.

نيكولا تريون يحول مقابلة صحافية إلى عمل مسرحي

أبو بكر العيادي

“حوار” (بمعنى مقابلة صحافية) مسرحية صاغها نيكولا تريون، الصحافي بجريدة “لوموند” والمسؤول عن “مسرح الأفكار” و”مساجلات العالم” في مهرجان أفينيون، انطلاقا من حوارات شهيرة، لأعلام بارزين في دنيا السياسة والأدب والفن والمسرح، وحتى لأناس عاديين، ليقترح نظرات متقاطعة إلى مجريات عصرنا وتحولاته، وقد اختار الحوار، وهو الذي طالما مارسه بحرفية عالية، لأنه على حدّ قوله، “نقاش مخصوص، فريد من نوعه، لكونه موجها إلى جمهور من القراء أو المستمعين أو المشاهدين، حسب أداة الاتصال المستعملة”.

وتريون في مسرحية “حوار” التي تعرض حاليا بمسرح “بلفيل” الباريسي لا يستعمل تلك الحوارات كمادة توثيقية، بقدر ما يجلو منها موقفا من الحياة والنفس يُنتزع أحيانا رغم أنف المستجوَب، والغاية، في هذا العصر الذي يعمّه الهذر والثرثرة، إبراز حقائق ومقولات تقطع مع الابتذال والامتثالية.

فالحوار، منذ ابتكار الصحافة، عمّ العالم، واتخذ أشكالا تتراوح بين التواطؤ والمجاملة، وبين المشاكسة والاتهام، هذا التعدد هو ما أراد تريون تناوله، بالرجوع إلى لحظات مأثورة من حوارات كان أبطالها مارغريت دوراس، وبيير باولو بازوليني، وجيل دولوز، وميشيل فوكو، وإمانويل كارير، وكاترين دونوف، وحتى بعض مشاهير المحاورين في التلفزيون الفرنسي مثل تييري أرديسون، وبرنار بيفو، وفلورانس أوبنا، أو البيلورسية سفيتلانا إليكسيفيتش الفائزة بجائزة نوبل للآداب، دون أن يكون الأداء تقليدا لهذه الشخصية أو تلك، بل إعادة تركيب وبناء وخيال.

ورغم بساطة الحوار الظاهرة، لا يدري المستجوِبُ والمستجوَبُ إلى أين سيقودهما، فهو حديث خاص بينهما، لا يقول فيه الطرفان حقّا ما يجول بخاطريهما في الغالب، إذ ثمة أشياء لا يجدر أن يُسأل عنها المرء، وأشياء أخرى لا يبوح بها إن سُئل، فقد يكون الجواب أحيانا مرهونا بمركز المستجوَب الاجتماعي، الذي لا يسمح له بأجوبة عفوية، لأنه قد يؤخذ بجريرة قوله.

كل ذلك صاغه تريون في شكل مسرحية فلسفية تدعو إلى التأمل والتفكير، ولكنه شفعه أيضا بمواقف هزلية، أو ساخرة، تعمدها أصحابها أو وردت عفو الخاطر، من الكذب المتعمد، والرهبة التي تجاوز الحد، إلى الأسئلة (أو الأجوبة) المثيرة أو المستفزة، من ذلك مثلا “من الذي كنت تفضل ألا تصادفه أبدا؟ أي سنّ تريد أن تبلغ؟ أي رجل سياسي يسرك خبر موته في حادث؟ هل تمزح حينما تكون وحدك؟ إذا فرضنا أنك لم تقتل أحدا في حياتك، فكيف تفسر أنك لم تقدر عليه؟ ماذا ينقصك كي تكون سعيدا؟ هل تستطيع على الأقل أن تصادق نفسَك؟”، وهي أسئلة مشوبة بالمرح والسخرية، ولكنها تعكس صورة عن العصر.

ولما كان الحوار تبادلا، فقد استعمل المخرج تقنية “ميكرو الرصيف” لسؤال المتفرجين “هل أنت سعيد (ة)؟”، قبل أن يبث على شاشة فوق الخشبة مقاطع من شريط مماثل أنجز في ستينات القرن الماضي يسأل فيه المخرج والإثنولوجي جان روش وعالم الاجتماع إدغار موران المارةَ عن رأيهم في السعادة.

وقبل أن نكتشف جوانب طريفة أو مقززة عن بعض الأعلام، كميشيل فوكو الذي كان يقبل الإجابة عن أسئلة “لوموند” شريطة ألا تذكر اسمه، أو المخرج السينمائي الشهير جان لوك غودار وهو يسأل مارغريت دوراس “نجب طفلا، ثم ماذا نفعل به؟”، ذلك أن المحاوِرين عادة ما يلاحقون الشخصيات المعروفة كي يرغموهم على الكشف عن أفكارهم الحقيقية، وليست تلك التي ينطقون بها للعموم.

توخى تريون إخراجا بسيطا ولكن ملائما وفعالا، استند فيه إلى ممثلين بارعين يتنقلان في ركح مقتصد الديكور، مع مزج ذكي بين المسرحة والأرشيف، لخدمة فن الأسئلة، ويشعر المتفرج بمقدار الجهد المبذول في البحث والتوثيق لإعداد عمل فرجوي، يدور في مرحلتين غير متكافئتين: الأولى تبادل فيه نوع من التواطؤ الخفيف بين نيكولا بوشار وجوديت هنري.

للإشارة بذكاء إلى مهارة الصحافيين وقدرتهم على انتزاع أجوبة لا يروم المستجوَبُ قولها، وذلك بالتوسل بألوان التأثير والانفعالات الإيجابية ومنح الطرف المقابل ثقة كي يرد بأريحية كما يرد على صديق. والثانية، وإن كانت عصية نوعا ما، تستوجب قدرا من الإنصات والتركيز، فهي تعطي الأولوية لأهمية الكلمات، والأسئلة والأجوبة، وأساليب الاتصال، حيث يقول تريون “من الحكمة اليوم، في عالم صارت الأمور فيه تجري على غير ما نشتهي، أن نخصص الوقت أحيانا كي نسأل أنفسنا بعمق”.

لقد أضحى الحوار في عصرنا عبورا إعلاميا ضروريا للسياسيين والفنانين والرياضيين، وبفضل المسرح، تحول هذا التمرين الأسلوبي إلى مادة تمثيل، وإمتاع، وتفكير، وبين إلقاء المستجوِب في حلبة الأسود أو إجلاسه في عيادة محلل نفساني، يبني فن المحاورة هنا فضاء يمكن للكلمة داخله أن تتحرر.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق