مسرح موسيقى

المسرح فضاء الأصوات وأرض جميع الفنون

عماد المي

نا مواطنة تونسية الأرض والتراب والموطن، معاصرة محيطها العالم اليوم الآن وهنا، مواكبة لأنها تحب الناس والحياة والفن، تعيش بالحب وللحب ومن أجل الحب وزرع الأمل والفرح في قلوب الناس. مهنتي ممثلة وهي كذلك طريقة حياة ورؤية للعالم. هكذا قدمت رجاء بن عمار نفسها.

وتضيف “أنا حواس خمس وجسد وعقل وروح. مركزي هو حواسي الخمس أين تتجمع الطاقة وأستمد طاقتي من الأرض. لتنظر مثلا نحن دوما منجذبون إلى القاعة أحببنا أم كرهنا وما علينا إلا معرفة أسباب انجذابنا إلى القاعة وتجاوزها والتحلي بالشجاعة والإرادة والمسؤولية التامة والواعية لندفع بأنفسنا إلى الرقي والتقدم وفتح نوافذ للجيل الجديد من المبدعين والمبدعات وتسليمهم مفاتيحنا التي تعلمناها لأنهم هم مستقبلنا وضمان ديمومتنا الحقيقية وهم طريقنا إلى الخلود وحمايتنا من النسيان”.

كما تقر ضيفتنا بأن معرفة قواعد اللعبة وتحلينا بالمسؤولية تجاه ذواتنا وتجاه الآخر المحيط بنا أمر حتمي لا يقبل النقاش والمساومة فـ”أن تؤمن بشيء هو أن تكون على درجة عليا من الصفاء والنقاء والوضوح”.

الإنسان المرعب

حول رأيها في العالم اليوم، تقول الفنانة لـ“العرب” “عالم اليوم على قدر ما فيه من طاقة للتحرر تتحلى تقنيات هذه الطاقة وآلياتها في الآن نفسه بالروعة والخطورة، مثلا اليوم بمقدور أي مواطن أن يحصل على المعلومة مهما كان نوعها ومهما اختلف مجالها وهذا ما تسبب في تراجع السلطة والحكم لأن المعلومة كانت محتكرة من قبل السلطة أو الحاكم وهي سر قوته حيث يمتلك معلومات سرية عن طريق أجهزته السرية من مخابرات وأمن دولة أو أمن قومي إلى غير ذلك من الأجهزة التي كانت تحتكر المعلومة”.

تلفت بن عمار إلى أن كل شيء أصبح معلوما اليوم، ومن ثمة نجد أن نفس الآلة تعطينا الإمكانية بأن نقول آراءنا بأي لغة كانت وبأي أسلوب ممكن، تستشهد هنا بالأحرف التي تكتب بها الرسائل الجوالة، حيث أصبحت تسمح باستعمال أرقام كأحرف مثلا الحاء 7 والعين 3 والقاف 9 إلى غير ذلك، فمن كان يتخيل في زمن مضى أن الأحرف العربية ستصبح على هذه الشاكلة؟ نحن نظن أننا أحرار بهذا الشكل، ولكن العولمة سمحت لنا بهذا.

تقول الفنانة “رأس المال بشكله الحاضر لم يترك لنا المجال للصدفة والعفوية، فالرأسمالية الجديدة التي تبعث على القرف هي التي خلقت كل شيء. لذا تغول المال في العالم وارتفعت قيمته أكثر من البشر، وبالتالي أصبح أجمل ما لدينا ضدنا، فهم يسوقون لنا نظرة إلى العالم ويسوقونها لأنفسهم، فالتعليم الفعلي مثلا لا يصل إلا إلى من لديه المال أي إلى من يشتري المعرفة. التعليم أصبح للأغنياء والصحة كذلك. ويبقى كل ما هو إنساني من نصيب الفقراء. ما أقوله معلوم بشكل كبير، اُنظر إلى الغليان في العالم اليوم، ولكنه مازال لم يفرز قوة تبدل وتغير حقيقية”.

نسأل ضيفتنا كيف ترى كفنانة ومثقفة إنسان اليوم، لتجيبنا بأن إنسان اليوم إنسان مخيف جدا، وقد يكون من أروع الحيوانات، لكنه ليس من أروعها بشكل مطلق، فعندما ننظر إلى نحلة صغيرة أو عنكبوت كيف يصنع جماله ننبهر ونحس أحيانا بالعجز. الإنسان مرعب ولكن له طاقة غريبة وشجاعة للتحمل والإبداع، فهو يخلق من اللاشيء أشياء، كما يخلق من الأشياء الصغيرة والبسيطة أشياء رائعة ومفزعة، إنه مبدع بامتياز”.
نتطرق مع ضيفتنا إلى الحديث حول دور المبدع، إذ ترى أن على المبدع أن يتحلى بالصدق والبساطة والوعي الحاد ويتسلح بالمعرفة والذكاء حتى يضمن النجاعة. وتقول “أنا مثلا حتى في الحالات التي تبدو صعبة جدا، تضعني مهنتي في المحيط وتمنحني إمكانية العيش الآن وهنا ودون تردد وبحب، وأن أتواضع وأدخل في الإبداع لأن الإبداع والتفاؤل هما الحل. بالنسبة إلي الإبداع هو شيء خاص لا أستطيع أن أتخلى عنه حتى وأنا في المطبخ وهو طريقة عيش ورؤية، فالإبداع تقديم رؤية أخرى ممكنة للناس مقابل ما هو كائن، رؤية حالمة ثائرة وصادقة ونزيهة، مقابل زيف العالم، ببساطة كيف يمكنك خلق عالم آخر جميل في تفاصيله البسيطة مقابل هذا العالم، هو أن أدلك على الطريق”.
ليس حكرا على أحد

يقودنا الحديث مع الفنانة إلى رأيها في المسرح اليوم، لتقول “الأجدر أن نقول ‘الفنون الحية‘، عندما تسألني أرى غازي الفريني مع ‘دريم سيتي‘ يقدم بث فيديو ومداخلة رقص، أرى عماد جمعة ماذا يفعل، أرى فن السيرك وملاك السباعي ونجيب خلف الله، كل هؤلاء يقدمون أشياء جميلة. وأرى نفسي في فضاء مدار، وأنا أقاوم لتأسيس فضاء مفتوح لكل نفس مبدع، وأضمن الحفاظ عليه، وهناك من يعرفون المتاعب ولكنهم فتحوا فضاءات للإبداع مثل غازي الزغباني وصالح حمودة وفضاء ‘الأنغار‘ للبحري بن يحمد، وهذا جميل في حد ذاته”.

تتابع “هنالك من كانوا يتمرنون في كهوف وتجاويف جبل سمامة، لكنه عندما امتلأ بالإرهابيين أعداء الفن غادروا. هنالك من أسس مهرجانا في جبل الشعانبي، وغير ذلك من الطرق الجديدة للفن. فعندما ترى مثلا حافلات ومجموعة من الشباب في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة التونسية أمام مقر وزارة السياحة يذهبون في ‘روندوني‘ إلى الطبيعة، إلى الجمال، إلى الحياة، فهم وجدوا حلا لم تجده وزارة السياحة للسياحة، هم فهموا أن سياحة النزل انتهت”.

لذا ترى بن عمار أن المسرح في تونس لم يعد مسرحا فقط بل هو كل الفنون الحية، مثلا تجربة “دريم سيتي” فتحت مجالا جديدا للباحثين. “ثم لسنا نحن فقط كمسرحيين نبدع في المسرح، نحن مازلنا بين جدران المسرح”. كما تقول الفنانة “المسرح اليوم مفتوح حيث ثمة من قدموا عرضا عن التعذيب بموقف السيارات في ساحة القصبة، وغيرهم حاولوا تقديم مقترحات فنية في الشارع، وهذا مميز، هنالك عدة اقتراحات ولكن لم تشاهد حيث بقي الصراع في أدنى مستوياته”.

تختم بن عمار حديثها مع “العرب” قائلة “الإبداع اليوم ليس حكرا على المبدعين المختصين وليس حكرا لي ففي اللحظة التي أتمرن خلالها على مشروع فني وأقدم عروضا، هنالك أناس آخرون يبدعون، وهنالك مفاجاءات فنية في كل مكان. لست وحدي مبدعة البشر، كثيرون يبدعون في كل لحظة وليست السوق محددة للقيمة، فللسوق قانون آخر وأنت عليك الاختيار. بكل بساطة أنا الآن هنا أواكب ما يحدث وأعيشه وأتفاعل معه، أنا حية”.

(العرب)

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق