غوركي الذي توفي في الثامن عشر من يونيو 1936، مشيرا إلى أن تولستوي كان هو أيضا “كاتبا عالميّا”.

وهو من”الكتاب النادرين الذين أمكنهم بلوغ الكمال الأقصى في الفن”. لذا هو لا يتردد في أن يضعه إلى جانب العظام من أمثال هوميروس، وأسخيلوس، ودانتي، وشكسبير، وغوته، وسرفانتس. وإلى أمه الغالية، يكتب غرامشي قائلا إنه “لم يفقد لذته بالحياة” داخل السجن، وإن كلّ الأشياء “لا تزال تثير اهتمامه”. كما أنه لم “يشخ بعد” إذ أن الشيخوخة في رأيه تبدأ بـ”خشية الموت وعندما نغتمّ لرؤية الآخرين يفعلون ما نحن عاجزون عن فعله”.

أما طالما يشعر الإنسان بـ”لذة العيش، ولا يزال يتوق إلى بلوغ هدف ما، فهو لا يزال قادرا على تحمل كل الأسقام”. وفي رسالة إلى تانيا، يشير غرامشي إلى أن مسألة الأعراق التي أثارتها في رسالة بعثت بها إليه، لا تعنيه إطلاقا.

(العرب)

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …