.

التشكيلية الفرنسية «فيفيان فيردي»: عابرة الصمت وصاحبة المعجزات الصغيرة

عبد الله الحيمر

«الإشراق الروحي هو الذي يجب أن يولّد العمل، الفكرة لا يجب أن تسود على الطبيعة. وحدة الأشياء هي التي تنتصر. هذا هو المبدأ الثابت». (هوانج يوان).
هناك ثلاثة أشكال كبرى للحضارات .. حضارة الصورة (الحضارة الأوربية وامتدادتها في أمريكا الشمالية والجنوبية)، وحضارة العلامة (الهندية والصينية والعربية الإسلامية)، وحضارة الإيقاع (الحضارة الأفريقية). أما حضارة العلامة فيكون فيها الخط فيها أحد أهم أسسها كما يقول فرنسوا شانغ .. «إن سطوة فن الخط تتحقق على مستوين، فهو من جهة يقوم على تحويل اللغة إلى فضاء ذي حرية شعرية، وحيز من جهة ثانية، وفي الآن نفسه يقوم بإعادة تأليف الفضاء المجرّد لتحويله إلى أشكال زخرفية». كما تضيف الكاتبة الصينية آن شنغ في كتابها (تاريخ الفكر الصيني) .. «إن الأوربيين حينما قرؤوا الفكر الصيني بعيون أوربية، وجدوا فيه نوعا من التكرار الذي يفتقد إلى الإبداع. واحتاروا عند تصنيفه إلى فكر أو فلسفة. فالفيلسوف الصيني لا يبدع مفاهيم جديدة، بل أقصى ما يطمح إليه هو التناغم والانسجام بين مقولات الأجداد، انطلاقا من التناغم بين الأرضي والسماوي، لأن في هذا التناغم والانسجام تكمن سعادة الإنسان على مر العصور». هذا ما كانت تبحث عنه الفنانة الفرنسية «فيفيان فيردي» في دواخلها عن الحضارة الصينية، كحضارة العلامة التي لا تعرف عنها شيئا. حضارة تمنح للخطاط التمرين الفطري للولوج لعالمه الداخلي، ليعتنق أول صورة سجلها قلبه أيام الطفولة المفخخة بالبراءة.

بداية الرحلة

بعد تخرجها في سبتمبر 1983 في كلية الفنون الجميلة في تولوز، ذهبت فيردي للتبث وعمرها 22 سنة. كان ذهابها بمثابة تحدي لكل الظروف السياسية للصين في الثمانينات، حيث كان ينظر إلى كل غربي يزور التبث على أنه غير مرغوب فيه. فالتحقت بجامعة (تشونغ تشينغ). عند وصولها للصين وافق السيد «هوانغ يوان»أن يقدمها لهذا الفن بعد فترة من الاختبارات لتقييم دوافعها الفنية، حيث قال لها « بعد ما رأيت رسوماتك وجدتُ لديك صدى داخلي، إنك تستحقي أن تدرسي، وإذا كنت تبدئين معي بالعمل الفني، فهذا يتطلب منك 10 سنوات من العمل الجاد». وبعد عدة أشهر من ممارسة الرسم بفرشاة حديدية، تعلمت كيف تهب الحياة للخط الأفقي الصيني.
العودة إلى السماء
ويضيف يوان .. «إذا كنت ترغبين في عمل التصورات النهائية من خلال الحبر الصيني، يجب أن يكون لديك حالة من التواضع والشفافية، عندها فقط يمكنك إحداث هذا الشعور في لوحاتك .. قلق، هدوء، صمت. هذا هو الفراغ الذي سوف يؤثث لوحتك بالمستقبل .. من فراغ قماش لوحتك تنبع الفكرة مثل الشرارة الصافية». ما علمه اياها استاذها ليس فقط التقنية، بل جذور الفكر الصيني القديم. فأصبحت تعي أن الفكر الصيني يشدد على أن العقل لا ينفصل عن الجسد. فالإنسان لا يعمل منفصلا روح ومادة في آن واحد. ويؤمن الانسجام العضوي نفسه لنظام الكائنات على مختلف الأصعدة. لذلك تكثر في الفكر الصيني مصطلحات انسانية تتكرر باستمرار .. تعايش، تناغم، تكامل. فالعالم شبكة من العلاقات المتصلة بين الكل والأجزاء، دون أن يعلو أحدهما على الآخر. «الحياة تولد الحياة دون هوادة في حركة دائرية وحلزونية، ما من موقف مسبق. لا رجوع إلى الخلف، ولا انحراف. الكل يتجه نحو الضرورة القصوى، والكل يعود إليه، من الأفضل الاعتناء بجذر الشجرة الذي ينتزع الحياة من باطن الأرض، ويبقى صوب السماء».

الخط الصيني

تقول حكمة الخط .. «لا تدع الفرشاة تقودك، ولا تترك الحبر يستعملك». تعلمت فيفيان فيردي كيف تجعل الفرشاة بين أصابعاها طليقة تخط بحرية ما بأعماقها، لأن الخطاط في نهاية مساره الفني يكتشف ان الحرية التي تخترق خطوطه على القماش وهو يكثف كل طاقاته الجسمية في لحظة رسم الخط هي بصمة من المعروف ولا معروف، الوعي و اللاوعي. فاكتشفت نظرية الخطاطين الصينيين عن الرسم، بأن «الصورة لا شكل لها».

الخط كائن حي

تقول فيردي .. «لوحاتي تعبر عن رغبة من المتعة، نوع من النعيم، ملجأ ضد الحزن، المتعة التي تركتها المناظر الجميلة مند طفولتي، جلبت لي أكثر اللحظات المكثفة بالفرح والسلام. فهمت أن النشوة التي تصمت أو تصرخ، ليست هبة من السماء، ولا يجب أن نظل مكتوفي الأيدي ننتظرها، ولكن الفوز بها يتطلب مجهوداً لصقلها، وكذلك نصيب من الموهبة لصياغتها». كما أصبح لها مفهومها الخاص بالخط، على انه كائن حي في حد ذاته ينبع داخليا من منابع القلب، مخلوق من الطبيعة مثل بقية الأشكال. «حينما أنتهي من فرشاتي، تحصل لي دهشة عدم التعرف على ما جرى وأنا أرسم. هذه المعجزات الصغيرة حصلت معي».

إكتشاف الفراغ

إكتشفت الفنانة الفرنسية فيفيان فيردي فكرة الفضاء والفراغ بالثقافة الصينية، ذلك أن الفضاء بالنسبة للخطاط الصيني هو امتلاء، وكأنما لا يمكن حتى للهواء الدخول إليه. رغم أنه مساحة واسـعة يمــكن للخــيول ان تركض وتتسابق فيها. الفراغ هـو الذي يعطي الأشكال الممتلئة قيمتها، وليس المقصود هنا بالفراغ مجرد ترك مـساحات غـير مخطـوطة. إنما لابد للـــفـراغ أن يكون مـسكونا، كما هو في الشكل العام للكلمة. وبـهذا يحـصـل اتحاد على الورقــة ما بيـن جــســم الكــلمة واللاجسم لها. وهكذا الفراغ ليـس خارج شكل الكلــمة ولا يعارضه، وإنما مكمل له.

عابرة الصمت

تقول فيردي في كتابها «عابرة الصمت»، الكتاب الذي أرّخت فيه لرحلة عشر سنوات من التعلم بالصين .. «من الآن فصاعدا، تعلمت أن الإنسان مثل العالم يتنفس، وأن الخطاط الفنان يجب أن يتمتع بقلب كبير لكي يسمح له أن يمنح لخطه النفخة الأولى للكون … كذلك على الخطاط أن يكون رحالاً وعابراً للصمت، مزهواً برغبة إعطاء ذوق للخلود والأبدية».
تماهت فيفيان مع مقولة غارسيا ماركيز .. «البشر لا يولدون دوما يوم تلدهم أمهاتهم، وإنما تجبرهم الحياة على ولادة أنفسهم بأنفسهم ثانية ولمرات عديدة». فعاشت تجربة عبور الصمت بأقاصي إقليم التبت، بكل عنفوانها وآلامها وتضحياتها لتفوز بطمأنينة الصمت وتعانق الجمال والإتقان والكمال، وتقدم للغرب هذه التجربة التشكيلية الفريدة، لشرق لم يفهمه الأوربيين عبر لوحات عملاقة وكتب تؤرخ لرحلتها بالصين، منها .. «الضربة الفريدة للفرشاة»، «الفراغ والفضاء»، «معبر العلامات»، «ما بين السماء والأرض» و»حينما نعبر على الحجارة بالعلامات».

علمتك لتكوني فنانة

ومن غريب المصادفات أن الحكومة الفرنسية عيّنتها ملحقة ثقافية في السفارة الفرنسية في الصين، حتى تستفيد من خبرتها في تقريب ثقافة الشرق من الثقافة الفرنسية. فجاءها معلمها الأول الصيني «هوانغ يوان» إلى مقر مكتبها بالسفارة الفرنسية، وقال لها في نبرة حادة «أنا لم أعلمك عشرة سنوات لتكوني موظفة، أنا علمتك لتكوني فنانة».

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق