الرئيسية / . / ملكون ملكون صوت شعري عربي في المهجر السويدي

ملكون ملكون صوت شعري عربي في المهجر السويدي

عبد اللطيف حاج محمد

في مدينة إسكلستونا وسط السويد قضينا يوما كاملا مع الشاعر والأديب السوري ملكون ملكون، يخصص وقتاً كافياً خلال النهار لزيارة المتاحف، أو الرسم، يدوّن ملاحظات، يرسم مخططات، يصنع خططا، وتصحيحات. ثم يغلق على نفسه الباب في غرفته ليكتب.
الرصاصة والكلمة

نسأل ضيفنا بداية عن كيفية الكتابة وهدفها المنشود ليقول “أحياناً تشعر أن رئتيك مسدودتان وأنك بحاجة إلى رئة ثالثة تتنفس منها وبها، وأنا أجد بالكتابة رئتي الثالثة التي تمنحني توازناً نفسياً في عالم مجنون لا مكان فيه للعقلاء”.

يتابع ملكون حديثه عن جدوى الكتابة في الأزمنة الكارثية ليقول “عندما تكون الرصاصة في مواجهة الكلمة تصبح المعادلة أصعب من أن يحكمها المنطق، وعندما يصبح وجع الناس وخوفهم وشتاتهم أكبر من حروف اللغة وكلماتها وبحور الشعر وقوافيه وحداثة الحداثيين تصبح الكتابة ترفاً وبذخاً لغوياً ليس إلا. لذا نتفقد أصابعنا في هذا الزمن الكارثي، ولا نملك إلا أن نقول للناس: اعذرونا حبرنا لم يكن بحجم آلامكم ووجعكم وغربتكم وشتاتكم”.

كتاب ملكون الأخير “على قميصها يقترعون” صدر باللغتين العربية والسويدية، وأمر ازدواج اللغة كان في البداية شبه مستحيل، نظراً إلى الكم الهائل من الإحباط الذي يواجهك من كل ما يحيط بك، كما يقول الكاتب، لكنه يستدرك قائلا إنه مع دخوله أكثر فأكثر في الحياة الثقافية السويدية وجد أن الأهم بالنسبة إلى السويديين أن تبقى قابضاً على حلمك يانعاً طرياً، بعكس الجمر الذي يقبض عليه الكاتب العربي في بلاده.

يتابع الكاتب “برؤية الجاهل والغافل طرقت كل أبواب المؤسسات العربية والسورية هنا في السويد عارضاً بضاعتي التي كنت أشعر أحياناً بالخجل منها نظراً إلى ردود الفعل الساخرة والشفقة أحيانا، لذا قررت أن أطرق آخر الأبواب لعل وعسى قبل أن أترك الكلمات رهينة كمبيوتر صامت، فقصدت مؤسسة ‘ستودي فرامايندت‘ السويدية ورغم أن لا تجربة لهم في دعم طباعة الكتب إلا أنهم تحمّسوا للمشروع ولم يستغرق إقناعهم بتفاصيل المشروع أكثر من جلسة واحدة. وكانت لي فرصة المشاركة في معرض الكتاب العربي الأول في اسكندنافيا بمدينة مالمو السويدية بكتابي هذا بعد صدوره بأيام قليلة، حيث شهد هذا المعرض نجاحاً لافتا”.

نتطرق مع ملكون إلى الحديث حول الحركة الأدبية في المهجر، إذ هو عند وصوله إلى السويد في صيف 2014 كان يعيش هاجس التساؤل؛ لِمَ لا تكون أوروبا محطة جديدة للأدب المهجري؟ وأسلافنا في بدايات القرن الماضي كانت ظروفهم أصعب ومع ذلك أسسوا حركة أدبية مهجرية لا تزال باقية حتى الآن. لكنه يرى أنه الآن في القرن الحادي والعشرين وفي أوروبا التي تشرع الأبواب لحرية الإبداع تبدو الأمور أسهل بالنسبة إلى الكتاب من المهاجرين، من هنا تبدو المسؤولية ملقاة علينا جميعاً كي نؤسس أدبا مهجريا جديدا، لكننا بحاجة إلى محبة حقيقية فيما بيننا، كما يقول.

يؤدي ملكون ملكون نصوصه الشعرية خاصة بشكل جيد على المسرح، وهو لا يتعمد التأثير على المتلقي وتسويق ما هو غَثْ له بطريقة مبهرة، كما يقول، بل هي طريقة في الإلقاء يؤمن بأنها قادرة على شد انتباه المتلقي وإيصال المضمون إليه بطريقة تحترم النص والمتلقي في آن واحد.

نطرق مع ضيفنا باب الحرية وعلاقتها بالكتابة، إذ يرى أن الحرية مفهوم مطلق وفضاء رحب يشعر الجميع بحاجة إلى التحليق فيه. في بلادنا كنا نكتب ونتلمس هواء الغرفة كي لا يشاركنا أحد استنشاق هوائها، الكتابة ليست فعلا منفلتا غير منضبط، بل هي فعل إنساني نبيل الجميع بحاجة إليه، وبدون الحرية تصبح الكتابة سجناً وقيوداً وسلاسل.
يضيف “نعم أنا بحاجة إلى الحرية لأكتب، أؤمن بأن الكلمة تخيف الأنظمة القمعية أكثر من أي شيء آخر، والمبدع مهمش ومقموع ويتم تسويقه للمجتمع بصورة نمطية كارثية، انظر معي كيف تبدو شخصية المثقف أو المبدع في الدراما العربية، شخص بوهيمي غير متوازن نفسياً، ماجن، وغالباً ما يكون في الدراما من مدّعي الكتابة وبلا موهبة، وبالتأكيد هذه الصورة المشوهة لم تأتِ عفوياً بل عن عمد لكسر حالة الثقة بين القارئ والمثقف.
الوطن والمهجر

عن مكانة الشاعر لا يسعى ملكون إلى أن يشار إليه بالبنان بل يسعى إلى ترك بصمة مّا تدع من يأتي يقل “هذا الكاتب مَرَّ من هنا”، فللشهرة والأضواء بريق أخّاذ لكنه ليس كل شيء بالنسبة إليه، فالحياة تتضمن تفاصيل أكثر بساطة وبريقاً وعمقاً، فيها ما يشي بالغياب، وفيها ما يؤكد الذكرى، لذا لا يقتفي هو أثر الألقاب والتسميات فهي لا تهمه في زمنٍ باتت فيه الألقاب تُمنح بشكل فوضوي ومجاني، فتحولت مع الأيام عبئا على أصحابها فمنهم من يجف لديه الرصيد الإبداعي، ومنهم من يصّر على الكتابة من برجه النخبوي الذي يبلغ أحياناً حد ازدراء أوجاع البسطاء والمهمشين، وبالتالي فإن الجوائز تصبح لحظة فارقة ليس إلا، فهو يجد نجاحه الأكبر وجائزته الأثمن في إحساس القارئ بأنه يكتب ويعبر عوضاً عنه مبرزاً وجعه وحنينه، وربما يجد كل ذلك في دمعة بعين سورية أو عين سويدية عندما يصغون لما يقرأ لهم.

عن مشروع “نبض شرقي” يحدثنا ملكون قائلا “في ظلال المنافي وبرودة الغربة عليك أن تملك ناصية الإرادة والتصميم لتكون صورة ناصعة عن وطنك وثقافتك وجذورك.

في السويد حيث تتقاطع الألوان والثقافات في المجتمع واسع الطيف، نبتت فكرة تقديم الثقافة السورية بشكلها الحقيقي بعيداً عن الصورة القاتمة التي تعيشها سوريا، وتحدياً للاستسلام للحزن والبكاء والتباكي على ما قد مضى بل لجعل الوجع السوري منطلقاً للنجاح والتألق”.

يتابع “في ربيع عام 2015 نبتت الفكرة الأولى لـ’نبض شرقي’ كمجموعة ثقافية حيث قدمنا عدة أمسيات احتفاليات ثقافية وفنية في مدن سويدية عديدة، ثم كانت الخطوة التالية بإطلاق موقع إلكتروني ثقافي باسم ‘نبض شرقي‘ يهتم بالشأن الثقافي التنويري وبأوضاع المهاجرين، ثم تحولت مجموعة ‘نبض شرقي‘ إلى ناد ثقافي مرخص له ومعترف به من قبل الحكومة السويدية وبات يقوم بنشاطات ثقافية واسعة موجهة للجمهور العربي والسويدي، وصار ناقلاً أميناً لثقافة متأصلة الجذور في ذاكرة الإنسانية عبر العمل على اندماج المهاجرين في المجتمع الجديد.

 

(العرب)

شاهد أيضاً

على ضفة نهر بلا اسم.. ل -أمل زقطان-

-أمل زقطان-   عندما يأتي المساء. البيت يستعد لنومه، الأبواب والنوافذ، الأرواح المستنفرة والمستعدّة للخروج …